صورة تعبيرية متداولة ومحسنة بواسطة الذكاء الاصطناعي
آخر تحديث في: 21-05-2026 الساعة 11 مساءً بتوقيت عدن
افتتاحية مركز سوث24 | أحمد باحكيم
بينما كان العالم يحتفل في الثامن من مايو بيوم النصر أو بآفاق التكنولوجيا المتسارعة، كانت عدن، في جنوب اليمن، تغرق في ظلام دامس لا يكسر حدته سوى بصيص ضوء باهت يزور المنازل لساعتين فقط، يغادرها ثماني ساعات أخرى. ليس هذا مجرد خلل فني في منظومة مهترئة، بل هو إعلان صريح عن فشل بنيوي، وأزمة أخلاقية قبل أن تكون تقنية، تضع المدينة وسكانها على حافة "موت سريري" خدمي واقتصادي.
عند الساعة الثانية والنصف من فجر الجمعة، 8 مايو 2026، لم تكن عقارب الساعة تشير فقط إلى توقيت زمني، بل كانت تشير إلى ذروة الانحدار. [1] ثماني ساعات من الانطفاء مقابل ساعتين من التشغيل؛ معادلة رياضية بائسة تعني أن المواطن العدني يقضي 80% من يومه في "عزل قسري" عن الحياة العصرية، في ظل رطوبة خانقة وحرارة لا ترحم، ما يحول البيوت إلى أفران بشرية، والمستشفيات إلى غرف انتظار للمجهول.
عدن بين "معادلة العتمة" ولغة الأرقام الصادمة
إذا أردنا تشريح الأزمة بعيداً عن العواطف، فإن الأرقام الصادرة عن المسؤول الإعلامي لوزارة الكهرباء والطاقة، ترسم لوحة قاتمة لواقع "العجز الكهربائي". [2] نحن لا نتحدث عن نقص طفيف، بل عن فجوة هائلة تتسع يوماً بعد آخر.
تبلغ الاحتياجات الفعلية لمدينة عدن في ذروة الأحمال الصيفية الحالية نحو 630 ميجاوات. هذا هو الرقم الذي تحتاجه المدينة لتتنفس بشكل طبيعي. لكن الواقع الصادم يكشف أن الإنتاج الفعلي خلال ساعات النهار، وبأقصى طاقة ممكنة وبمشاركة "خجولة" من الطاقة الشمسية، لا يتجاوز 257 ميجاوات. هذا يعني وجود عجز يقدر بـ 373 ميجاوات.
أما الكارثة الحقيقية فتبدأ مع غياب الشمس؛ حيث يتراجع الإنتاج ليلة الجمعة إلى 191 ميجاوات فقط، ليرتفع العجز إلى 439 ميجاوات. بلغة النسبة والتناسب، نحن أمام عجز يصل إلى 70% من إجمالي الطلب. إنها ليست مجرد أزمة؛ إنه "إفلاس طاقي" كامل، حيث تصبح الخدمة استثناءً، والانقطاع هو الأصل.

تعطيل المشاريع الاستراتيجية في متاهة "التسييس" وفساد الوقود
تعد "محطة الرئيس" (بترومسيلة) الركيزة الأساسية التي عُلقت عليها آمال العاصفة الكهربائية في عدن. لكن التدقيق في تفاصيل تشغيلها يكشف عن حجم التخبط الإداري والسياسي. فالمحطة التي صُممت لترفد الشبكة بـ 264 ميجاوات في مرحلتها الأولى، وتصل لاحقاً إلى قدرات أعلى، تعمل اليوم بقدرة هزيلة لا تتجاوز 95 ميجاوات.
لماذا هذا الهدر؟ الإجابة تكمن في "الفشل اللوجستي" المتعمد أو العفوي. [3] عدم استكمال منشأة الغاز الخاصة بالمحطة أجبرها على الاعتماد على النفط الخام عالي التكلفة، وهو وقود لا يتوفر بانتظام ويخضع لمزايدات سياسية ومالية معقدة. إن حرمان هذه المحطة من وقودها أو استكمال منشآتها الغازية ليس مجرد تأخير تقني، بل هو "جريمة اقتصادية" بحق المدينة، إذ يتم إهدار قدرة توليدية تصل إلى 135 ميجاوات معطلة (الفارق بين الإنتاج الحالي والمتاح في حال توفر الوقود).
ليست محطة الرئيس وحدها الضحية، فالمحطة القطرية التي كان من المفترض أن تكون طوق نجاة بقدرة 60 ميجاوات، تحولت هي الأخرى إلى مشروع متعثر في دهاليز البيروقراطية والصراعات. تقرير المسؤول الإعلامي لوزارة الكهرباء أكد أن عدم استكمال المخطط الفني لهذه المحطة أفقد الشبكة مصدراً حيوياً كان بإمكانه ردم جزء كبير من فجوة العجز.
هنا يبرز السؤال الصحفي الملح: أين تذهب التمويلات؟ ومن المسؤول عن عرقلة الفرق الفنية والمقاولين؟ إن تعطيل مشاريع استراتيجية كهذه، والتي كان من شأنها إضافة ما يقارب 400 ميجاوات للخدمة، يثبت أن الأزمة في عدن "مُصنّعة" بامتياز، وليست مجرد نتاج للظروف الحربية.
لا يمكن قراءة أزمة الكهرباء بمعزل عن الصراع السياسي المحتدم في اليمن بشكل عام، وفي عدن بشكل خاص. لقد تحولت الكهرباء إلى "ورقة ضغط" و"أداة ابتزاز" سياسي بين الأطراف المختلفة. الصراعات على النفوذ داخل مؤسسات الدولة، وعدم الاستقرار الذي طبع السنوات الماضية، تسببا في شلل تام في اتخاذ القرارات الجريئة.
المستثمرون في قطاع الطاقة المشتراة (التي تستنزف ميزانية الدولة) يجدون في استمرار الأزمة بيئة خصبة لجني الأرباح، بينما تظل الحلول المستدامة -مثل محطات الغاز والطاقة المتجددة- حبيسة الأدراج. إن فقدان 400 ميجاوات بسبب الصراعات السياسية، كما أشار التقرير الرسمي، هو دليل دامغ على أن المواطن البسيط هو من يدفع ثمن "تصفية الحسابات" في أروقة السلطة.
من الوعود الحكومية "الميتة" إلى جحيم صيف ملتهب
في وقت سابق، طرح وزير الكهرباء والطاقة، المهندس عدنان الكاف، خطة إسعافية تضمنت تأمين إمدادات وقود منتظمة، وتشغيل المحطات بكامل طاقتها، وتنفيذ صيانات عاجلة. لكن مع حلول شهر مايو 2026، تبدو هذه الخطة وكأنها ولدت ميتة. [4]
المراقبون للشأن اليمني يرون أن هذه الخطط تفتقر إلى "الإرادة السياسية" والتمويل الفعلي. فالوزارة تجد نفسها في مواجهة مع "لوبيات" وقود الديزل التي ترفض أي تحول نحو الغاز أو الوقود الأقل كلفة، لأن ذلك يعني تجفيف منابع أرباحها غير المشروعة. وبالنتيجة، تظل خطط الوزير مجرد "تخدير موضعي" لشارع غاضب يغلي تحت وطأة الحر.
تجاوزت أزمة الكهرباء في عدن حدود "الانزعاج" لتصل إلى مستوى "الكارثة الإنسانية". في قطاع الصحة، تعاني المستشفيات والمراكز الصحية من انقطاعات متكررة تهدد حياة المرضى في غرف العناية المركزة، وتفسد الأدوية واللقاحات الحساسة للحرارة.
أما في القطاع الخدمي، فقد توقفت العديد من الورش والمصانع الصغيرة عن العمل، ما أدى إلى تشريد آلاف العمال وزيادة معدلات البطالة والفقر. والمواطن، الذي يكافح أصلاً لتأمين لقمة عيشه في ظل تدهور العملة الوطنية، يجد نفسه مضطراً لإنفاق مبالغ باهظة على شراء الثلج أو صيانة البطاريات ومنظومات الطاقة الشمسية المنزلية المحدودة التي لا تقوى على تشغيل مكيف هواء واحد.
ما تفتقر إليه عدن اليوم ليس "الخطط" ولا "الدراسات"، بل هي "الذمة الوطنية" والقرار الشجاع. إن استمرار تقنين الكهرباء بنسبة 8 إلى 2 هو "إعلان فشل" لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة على حد سواء. لا يمكن لمدينة أن تنمو، ولا لاقتصاد أن يتعافى، ولا لسكينة اجتماعية أن تسود في ظل العتمة. [5]
المؤشرات الحالية مقلقة للغاية، وكلفة التأخير لم تعد محتملة. إذا لم يتم التدخل الفوري لاستكمال منشأة الغاز في محطة الرئيس، وتوفير الوقود بشكل مستدام بعيداً عن "سمسرة" التجار، فإن عدن مقبلة على "انهيار شامل" قد يتبعه انفجار شعبي لا يمكن التنبؤ بمدى شظاياه.
عدن لا تطلب المستحيل؛ هي تطلب حقها الطبيعي في الضوء، وفي حياة كريمة تليق بمكانتها التاريخية. فهل يسمع القابعون في الغرف المكيفة أصوات الأنين المنبعثة من بيوت عدن المظلمة؟ أم أن "العتمة" قد أصابت البصائر قبل الأبصار؟
السابق:
قبل 24 يوم
قبل 3 أشهر
قبل شهرين
قبل 4 أشهر