الافتتاحية

أزمة الحلفاء وتأثيرها على «هندسة الشرق الأوسط الجديد»

Tactical report

آخر تحديث في: 15-02-2026 الساعة 10 صباحاً بتوقيت عدن

المراقب السياسي


تستند الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة تجاه الشرق الأوسط إلى فرضية جوهرية مفادها أن مجلس التعاون الخليجي يشكّل كتلة صلبة تعمل كـ"مضاعف قوة" للسياسة الخارجية لواشنطن، إلا أن القراءة المتأنية للمشهد الراهن تكشف عن انزياح خطير في هذه الفرضية؛ إذ تحوّل الحلفاء من شركاء في تثبيت الاستقرار الإقليمي إلى متنافسين على الهيمنة في صراع صفري.


هذا التحول لم يضعف قدرة واشنطن على تفويض المهام الأمنية والاقتصادية للشركاء المحليين فحسب، بل دفع الإدارة الأمريكية إلى الغرق في تفاصيل نزاعات بينية استنزفت "الدبلوماسية الرئاسية" في ملفات كاليمن والسودان، على حساب التفرغ للمواجهات الاستراتيجية الكبرى مع الصين وروسيا.


ويتجلى هذا الارتباك بشكل صارخ في ملف الردع ضد إيران؛ فبينما تعتمد واشنطن على تفوقها البحري والجوي المدعوم بمنظومات دفاعية إقليمية، يأتي الخلاف السعودي–الإماراتي ليعطل التنسيق الاستخباراتي ويخلق "فراغات أمنية" قاتلة. ولعل تراجع مقترح الإدارة لشن حملة حاسمة ضد الحوثيين في أوائل عام 2025 يمثل دليلاً قاطعاً على أن العجز البنيوي داخل منظومة الحلفاء بات يمنح طهران فرصة لاستعادة نفوذها عبر وكلائها دون كلفة تُذكر.


إن تآكل التنسيق في اليمن لا يقتصر خطره على تمكين الحوثيين فحسب، بل يمتد ليفتح ثغرة استراتيجية تسمح بتحوّل جنوب اليمن إلى بؤرة للتنظيمات العابرة للحدود كالقاعدة والإخوان المسلمين، المصنّفة إرهابية من قبل الإدارة الأمريكية، مما يضع استراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية وأمن الممرات الدولية في مهب الريح نتيجة انشغال الحلفاء بتصفية نفوذ بعضهم بعضاً.


ولا يتوقف الضرر عند الجانب العسكري، بل يمتد ليُسمّم الفضاء السياسي؛ إذ إن استخدام الحلفاء لورقة "العلاقة مع إسرائيل" كأداة للتحريض الإعلامي المتبادل يضع واشنطن في مأزق أخلاقي وسياسي، حيث يتحول "السلام الإبراهيمي" من مشروع ريادي للمنطقة إلى تهمة سياسية تُستخدم لتصفية الحسابات الخليجية، مما يعيد إحياء لغة الصراع العربي–الإسرائيلي التي بذلت الإدارة جهوداً مضنية لتجاوزها.


هذا التشابك السياسي يلقي بظلاله أيضاً على الطموحات الاقتصادية العابرة للقارات، حيث تحوّل "ممر الشرق الأوسط" من مشروع استراتيجي للربط العالمي ومنافسة "طريق الحرير" الصيني إلى ساحة للتنافس التجاري الضيق؛ إذ تسعى القوى الإقليمية إلى إعادة رسم خرائط الموانئ وسلاسل التوريد لإقصاء المنافسين المحليين، مما يهدد الجدوى الاقتصادية للمشروع برمته.


وفي ظل هذا الواقع، تجد إدارة ترامب نفسها مكبّلة بمحدودية أدوات الضغط التقليدية؛ إذ إن منطق "الإدارة بالصفقات" الذي تتبعه أضعف قدرتها على ممارسة القيادة الدولية المستقرة، ففشلت الوساطات الشخصية أمام الطابع العائلي والسيادي للخلاف. بل والأخطر من ذلك هو انقلاب معادلة "فرّق تسد"، حيث تحوّلت واشنطن بداخلها إلى ساحة لممارسة هذه السياسة من قبل الحلفاء عبر جماعات الضغط واللوبيات التي تسعى إلى إرباك صانع القرار الأمريكي وتوجيهه لضرب الشريك الآخر. إن الموقف الأمريكي اليوم يراوح مكانه في منطقة "إدارة الأضرار"، مجبراً على موازنة طموحات حليف يرى نفسه القائد الطبيعي مع تطلعات حليف يرى نفسه القوة الذكية، وأي إخفاق في ضبط هذا التوازن سيعني تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف دائمة للموارد الأمريكية في صراعات عبثية بين "إخوة أعداء".


- مركز سوث24 للأخبار والدراسات 

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا