صورة تعبيرية لقراصنة أفارقة، من فلم الكابتن فيليبس (film-tv-video.de)
09-06-2026 الساعة 9 صباحاً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | محمد فوزي
وقعت خلال الآونة الأخيرة العديد من عمليات القرصنة البحرية قبالة سواحل الصومال، وهي العمليات التي لا يمكن قراءتها بمعزل عن الظروف المصاحبة للحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية وتداعياتها والسياقات الأمنية التي أفرزتها، وكذا التحولات التي فرضتها هجمات ميليشيا الحوثي على الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، فضلاً عن المؤشرات المتنامية على علاقات كبيرة تربط الحوثيين بحركة الشباب الإرهابية في الصومال. وتمثل عودة عمليات القرصنة البحرية قبالة سواحل الصومال إشارات تحذير مبكرة إلى عودة أحد أخطر التهديدات التي عرفتها طرق التجارة العالمية خلال العقدين الماضيين.
أولاً- السياق العام لعودة عمليات القرصنة
لم تعد عودة عمليات القرصنة البحرية قبالة السواحل الصومالية مجرد تطور أمني معزول أو ظاهرة إجرامية ذات طابع محلي، وإنما باتت تعكس تفاعلات جيوسياسية وأمنية أوسع تشهدها منطقة البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي بأسره. فبعد سنوات من التراجع النسبي للقرصنة نتيجة الانتشار العسكري الدولي وتعزيز آليات حماية السفن التجارية، عادت هذه الظاهرة إلى الواجهة مجدداً في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع اضطرابات غير مسبوقة في البيئة الأمنية البحرية الإقليمية، ويمكن رصد السياق العام لعودة عمليات القرصنة في ضوء المؤشرات التالية:
1- تراجع منظومة الردع الدولية للقرصنة: يُعد تراجع فعالية منظومة الردع الدولية أحد أهم العوامل المفسرة لعودة القرصنة البحرية قبالة السواحل الصومالية خلال الفترة الأخيرة. فمنذ الذروة التي بلغتها القرصنة الصومالية بين عامي 2008 و2012، نجح المجتمع الدولي في بناء شبكة ردع متعددة المستويات، شملت انتشاراً مكثفاً للقوات البحرية الدولية، وتسيير دوريات مستمرة في خليج عدن والمحيط الهندي، وتطبيق إجراءات أمنية صارمة على السفن التجارية، فضلاً عن تعزيز التنسيق الاستخباراتي بين القوى البحرية المختلفة. وقد أسهمت هذه المنظومة في خفض عمليات القرصنة بشكل حاد، حتى بدا لسنوات أن الظاهرة أصبحت تحت السيطرة.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تآكلاً تدريجياً لهذه المنظومة نتيجة إعادة توجيه الموارد العسكرية الدولية نحو أزمات أكثر إلحاحاً، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا، والتوترات في بحر الصين الجنوبي، ثم أزمة الملاحة في البحر الأحمر عقب هجمات الحوثيين. وقد أوجد هذا التحول فراغاً أمنياً نسبياً في بعض مناطق القرن الأفريقي والمحيط الهندي، وهو ما أدركته شبكات القرصنة سريعاً واستغلته لإعادة بناء قدراتها التشغيلية. كما حذرت تقارير صادرة عن المكتب البحري الدولي من أن استمرار انخفاض مستوى اليقظة الدولية قد يوفر بيئة مواتية لإعادة تنشيط شبكات القرصنة الصومالية التي ما زالت تحتفظ ببعض قدراتها البشرية واللوجستية رغم سنوات التراجع.
2- استمرار هشاشة الدولة الصومالية: تمثل هشاشة الدولة الصومالية أحد أكثر العوامل البنيوية تأثيراً في عودة نشاط القرصنة البحرية، إذ إن الظاهرة لم تكن في الأساس نتاجاً لعوامل بحرية فقط، بقدر ما كانت انعكاساً مباشراً لضعف مؤسسات الدولة وعجزها عن فرض سيادتها على أراضيها ومياهها الإقليمية. فعلى الرغم من التحسن النسبي الذي شهدته الصومال خلال السنوات الأخيرة مقارنة بمرحلة الانهيار الكامل للدولة، فإن الحكومة الفيدرالية ما زالت تواجه تحديات عميقة تتعلق بضعف القدرات الأمنية، والانقسامات بين الحكومة المركزية والولايات الفيدرالية، واستمرار نفوذ حركة الشباب الإرهابية، فضلاً عن محدودية الموارد المخصصة لحماية السواحل التي تمتد لأكثر من 3300 كيلومتر، وهي الأطول في القارة الأفريقية. وفي ظل هذه التحديات، تبقى قدرة الدولة على مراقبة المجال البحري أو ملاحقة الشبكات الإجرامية محدودة للغاية، ما يخلق بيئة مواتية لإعادة تشكل شبكات القرصنة.
3- الحسابات الاقتصادية للقراصنة: خلال السنوات الأخيرة، تزايدت الضغوط المالية التي تواجه الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية في الصومال نتيجة العمليات العسكرية ضدها وتشديد الرقابة على مصادر التمويل التقليدية، الأمر الذي دفع بعض هذه الأطراف إلى البحث عن قنوات جديدة لتوليد الموارد المالية. وفي هذا السياق، تبدو عودة نشاط القرصنة جزءاً من عملية إعادة توظيف للأدوات الإجرامية القديمة التي أثبتت قدرتها على تحقيق عوائد مالية كبيرة خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، خاصة في ظل الاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن.
وتزداد أهمية هذا العامل في ضوء التقارير المتزايدة التي تتحدث عن تنامي الروابط بين حركة الشباب الصومالية وشبكات التهريب العابرة للبحر الأحمر، بما في ذلك شبكات مرتبطة بالحوثيين في اليمن. فقد أشارت تقارير صادرة عن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة وتقارير استخباراتية أمريكية إلى وجود قنوات متنامية لتبادل الأسلحة والمواد اللوجستية عبر خليج عدن، حيث استفادت حركة الشباب من شبكات التهريب البحرية للحصول على أسلحة وذخائر أكثر تطوراً، في حين استفادت الأطراف الأخرى من البنية التحتية غير الرسمية التي تسيطر عليها الحركة داخل بعض المناطق الساحلية الصومالية.
ثانياً- علاقة ميليشيا الحوثي بعودة القرصنة البحرية
عند الحديث عن عودة عمليات القرصنة البحرية قبالة سواحل الصومال، لا يمكن تناول هذه المسألة بمعزل عن دور ميليشيا الحوثي في اليمن، وذلك في ضوء بعض المؤشرات الرئيسية، على النحو التالي:
1- العلاقات المتنامية بين الحوثيين وحركة الشباب: بعيداً عن التباينات العقائدية بين الجانبين، برزت خلال السنوات الأخيرة مؤشرات لافتة على تنامي أوجه العلاقة بين ميليشيا الحوثي في اليمن وحركة الشباب الإرهابية في الصومال. وفي هذا السياق، كانت الاستخبارات الأمريكية، في يونيو 2024، قد كشفت عن رصد مناقشات واتصالات بين الحوثيين وحركة الشباب بشأن إمكانية تزويد الحركة بأسلحة ومعدات عسكرية. ووفقاً لهذه التقديرات، فإن القلق الأمريكي لم يكن مرتبطاً فقط بإمكانية نقل أسلحة تقليدية، بل باحتمال وصول تقنيات أكثر تطوراً إلى الحركة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة وبعض المنظومات التي اكتسب الحوثيون خبرة واسعة في استخدامها خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن العلاقة بين الحوثيين وحركة الشباب محكومة بشكل رئيسي بتقاطع المصالح بعيداً عن التحالفات العقائدية، فالحوثيون يسعون إلى توسيع نطاق الضغط على خصومهم الإقليميين والدوليين وإرباك أمن البحر الأحمر، بينما تبحث حركة الشباب باستمرار عن مصادر جديدة للتسليح والتمويل تعزز قدرتها على مواجهة الحكومة الصومالية والقوات الدولية، وبالتالي يُرجح أن يكون أحد أوجه التعاون بين الجانبين مرتبطاً بمسألة القرصنة البحرية.
2- تداعيات هجمات الحوثيين في البحر الأحمر: تمثل التحولات العميقة التي شهدتها البيئة الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن منذ أواخر عام 2023 أحد أبرز العوامل المفسرة لعودة القرصنة البحرية الصومالية، إذ أدت هجمات الحوثيين على السفن التجارية إلى إعادة تشكيل خريطة التهديدات البحرية في المنطقة بصورة غير مسبوقة. فبعد أن ظلت مكافحة القرصنة تمثل الأولوية الرئيسية للقوات البحرية الدولية على مدار أكثر من عقد، تحولت بوصلة الاهتمام الأمني نحو مواجهة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة والزوارق الهجومية التي استهدفت السفن المارة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وقد فرض هذا التحول إعادة توزيع القدرات البحرية الدولية وتوجيه جانب معتبر من الموارد الاستخباراتية والعملياتية نحو احتواء التهديد الحوثي، الأمر الذي أوجد هامش حركة أكبر لشبكات القرصنة الصومالية وأتاح لها فرصة إعادة تنظيم صفوفها واستئناف نشاطها بعد سنوات من التراجع.
3- تزايد التداخل بين اقتصادات الصراع على جانبي البحر الأحمر: كشفت تقارير دولية عن وجود شبكات تهريب عابرة لخليج عدن تربط الساحل اليمني بالساحل الصومالي، وتشمل تهريب الأسلحة والذخائر والأفراد والبضائع غير المشروعة. وفي هذا السياق، برزت مؤشرات على وجود تواصل بين عناصر مرتبطة بالحوثيين وشبكات تعمل داخل الصومال، بما في ذلك شبكات ذات صلة بحركة الشباب. وهي المؤشرات التي تكشف عن تزايد التداخل بين اقتصادات الصراع على جانبي البحر الأحمر، بما يخلق بيئة تسمح بتبادل المنافع والخدمات اللوجستية والمعلومات بين أطراف متعددة.
4- تقاطع أدوات الحوثيين وحركة الشباب: رغم اختلاف أهداف الحوثيين عن أهداف القراصنة الصوماليين؛ فالحوثيون يطرحون هجماتهم باعتبارها جزءاً من صراع سياسي وعسكري إقليمي، بينما تستهدف القرصنة تحقيق مكاسب مالية مباشرة عبر الفدية أو الابتزاز. لكن رغم اختلاف الدوافع، فإن النتائج الاستراتيجية للطرفين تتقاطع عند نقطة واحدة تتمثل في تهديد حرية الملاحة الدولية ورفع تكلفة التجارة العالمية وإضعاف الثقة في أمن الممرات البحرية. ومن هنا، فإن التأثير التراكمي لهجمات الحوثيين وعمليات القرصنة يتجاوز مجموع تأثير كل منهما منفرداً، ليشكل ضغطاً مركباً على منظومة الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن، وهو اعتبار يزيد من فرص ومحفزات التنسيق بين الميليشيا اليمنية ومجموعات القرصنة والمجموعات الإرهابية الصومالية.
5- اتهامات صومالية ضمنية للحوثيين: أحد المؤشرات الإضافية التي تربط بين الحوثيين وعودة عمليات القرصنة في ساحل الصومال، تمثلت في التصريحات التي أدلى بها مستشار الأمن القومي الصومالي السابق حسين الشيخ علي، الذي قال للجزيرة نت إن ما يجري "ليس قرصنة تقليدية"، وأن ثمة مؤشرات على علاقات وتنسيق عالي المستوى بين أطراف على ضفتي باب المندب، تتجاوز ما يظهر على السطح من عمليات سطو مسلح. وهي تصريحات تعكس في مدلولاتها إدراكاً متزايداً بأن البيئة البحرية الممتدة من خليج عدن إلى بحر العرب لم تعد تعمل ضمن جزر أمنية منفصلة، بل ضمن منظومة تداخل تهديدات تتقاطع فيها مصالح جماعات مسلحة، وشبكات تهريب، وفاعلين غير حكوميين.
إجمالاً يمكن القول إن عودة عمليات القرصنة البحرية قبالة ساحل الصومال لا تبدو مجرد استعادة لظاهرة إجرامية سبق احتواؤها، بل تعكس إعادة تشكل أوسع لمنظومة التهديدات البحرية في فضاء البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، حيث تتداخل هشاشة الدولة الصومالية مع التحولات في أولويات الأمن البحري الدولي، وكذلك مع تصاعد أنماط جديدة من الصراع غير المتماثل في الإقليم. خصوصاً أن هذه العودة جاءت في سياق تراجع نسبي في كثافة الردع الدولي التقليدي. وأخطر ما في هذه التطورات أنها تكشف عن اختلال أوسع في بنية الأمن البحري الإقليمي، إذ تتقاطع الجريمة المنظمة مع الصراعات المسلحة وشبكات التهريب عبر ضفتي باب المندب. ومن ثم، فإن تداعياتها لا تقتصر على الخسائر المباشرة أو حوادث الاختطاف، بل تمتد إلى إعادة رفع كلفة التأمين والشحن، وتعميق عسكرة الممرات البحرية، وإعادة صياغة أولويات القوى الدولية.
باحث مصري في مركز سوث24 للأخبار والدراسات، خبير في شؤون الأمن الإقليمي
قبل 1 شهر