التحليلات

السعودية والجنوب: وصاية بلا خدمات

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وأمامه السفير السعودي لليمن محمد آل جابر (صورة من واس، تعديل بواسطة الذكاء الاصطناعي)

آخر تحديث في: 20-06-2026 الساعة 11 صباحاً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | عبد الله الشادلي


مع دخول محافظات جنوب اليمن، وفي مقدمتها العاصمة عدن ومحافظة حضرموت، صيفًا جديدًا من الانقطاعات الطويلة للكهرباء ونقص الوقود وتدهور الخدمات الأساسية، لم تعد هذه الأزمة تُقرأ بوصفها خللًا في قطاع متهالك، أو فشلًا حكوميًا منفصلًا عن السياق السياسي الأوسع. فقد تحولت ساعات الظلام الطويلة، وتعثر إمدادات المياه، وتعثر بعض الرحلات الجوية نتيجة نقص الوقود، وتأخر صرف المرتبات، وارتفاع الأسعار، واتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية، إلى مؤشرات على أزمة أعمق، تتجاوز حدود المؤسسات المحلية إلى سؤال النفوذ الفعلي في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية.


في قلب هذا السؤال تقف السعودية، بوصفها الطرف الأكثر حضورًا وتأثيرًا في معادلة القرار السياسي والعسكري والمالي داخل هذه المناطق. فمنذ تدخل التحالف العربي عام 2015 بقيادتها، لم يقتصر الدور السعودي على الدعم الخارجي للحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين "الانقلابيين"، بل تطور تدريجيًا إلى نفوذ واسع داخل مؤسسات الشرعية بما فيها الرئاسة والحكومة المركزية، وامتد إلى ملفات الأمن والاقتصاد والتمويل والخدمات. 


ومع تراجع الحضور الإماراتي المباشر في بعض الملفات، وانفراد السعودية بيمن الحكومة الشرعية بشكل مطلق منذ مطلع عام 2026، بدا الدور السعودي أكثر وضوحًا في جنوب اليمن، ومعه أيضًا كان واضحًا حجم المسؤولية التي يفرضها هذا الدور الوصائي. 


وقد طرح اتساع النفوذ معضلة لا يمكن تجاوزها، فإذا كانت الرياض تملك هذا القدر من التأثير على القرار اليمني، فلماذا لا ينعكس ذلك على حياة السكان اليومية؟ وإذا كانت السعودية قادرة على التحكم بالتوازنات السياسية والعسكرية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، وإعادة صياغة المشهد كما تريد، وضرب أطراف محلية كما حصل مع المجلس الانتقالي الجنوبي، فإلى أي مدى يمكنها أن تظل في موقع الداعم الخارجي لا الطرف المسؤول عن نتائج هذا النفوذ، بما في ذلك المسؤولية تجاه الالتزامات الطبيعية للحكومات والدول تجاه السكان؟


لا تنفي هذه الأسئلة مسؤولية الحكومة اليمنية والسلطات المحلية والقوى المسيطرة على الأرض عن الفشل الإداري والمالي وتدهور الخدمات. كما لا تتجاهل طبيعة الأزمة البنيوية التي يعاني منها القطاعات الخدمية والمعيشية، وحالة الحرب التي تعيشها البلاد مع الحوثيين وتداعياتها بما في ذلك توقف صادرات النفط منذ 2022 وتراجع الإيرادات. لكنها تضع هذه العوامل داخل إطار أوسع، حيث تقف السعودية على رأس هذه الملفات بنفوذ لا ينافس، ومسؤولية لا تقبل الشك ولا التأويل.


الدور الوصائي السعودي


في المرحلة الأولى من الحرب، ظهر الدور السعودي بوصفه جزءًا من قيادة التحالف العربي، وهو تحالف انطلق لدعم الشرعية اليمنية وقتال الحوثيين بقيادة السعودية والإمارات وبمشاركة متفاوتة لدول عربية انسحب بعضها لاحقًا ليترك هذا التحالف بصيغة ثنائية سعودية إماراتية.


ومع مرور الوقت، بدا أن النفوذ داخل المناطق المحررة من الحوثيين توزع بين الرياض وأبوظبي، وهي أراضي جنوب اليمن بنسبة غالبة مع بعض المديريات في محافظتي مأرب وتعز وجيوب في محافظات شمالية أخرى.


كان الحضور الإماراتي أكثر بروزًا في عدن والمحافظات المجاورة وساحل حضرموت، وهي مناطق سيطرة حليفها الوثيق المجلس الانتقالي خصوصًا بعد اتفاق الرياض في 2019 بينه وبين الحكومة اليمنية التي يتمتع حزب الإصلاح الإسلامي بنفوذ كبير فيها. ومقابل هذا الحضور الإماراتي، احتفظت السعودية بالنفوذ الأوسع على الحكومة اليمنية وعلاقاتها الخارجية، ومجلس القيادة الرئاسي الذي تشكل عام 2022 والملف السياسي العام، مع إشراف واضح على الملف الشمالي والقوات الشمالية في مأرب والحدود اليمنية السعودية. 


لكن هذه المعادلة، التي كان واضحًا من البداية أنها تتسم بطابع تنافسي متصاعد، تغيرت تدريجيًا مع انحسار الحضور الإماراتي تدريجيًا، حتى يناير 2026 عندما سحبت أبوظبي أخر ضباطها من جنوب اليمن تحت التهديد السعودي اليمني، وما لحق ذلك من قصف جوي سعودي بالتزامن مع الدفع بقوات محلية شمالية على الأرض لقتال القوات العسكرية الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي، وإخراجها من حضرموت والمهرة بعد شهر من عملية عسكرية (المستقبل الواعد) هدفت لتأمين المحافظتين. 


وقد امتدت الإجراءات السعودية إلى عدن وبقية المحافظات، وشملت ترتيبات وتغييرات في البنية العسكرية والسياسية القائمة عبر قرارات رئيس مجلس القيادة الرئاسي المقيم في الرياض، التي شملت عزل اثنين من أعضاء المجلس من هم رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي ونائبه، وتشكيل حكومة جديدة مع استبعاد مشاركة الانتقالي. وهو ما جعل النفوذ السعودي في مرحلة غير مسبوقة، ومعه كانت التوقعات بتغيير في الواقع المعيشي والخدمي حيث كانت كثير من الحجج والمبررات لهذا التدهور هو تعدد مراكز القرار والتنافس الداخلي بين المجلس الانتقالي وقوى يمنية داخل الحكومة.


لكن استمرار التدهور بل وتفاقمه بعد ستة أشهر من هذه التطورات فرض أسئلة وملاحظات في الشارع الجنوبي. المحلل السياسي سالم المرشدي قال لمركز سوث24 إن الشارع الجنوبي ينظر إلى الدور السعودي بكثير من التوجس والريبة، حيث تركت الرياض موقع الحليف الداعم المفترض، وانتقلت إلى موقع اللاعب الإقليمي الساعي إلى فرض توازنات تخدم مصالحه أولًا، حتى وإن جاء ذلك على حساب الاستقرار المعيشي والأمني في الجنوب.


ويرى المحلل السياسي صلاح السقلدي أن طبيعة الدور السعودي في اليمن، وخصوصًا في محافظات الجنوب، أصبح اليوم أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. وقال لمركز سوث24 إن التدخل السعودي منذ البداية لم يكن، من وجهة نظره، يستهدف دعم الشرعية بقدر ما كان يهدف إلى فرض النفوذ وترسيخ المصالح السعودية وتعزيز السيطرة على الأرض تحت عنوان استعادة الشرعية. 


من يملك القرار يتحمل المسؤولية


يؤكد سالم المرشدي أن تحميل السعودية الجزء الأكبر من المسؤولية حول الأوضاع المعيشية والخدمية لا يعني تبرئة الحكومة اليمنية أو السلطات المحلية. لكنه أشار إلى أن الحكومة تعمل ضمن هامش ضيق من الحركة نتيجة اعتمادها السياسي والمالي على الدعم والقرار الخارجي، وفي مقدمته السعودية، ما يحد من قدرتها على فرض قراراتها أو إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية بصورة مستقلة.


وبحسب المرشدي، فإن التقدير السائد في الشارع الجنوبي هو أن الحكومة اليمنية منزوعة السيادة إلى حد كبير، وتتحرك داخل هامش تحدده الإملاءات الخارجية، وفي مقدمتها السعودية. ومن هذا المنظور، لا يمكن فصل عجز الحكومة عن طبيعة النفوذ الذي يحيط بها، مع حقيقة أن التدخلات السعودية الأخيرة ضد المجلس الانتقالي في حضرموت عرقلت مسارًا كان يمكن أن يؤدي لتطورات تشمل تحسين الأوضاع المزرية للسكان في الجنوب بعد سنوات من المعاناة، عبر السيطرة على الموارد النفطية وغيرها في الجنوب وتسخيرها لهذا الهدف.


ولا يعترض صلاح السقلدي على هذا التقييم، إذ يرى أن السعودية أصبحت الطرف الرئيسي المسؤول سياسيًا عما تشهده محافظات الجنوب من تدهور خدمي ومعيشي. لافتًا أن الرياض باتت الطرف الذي يمتلك قدرة واسعة على توجيه القوى المحلية والتحكم بمساراتها، كما تتولى إدارة حوارات وملفات سياسية كبرى مع الحوثيين بصورة منفصلة عن بقية القوى اليمنية.


مضيفًا: "امتلاك السعودية لهذا الحجم من التأثير يعني أنها قادرة، لو أرادت، على إلزام المسؤولين المحليين بأداء واجباتهم، ومعالجة كثير من الاختناقات القائمة في الكهرباء، وتحسين بقية الخدمات والقطاعات". ويستشهد في ذلك بأزمة وقود كهرباء عدن، التي يرتبط جزء منها بإمدادات يفترض أن تأتي من حضرموت، لكنها تتعثر بفعل الخلافات المحلية وتعدد مراكز القرار. وفي هذه الحالة، لا تبدو المشكلة في غياب القدرة السعودية على التدخل، بل في طبيعة استخدام هذه القدرة وأولوياتها.


التعهدات السعودية والواقع


لا تغيب التعهدات السعودية المالية والاقتصادية للحكومة اليمنية المشهد. فمنذ بداية عام 2026، أعلنت الرياض أكثر من حزمة دعم واتفاقية مرتبطة بالوقود والكهرباء والموازنة العامة. غير أن تتابع هذه التعهدات، مقابل استمرار الانقطاعات الطويلة للكهرباء والتدهور في بقية الخدمات، جعل السؤال في الشارع الجنوبي لا يتعلق بحجم ما تعلنه السعودية، بل بأثره الفعلي على حياة السكان.


وفي 18 يناير، تعهدت الرياض بحزمة تنموية بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي تشمل عشرات المشاريع في المحافظات اليمنية، إلى جانب منحة للمشتقات النفطية. وبعد ثلاثة أيام، في 21 يناير، أعلن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن توقيع اتفاقية لشراء مشتقات نفطية من شركة بترومسيلة، بهدف تزويد أكثر من 70 محطة كهرباء بالوقود. وقد حملت هذه الاتفاقية دلالة خاصة لأنها ربطت الدعم السعودي بمورد محلي في حضرموت، وهو مورد تعرض للتعطيل خلال الأعوام الماضية بفعل مجاميع قبلية دعمتها السعودية مما فاقم أزمة الكهرباء بعدن.


وفي 25 فبراير، أعلنت الرياض تقديم 1.3 مليار ريال سعودي، أي نحو 347 مليون دولار، لدعم الحكومة اليمنية في تغطية رواتب الموظفين وعجز الموازنة، وقد أسهم هذا الدعم في تسديد الرواتب خلال الأشهر الماضية بعد عجز حكومي تام. ثم في 27 مايو، أعلنت المملكة دعمًا عاجلًا جديدًا بالمشتقات النفطية بقيمة 150 مليون دولار لتغطية الاحتياجات التشغيلية لمحطات الكهرباء العاملة بالديزل والمازوت. وفي 9 يونيو، تم التوقيع على هذا الدعم بين الحكومة اليمنية والبرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، إلى جانب اتفاقية أخرى بين بترومسيلة ووزارة الكهرباء والبرنامج السعودي لدعم استدامة أعمال الشركة وتعزيز كفاءتها التشغيلية والإنتاجية.


وهنا تكمن المفارقة الأساسية. فالأرقام كبيرة، والاتفاقيات متعددة، لكن الشارع الجنوبي لم يلمس في الحقيقة الكثير من التغيير، وهو ما أدى لاندلاع احتجاجات في شهر يونيو في عدن وحضرموت شملت شعارات مناهضة للحكومة اليمنية والسعودية. كما تصاعدت التساؤلات حول المشاريع الإماراتية التنموية في الجنوب التي توقفت في ديسمبر الماضي بسبب التطورات السياسية، بما في ذلك مشروع تأسيس ثلاث محطات شمسية في محافظات لحج والضالع وأبين بقدرة إجمالية 70 ميجاوات، كان يمكن أن تسهم – مثل محطتي عدن (120 ميجاوات) وشبوة (53 ميجاوات)، اللتين دخلتا الخدمة سابقًا، في تحسين الكهرباء. 


اقرأ المزيد: بعد خروج الشركات الإماراتية: من يملأ فراغ المشاريع في جنوب اليمن؟


وفي هذا الصدد، يقول الخبير في مجال الطاقة المهندس أحمد باحكيم إنه "بالرغم من أن السعودية قدمت دعماً مستمراً عبر المنح النفطية والمشاريع الإسعافية ومحطات التوليد المؤقتة، إلا أن معظم هذه التدخلات ركزت على إدارة الأزمة أكثر من معالجة جذورها. فشبكات النقل والتوزيع متهالكة، ونسب الفاقد الفني والتجاري مرتفعة، ومؤسسات الكهرباء تعاني اختلالات مالية وإدارية مزمنة، ما جعل أي دعم وقود أو توليد إضافي يحقق أثراً مؤقتاً فقط.


وبشأن ما إذا كانت السعودية استطاعت ملء فراغ الإمارات، قال باحكيم لمركز سوث24: "حتى الآن، يصعب القول إن السعودية نجحت بالكامل في ملء ذلك الفراغ. فالإمارات كانت قد طرحت خلال السنوات الماضية مشاريع طاقة شمسية ذات حضور إعلامي وتنفيذي واضح في عدد من المحافظات الجنوبية، بينما ركزت السعودية خلال الفترة الأخيرة بصورة أكبر على المحطات الإسعافية والدعم التشغيلي والوقود. صحيح أن الأشهر الأخيرة شهدت تصاعداً في الحديث عن مشاريع سعودية استراتيجية، خصوصاً في حضرموت، إلا أن معظم هذه المشاريع ما تزال في مراحل الدراسات والتخطيط أو الترتيبات التنفيذية الأولية. وبالتالي فإن تقييم نجاحها يتوقف على سرعة الانتقال من مرحلة الإعلان إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على الأرض".

 

في المحصلة، لا يمكن فصل الانهيار الخدمي في جنوب اليمن عن البنية السياسية التي تحكم مناطق الحكومة. فحين تصبح القرارات الكبرى، من تشكيل الحكومات وهندسة المشهد، مرتبطة بإرادة خارجية، فإن الفشل الخدمي والاقتصادي يتحول إلى نتيجة طبيعية لوصاية تنتزع القرار وتنتهك السيادة. وهذا بالضبط ما يختبره السكان اليوم في جنوب اليمن ويخشاه مراقبون للوضع هناك.


صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا