الافتتاحية

العودة إلى مربع الصفر

اجتماع لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن، 27 نوفمبر 2025 (رسمي)

آخر تحديث في: 16-03-2026 الساعة 5 مساءً بتوقيت عدن

افتتاحية مركز سوث24 | إياد قاسم


يمر جنوب اليمن اليوم بواحدة من أخطر مراحله وأكثرها حساسية منذ سنوات طويلة. مرحلة لا تهدد فقط تماسك المشهد السياسي، بل تمس جوهر قضية الجنوب نفسها، ومسارها الذي تشكل عبر عقود من التضحيات والتحولات. فحين تختل البوصلة السياسية وتضعف الرؤية الجامعة، يصبح من السهل أن يعود هذا المسار إلى مربع الصفر، حيث يتحول الجنوب من قضية سياسية واضحة المعالم إلى رقم هامشي في معادلات الإقليم، وجغرافيا مفتوحة تتنازعها المصالح والولاءات المتفرقة لجماعات متطرفة وتنظيمات الإسلام السياسي والأجندة العابرة للحدود.


إن أخطر ما قد يواجهه الجنوب اليوم ليس الخصوم الخارجيين فحسب، بل حالة التآكل البطيء التي يمكن أن تصيب الفكرة الوطنية حين تتراجع لصالح الحسابات الضيقة، أو حين تُختزل السياسة في ردود أفعال آنية، أو في تقديرات فردية ومناطقية لا تستند إلى رؤية استراتيجية مشتركة. وفي مثل هذه اللحظات لا يعود الانقسام مجرد اختلاف في الرأي، بل يتحول إلى عامل هدم يضعف قدرة الجنوب على حماية نفسه سياسيا ومؤسسيا ويخلق شروخا اجتماعية عميقة لا يمكن تجاوزها.


ولهذا فإن اللحظة الراهنة لا تحتمل المزيد من التشرذم، ولا تسمح بإعادة إنتاج الصيغ السياسية التي أثبتت محدوديتها في الماضي. ما تحتاجه هذه المرحلة هو مراجعة عميقة وشجاعة لمسار العمل الوطني الجنوبي، مراجعة تقوم على الاعتراف بالأخطاء، وتقييم التجربة بموضوعية، لا بهدف جلد الذات، بل من أجل تصحيح المسار وتعزيز عناصر القوة فيه.


إنّ النضج السياسي الذي تفرضه هذه المرحلة يقتضي إدراك حقيقة أساسية مهمة: أن الحفاظ على الكيان الجامع وتعزيز مؤسساته ليس خصومة مع السعودية أو تلبية لرغبة الإمارات، بل ضرورة وطنية خالصة. فوجود إطار سياسي منظم، قادر على تمثيل الجنوب والتعبير عن قضيته، يظل أحد أهم عوامل حماية هذه القضية من التشتت أو الاختزال أو التوظيف الخارجي.


ومن هنا تبرز أهمية الحفاظ على الكيان الجامع المتمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي، والعمل على تطوير أدائه وتعزيز مؤسساته بدلا من إضعافه أو التشكيك بوجوده. فالتجارب السياسية في المنطقة تثبت أنّ الفراغ القيادي لا يملؤه مشروع وطني بديل بالضرورة، بل قد تملؤه مشاريع متناقضة ومتعددة، تتحول معها القضية الأصلية إلى ساحة صراع مفتوحة.


كما أنّ اللحظة الراهنة تتطلب تغليب منطق المشروع الوطني على الحسابات الشخصية أو التنافسات الضيقة. فالقضايا الكبرى لا تُدار بمنطق المكاسب الآنية، بل برؤية طويلة المدى تدرك أن وحدة الهدف لا تعني إلغاء الاختلاف، لكنها تفرض إدارة هذا الاختلاف ضمن إطار مؤسسي يحفظ البوصلة الوطنية.


إن الجنوب اليوم بحاجة إلى خطاب سياسي أكثر توازنا لكنه واضحا وصريحا، خطاب يفهم تعقيدات الإقليم ، ويقرأ التحولات الدولية، ويدرك أن الصراعات في المنطقة لم تعد مجرد صراعات محلية، بل باتت جزءا من شبكة معقدة من المصالح والتحالفات. وفي مثل هذا السياق، لا يمكن لأي قضية أن تحافظ على حضورها ما لم تمتلك قيادة سياسية قادرة على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية في آن واحد، وبنفس الوقت قادرة على صنع حدود القرار الوطني والمحلي.


لقد تجاوزت قضية الجنوب منذ زمن مرحلة الشعارات، ودخلت مرحلة الاختبار السياسي الحقيقي. وهي مرحلة تتطلب قيادة تمتلك القدرة على الجمع بين الواقعية السياسية والتمسك بالثوابت الوطنية، وبين إدارة اللحظة الراهنة والحفاظ على الأفق الاستراتيجي للقضية.


لست عضوا، ولم أكن يوما عضوا في المجلس الانتقالي الجنوبي، لكنني منخرط في تفاصيل المشهد السياسي الجنوبي منذ انطلاق الحراك الجنوبي، وأعرف عن قرب غالبية نخب الجنوب السياسية والفكرية والوطنية، كما أعرف حجم التحديات التي واجهتها هذه التجربة منذ بداياتها. ولذلك أدرك تماما أن من يعتقد أن المرحلة الراهنة تتطلب التضحية بالمجلس أو إضعافه، إنما يذهب إلى أخطر التقديرات الممكنة.


فالنظرة الفاحصة لما يجري حولنا في المنطقة تكشف بوضوح ماذا يعني أن تتحول القضايا الوطنية إلى ملفات بلا قيادة، أو إلى كيانات بلا مؤسسات تمثلها. وحين يحدث ذلك، لا تضيع فقط القدرة على إدارة الصراع، بل تضيع أيضا القدرة على حماية المعنى السياسي للقضية نفسها.


إنّ الجنوب اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي: إما أن يتعلم من تجاربه، ويعيد ترتيب أولوياته، ويعزز مؤسساته السياسية، وإما أن يسمح للتباينات الصغيرة بأن تعيده خطوة بعد أخرى إلى مربع الصفر.


والتاريخ يعلمنا دائما أن القضايا العادلة لا تضيع بسبب قوة خصومها بقدر ما تضيع بسبب انقسام أصحابها.


إياد قاسم
رئيس مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا