التحليلات

مأزق الردع: هل يدفع الحوثيون السعودية إلى حرب شاملة؟

صورة مركبة (مركز سوث24 - بواسطة AI)

31-07-2026 الساعة 12 مساءً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | فريدة أحمد


شهدت اليمن خلال الأيام الماضية تصعيداً عسكرياً لافتاً أنهى حالة من التهدئة النسبية استمرت لما يقارب أربع سنوات، منذ دخول الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة حيز التنفيذ في 2 إبريل 2022، بين الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين، بدعم من المملكة العربية السعودية، والتي نصت على وقف الأعمال القتالية وتهيئة الظروف لدفع المسار السياسي. إلا أن هذا المسار تعرض لاختبار جديد عقب إصرار جماعة الحوثيين على استقبال طائرة تابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية في مطار صنعاء دون موافقة الحكومة اليمنية، وهو ما دفع إلى استهداف مدرج المطار لمنع هبوطها ، ورد الحوثيين باستهداف مطار أبها الدولي. وقد أعادت هذه التطورات فتح دائرة التصعيد العسكري، بما يحمله ذلك من تداعيات على أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وجهود خفض التصعيد، وفرص استئناف العملية السياسية في اليمن.


تحاول هذه الورقة تحليل أبعاد التصعيد الأخير في اليمن، في ظل رفض السعودية محاولات جماعة الحوثيين المدعومة من إيران فرض أمر واقع جديد يتجاوز التفاهمات القائمة. وتتناول الورقة المواقف والتداعيات الاستراتيجية لإعلان الحوثيين فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية، وما يمثله ذلك من تحول في أدوات الضغط التي تستخدمها الجماعة، وانعكاساته على أمن الملاحة وإمدادات الطاقة. كما تبحث الورقة سيناريوهات الموقف القادم، عبر رصد حدود خيارات الرد العسكري والسياسي لكلا الطرفين، وانعكاساتها المباشرة على مستقبَل التهدئة والمسار السياسي في اليمن والمنطقة.


خلفية التصعيد الأخير


في 13 يوليو، عادت إلى اليمن طائرة تابعة لشركة "ماهان إير" الإيرانية قادمة من طهران وعلى متنها وفد من جماعة الحوثيين، وهي الطائرة نفسها التي غادرت صنعاء في 3 يوليو تحت مبرر نقل نحو 200 مريض لتلقي العلاج في إيران. إلا أن الرحلة كانت تقل وفداً حوثياً رفيع المستوى شارك في مراسم تشييع علي خامنئي قبل عودته إلى اليمن، وفقاً لمصادر متعددة. وأثار مسار عودة الطائرة جدلاً واسعاً، بعدما مضت في رحلة العودة رغم التحذيرات الصادرة من السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً بعدم الهبوط في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وبدلاً من التوجه إلى مطار صنعاء، الذي كان قد تعرض لضربات عسكرية نُسبت إلى السعودية وتبنتها الحكومة اليمنية؛ هبطت الطائرة في مطار الحديدة.


وتشير معلومات حصل عليها مركز سوث24 من مصدر خاص إلى أن الطائرة كانت تحمل شحنة من الأسلحة وقطعاً تستخدم في تجهيز الزوارق المفخخة، وأن عناصر من الجماعة كانوا بانتظار وصولها منذ ساعات الصباح الأولى لتفريغ حمولتها في الحديدة وليس صنعاء. وبحسب المصدر، نُقلت الشحنة إلى أحد مخازن الأسلحة في مدينة الحديدة، وهو الموقع الذي تعرض لاحقاً لضربات جوية سعودية. وفي المقابل، لم تكشف السعودية بصورة تفصيلية عن طبيعة الأهداف العسكرية التي استهدفتها في الحديدة. إلا أن المسؤول العسكري السعودي تركي المالكي، أكد أن العمليات لم تستهدف ميناء الحديدة.


من المهم القول، أن مسار الرحلة يعزز من فرضية أن الهبوط في مطار الحديدة كان جزءاً من خطة معدة مسبقاً، بينما مثّل الإعلان عن التوجه إلى صنعاء غطاءً أو إجراءً تمويهياً. فطبيعة الحمولة، التي يُعتقد أنها تضمنت قطعاً تستخدم في تصنيع وتجهيز الزوارق المفخخة، تجعل إنزالها في الحديدة أكثر منطقية من الناحية العملياتية، نظراً لكونها مدينة ساحلية تشكل مركزاً رئيسياً لأنشطة الحوثيين البحرية في البحر الأحمر. كما أن نقل مثل هذه المعدات لاحقاً براً من صنعاء إلى الساحل كان سيزيد من مخاطر رصدها أو استهدافها، وهو ما يرجح أن اختيار الحديدة لم يكن قراراً طارئاً فرضته الظروف، بل جزءاً من التخطيط المسبق للعملية.


ومع اكتمال هذه الترتيبات التكتيكية، شهد التصعيد منحى أكثر خطورة بعد أن استهدفت جماعة الحوثيين مطار أبها في 13 يوليو، ما أدى إلى خروجه عن الخدمة لأيام، قبل أن توسع نطاق هجماتها لتشمل مواقع تابعة لشركة أرامكو السعودية في كلٍ من جازان وينبع، حيث أعلنت مسؤوليتها عن تنفيذ تلك الضربات. ومع اتساع نطاق العمليات، انتقلت الجماعة من استهداف منشآت محددة إلى محاولة فرض معادلة ردع جديدة في المجال البحري. ففي 20 يوليو أعلنت فرض ما وصفته بـ "حظر الملاحة البحرية" على السعودية وكل السفن المرتبطة بها. وبعد يومين من الإعلان فقط، استهدفت ناقلتي النفط السعوديتين "نسيليا" و"ليلى"، في خطوة عكست انتقال التهديد من البنية التحتية البرية إلى خطوط النقل البحري. كما لم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ وسعت الجماعة عملياتها لتشمل خط أنابيب "شرق-غرب"، الذي ينقل صادرات النفط السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. إذ تحول هذا الخط في ظل الحرب الإيرانية-الأمريكية وإغلاق مضيق هرمز، إلى أحد أهم المسارات البديلة لتصدير النفط والغاز والسلع الاستراتيجية السعودية. ويعكس استهدافه محاولة لتقويض أحد أبرز البدائل اللوجستية التي تعتمد عليها المملكة لتأمين صادراتها بعيداً عن مضيق هرمز، خاصة للصادرات النفطية المتجهة لشرق آسيا، وتحديداً للصين.


تحولات الموقف السعودي


من الواضح أن الموقف السعودي شهد تحولاً نوعياً تجاه جماعة الحوثيين مقارنة بالمرحلة التي أعقبت إعلان التهدئة في عام 2022. فبعد أن ركزت الرياض خلال السنوات الماضية على احتواء التصعيد وإعطاء الأولوية للمسار السياسي إلى جانب سلطنة عمان، وذهبت إلى تفاهمات منفردة مع الجماعة، تبدو اليوم أكثر استعداداً للرد على أي تهديدات مباشرة تستهدف أمنها أو منشآتها الحيوية. وهو فعلياً ما انعكس في الضربات التي استهدفت مواقع في صنعاء والحديدة، إضافة إلى استهداف مصادر الطائرات المسيّرة في العراق، في رسالة مفادها أن السعودية لم تعد تتبنى سياسة ضبط النفس بالوتيرة نفسها التي اتسمت بها مرحلة التهدئة. ويعزز هذا التوجه ما أعلنه المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، اللواء تركي المالكي، من أن المملكة سترد على أي اعتداء تتعرض له.


وفي المقابل، فإن استمرار الحوثيين في رفع مستوى التصعيد قد يدفع الطرفين إلى دوامة من الردود المتبادلة، بما يزيد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة. كما أن مواصلة الجماعة استخدام التهديد المباشر للسعودية كورقة ضغط قد يؤدي إلى استنزاف هذه الورقة وفقدانها جانباً من فعاليتها، إذا ما تحول التصعيد إلى حرب شاملة على مستوى الداخل اليمني، خصوصاً في ظل الضغوط الإيرانية للحوثيين للإبقاء على وتيرة التصعيد. إذ قد تجد الجماعة الدينية نفسها أمام كلفة عسكرية وسياسية واقتصادية باهظة، بما يضعف من فرص عودتها إلى مسار التهدئة، ويؤدي في نهاية المطاف إلى خسارة إحدى أهم أوراق الضغط التي استخدمتها في مواجهة الرياض خلال السنوات الأخيرة.


وفيما يبدو أن السعودية باتت تعتمد اليوم استراتيجية "المعاملة بالمثل" تجاه الحوثيين؛ فهي تبقي باب التوقيع على خارطة الطريق مفتوحاً، بينما تملك الجاهزية الكاملة للرد على أي تصعيد. هذه الرؤية تُسقط الرهان الحوثي القائم على سياسة الابتزاز، وتضع الجماعة أمام مأزق حسابات تجاوز تقديراتها، في وقت تملك فيه الرياض نفَساً طويلاً. كما أن الموقف الحوثي لا يتحرك في مجرد سياق محلي؛ في ظل وجود توجيه وإصرار إيرانيين على توظيف الجماعة إلى جانب فصائل الحشد الشعبي في العراق، كأوراق ضغط بالوكالة لفرض حصار على السعودية. فمع تحول الرياض لتصدير نفطها غرباً عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر تفادياً لتداعيات إغلاق مضيق هرمز شرقاً، كانت رسالة طهران واضحة: "لن يبيع أحد النفط في منطقة لا نبيع فيها النفط"، وفقاً لتصريح رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف. ومن هذا المنطلق، لم يعد الهدف الإيراني مجرد تعطيل الملاحة بشكل عام في باب المندب، بل إعادة تصويب الضغط نحو المصالح السعودية تحديداً لإيجاد حالة من الإضرار المباشر، وهو ما تجلى في إعلان الحوثيين صراحةً عن فرض حصار بحري يقتصر على السفن المرتبطة بالسعودية دون غيرها.


حتى اللحظة، مازالت الرياض تمتص الضربات الحوثية، نظراً لأنها لم تُحدث أضراراً هيكلية تُعطل شريان الإمدادات أو توقف المصالح الإستراتيجية بشكل كامل. غير أن الصبر السعودي قد ينفذ في أي لحظة، فحدوث ضربة نوعية كبرى تؤدي إلى إيقاف التصدير بشكل نهائي؛ سيُسقط ما تبقى من خيارات لدى الحوثيين وقد يؤدي ذلك إلى اندلاع حرب شاملة. وقد ظهر ذلك مؤخراً في تصريحات الحكومة اليمنية المعترف بها عن رفع الجاهزية والاستعداد لمعركة حاسمة، فضلا عن تحركات ميدانية وإعادة تموضع عسكرية على المستوى المحلي. إلى جانب ذلك أيضا يبرز اعتزام السعودية تشكيل تحالف بحري دولي مع عشرات الدول ‌لحماية الملاحة في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين. وفي مقابل هذا الاحتمال، تواصل طهران الاحتماء بظلال وكلائها لتتنصل من المسؤولية المباشرة، محاولة اختزال الأزمة في مربع "الخلاف السعودي-الحوثي"، رغم أن آليات الحصار والضغط الممارس تعكس قراراً إيرانياً كاملاً بامتياز.


مأزق الحسابات الحوثية


لا يبدو أن الجماعة الحوثية تسعى للوصول إلى سيناريو الحرب الشاملة؛ إذ يدرك قادتها أن تمادي الاستنزاف واستمرار التلويح بتهديد المصالح السعودية يفقد أوراقهم قيمتها الإستراتيجية تدريجياً، وقد ينتهي بإنهاء مكاسبهم كلياً. غير أن الجماعة تجد نفسها مُكبلة بالضغوط الإيرانية الصارمة لإبقاء هذه الورقة مشتعلة، مما يدفع المشهد الداخلي نحو صراع أجنحة متصاعد.


هذا المأزق يفرز تبايناً صريحاً بين تيارين داخل الجماعة؛ أولهما جناح العقائديين والارتباط المباشر بمحور طهران، والذي ينفذ الأوامر دون النظر للعواقب المحلية، وثانيهما جناح يرى ضرورة الحفاظ على المكاسب السياسية والاقتصادية التي تحققت خلال سنوات الصراع. وقد جاء الظهور العلني الأخير للسفير الإيراني في صنعاء، علي رضائي، برفقة رئيس حكومة الحوثيين كإشارة واضحة إلى أن المشهد العملياتي والسياسي يُدار رسمياً ومباشرة من داخل صنعاء بأوامر إيرانية. ولا يتوقف دور السفير الإيراني عند نقل التوجيهات، بل يمتد على غرار سلفه حسن إيرلو، إلى إدارة الخلافات العميقة بين أجنحة الجماعة، وضمان بقائها في خدمة التوجه الإستراتيجي لطهران.


وفي المحصلة، تسعى إيران للوصول إلى محطة إيقاف الحرب، لكنها تدرك أن تلك اللحظة ستضعها أمام خسائر فادحة دون تحقيق مصالحها المرجوة؛ لا سيما في ظل الضغوط والشروط الصارمة التي يطرحها ترامب، والتي تلوح باقتطاع تعويضات الأضرار اللاحقة بالسفن المستهدفة في الخليج من (الأصول الإيرانية المجمدة) لدى الولايات المتحدة. وتأسيساً على ذلك، يبرز السؤال الأكثر حرجاً: إلى أي مدى قد تذهب طهران في إلحاق الضرر بالمنطقة؟ وإلى أي حد يملك نفوذها القدرة على توجيه قرار جماعة الحوثي واستنزاف مساحتها للتحاور، إذا ما تعارضت رغبة الانتقام الإيراني مع حسابات البقاء لدى الجماعة؟


السيناريوهات المحتملة


في ضوء المعطيات السابقة، يبدو أن مسار التصعيد الحوثي-السعودي يتجه نحو أحد مسارين رئيسيين، يتوقف ترجيح أي منهما على طبيعة سلوك الأطراف خلال المرحلة المقبلة، ومدى قدرة الجهود الإقليمية على احتواء التصعيد. ويمكن تلخيص هذه السيناريوهات على النحو الآتي:


السيناريو الأول: العودة إلى مسار التهدئة


يقوم هذا السيناريو على احتواء التصعيد الأخير ونجاح الجهود الإقليمية، ولا سيما الوساطة العُمانية، في إعادة الأطراف إلى مسار التفاوض. ويتطلب ذلك امتناع الحوثيين عن استهداف المصالح السعودية، مقابل استمرار الرياض في ضبط ردها العسكري والإبقاء على التزامها بخارطة الطريق. وفي هذه الحالة، قد يُنظر إلى التصعيد الأخير باعتباره وسيلة لتحسين شروط التفاوض أكثر من كونه مقدمة لعودة الحرب، بما يسمح باستئناف المسار السياسي وتقليص فرص المواجهة العسكرية.


السيناريو الثاني: الانزلاق إلى حرب شاملة


يفترض هذا السيناريو فشل جهود احتواء التصعيد، واستمرار الحوثيين في استهداف المنشآت الحيوية والملاحة المرتبطة بالسعودية، أو تنفيذ هجوم نوعي يُحدث أضراراً استراتيجية كبيرة. وفي المقابل، قد تتجه الرياض إلى توسيع عملياتها العسكرية داخل اليمن، متجاوزة سياسة الرد المحدود إلى حملة واسعة مع شركائها المحليين تستهدف تقويض القدرات العسكرية للحوثيين. ومن شأن هذا المسار أن ينهي فعلياً مرحلة التهدئة التي بدأت عام 2022، ويعيد اليمن إلى دائرة الحرب الشاملة، مع ما يرافق ذلك من تداعيات على أمن البحر الأحمر، وإمدادات الطاقة، وفرص التسوية السياسية.


إجمالاً، سيظل مستقبل الأزمة رهناً بقدرة الأطراف على احتواء التصعيد والعودة إلى مسار خارطة الطريق، أو بانزلاقها إلى مواجهة واسعة تعيد اليمن إلى دائرة الحرب، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات تتجاوز الداخل اليمني لتطال أمن البحر الأحمر وإمدادات الطاقة والاستقرار الإقليمي.



فريدة أحمد

المديرة التنفيذية لمركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا