يرفرف علم اليمن الجنوبي فوق دورية عسكرية في عدن، اليمن، في 1 يناير/كانون الثاني 2026 (middle-east-online)
آخر تحديث في: 12-01-2026 الساعة 6 مساءً بتوقيت عدن
"طرح رؤية تقرير المصير عبر الاستفتاء الشعبي في الجنوب خلال مؤتمر الرياض، وطرح إطار زمني محدد بآلية مرعية من الأمم المتحدة واستفتاء تحت رقابتها، سيكون مقترحاً واقعياً.."مركز سوث24 | فريدة أحمد
دخل عام 2026 أسبوعه الأول على وقع تطورات دراماتيكية متسارعة، بعد تراجع القوات الجنوبية بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي عن سيطرتها على حضرموت والمهرة، وهما أكبر محافظتين في جنوب اليمن مساحةً، وتتمتعان بأهمية جيوسياسية بالغة لكونهما تطلان على بحر العرب من جهة وتحدّان السعودية وسلطنة عُمان من جهة أخرى. وذلك إثر عملية عسكرية قادتها قوات شمالية دينية محسوبة على جماعة "الإخوان المسلمين"، ومعها قوات محلية أخرى يتقدمها "درع الوطن" بدعم جوي سعودي كثيف.
للوهلة الأولى، بدا مشهد سيطرة القوات الجنوبية عبر عملية "المستقبل الواعد" مطلع ديسمبر، وكأنه نتاج ترتيبات محسوبة وتفاهمات غير معلنة بين الرياض وأبوظبي، تستهدف إنهاء نفوذ المنطقة العسكرية الأولى، التي تهيمن عليها قوى محسوبة على جماعة "الإخوان المسلمين" منذ عقود. غير أنّ هذا الانطباع سرعان ما تآكل مع انقشاع غبار العمليات العسكرية وتثبيت الوضع الأمني، لتبدأ السعودية بالمطالبة بتسليم المناطق المحررة في وادي وصحراء حضرموت إلى قوات "درع الوطن" التي تدعمها منذ عام 2023. ومع رفض المجلس الانتقالي الجنوبي القبول بأي عملية تسليم دون تفاهمات سياسية وأمنية مسبقة تضمن الحفاظ على المكاسب التي تحققت على الأرض، تكشّف واقع مختلف، أظهر أنّ مشهد العملية العسكرية الجنوبية لم يكن محكوماً باتفاق سعودي- إماراتي، بل كان أقرب إلى تقاطع مؤقت للمصالح سرعان ما اصطدم بتوجه سعودي واضح يهدف لإنهاء الوجود الإماراتي في جنوب اليمن.
من المهم القول، بأنّ مشهد سيطرة القوات المسلحة الجنوبية على حضرموت والمهرة، مثّل في نظر شريحة واسعة من الجنوبيين، لحظة مفصلية أعادت رسم الجغرافيا السياسية، وقادت عملياً إلى السيطرة الفعلية على معظم حدود دولة "اليمن الجنوبي" السابقة لما قبل عام 1990، وهو ما اعتُبر خطوة متقدمة على طريق المشروع الجنوبي الساعي للاستقلال عن الشمال. غير أنّ هذا المشهد لم يلبث أن تراجع سريعاً، عقب انسحاب القوات الجنوبية من تلك المناطق، في ظل معركة غير متكافئة واستخدام مكثف للقصف الجوي السعودي، والذي أسفر عن مقتل وإصابة وأسر أكثر من 300 من القوات الجنوبية، إلى جانب ضحايا من المدنيين. هذا السلوك شكّل تناقضاً صريحاً في الوعي الجنوبي الميداني، إذ من جهة كانت الرياض تدعو للحوار والتهدئة، بينما من جهة أخرى حسمت المشهد عسكرياً عبر القوة الجوية. وهذا الأمر قوّض الثقة بأي مسار تفاوضي فيما بينها وبين المجلس الانتقالي بقيادة عيدروس الزبيدي.
المجلس الانتقالي الجنوبي وتآكل المكاسب
خلال سنواته الثمانية، استطاع المجلس الانتقالي أن يلعب دوراً سياسياً وأمنياً وعسكرياً مؤثراً في مناطق نفوذه بجنوب اليمن. وأسهم إلى حد كبير في إنتاج قدر من الاستقرار النسبي. غير أنّ هذا المسار لم يكن خالياً من اختلالات، خاصة مع القرارات العسكرية التي اتّسمت بسوء تقدير خلال أحداث حضرموت مطلع ديسمبر، وقادت في نهاية المطاف إلى مآلات معاكسة. إذ لم يكن المجلس الانتقالي، ولا حتى دولة الإمارات الحليف الإقليمي الأقرب إليه، يتوقعان أن تذهب السعودية نحو خيار التدخل العسكري المباشر، وهو ما عكس حجم الفجوة الكبيرة بين حسابات الانتقالي على الأرض مع حلفائه المحليين والخارجيين، وطبيعة المقاربة السعودية لإدارة المشهد.
علاوةً على ذلك، ساهم عدم تكافؤ المعركة من خلال استخدام السعودية الضربات الجوية الكثيفة، إلى تراجع القوات الجنوبية على الأرض وأدى إلى انسحابها في نهاية المطاف. في المقابل، كشفت المعارك على الأرض إلى جوار انسحاب الإمارات غير المتوقع من مقر الإدارة والسيطرة في المكلا، عن خلل في إدارة المعركة على المستوى الميداني والإعلامي من جانب المجلس الانتقالي. الأمر الذي ضاعف من الخسائر البشرية والمادية الكبيرة، وانتهى في محصلته بخسارة ساحل حضرموت أيضاً، الذي يتواجد فيه نفوذ المجلس منذ 2016.
كما أنّ الأحداث كشفت أنّ المجلس الانتقالي لم يتعاطى بشكل واقعي مع الجانب السعودي على مستوى إدارة الحوار السياسي والعسكري، أو حتى فرض مقاربات وخيارات واقعية كان من شأنها إنقاذ المشهد أو الحد من تداعياته، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى خسارة أوراق قوة كان بإمكانه الاحتفاظ بها أو توظيفها بصورة أكثر ذكاءً.
حتى اللحظات الأخيرة، ظلّ قادة المجلس الانتقالي يراهنون على إمكانية احتواء الموقف بالاستجابة لدعوة الحضور إلى الرياض، التي وجّهتها السعودية في 4 يناير، بهدف مناقشة أسباب التصعيد الذي شهدته محافظات حضرموت والمهرة في شرق جنوب اليمن. غير أنّ مزاعم السعودية بمغادرة الزبيدي إلى أبوظبي وقصف منطقته زبيد في الضالع، أربكت المشهد الداخلي، ودفعت بقية وفد المجلس الانتقالي الذي وصل الرياض في فجر 7 يناير، إلى إدارة الأزمة بشكل منفرد، وتحت الضغوط. الأمر الذي قاد في المحصلة إلى إعلانهم عن حلّ المجلس الانتقالي وهيئاته في الداخل والخارج.
ولم يغيّر هذا الإعلان كثيرا في بنية المجلس، لكنه أربك مؤسسات المجلس وخلق تبايناً ظاهراً في تقييم الموقف بين القادة الذين بقوا في أحد فنادق الرياض لأيام بدون قدرة على التواصل مع الداخل، وبين هيئات المجلس وقياداته التنفيذية والقيادات العليا التي لا تزال تتواجد في عدن والإمارات. خصوصاً بعد نشر بعضهم تصريحات تلفزيونية ونصية تعبّر عن موقفهم الداعم لجهود السعودية وحثهم الجنوبيين على الانخراط فيها.
على الأرض، استنكر كثير من الجنوبيين هذا الإعلان، معتبرين أنّه صدر تحت ضغط سعودي، خاصة في ظل أنباء تواترت عن احتجاز الوفد وسحب هواتف أعضائه، بهدف الحد من أي تأثير خارجي محتمل على مواقفهم أو قراراتهم. إذ رفضت جميع هيئات المجلس في عدن ومحافظات الجنوب القرار. معلنة تمسكها بالشرعية الداخلية للمجلس وحقه في اتخاذ القرارات من خلال هيكله الكامل. ولقد تعزّز هذا الرفض من خلال مظاهرة ضخمة وغير مسبوقة شهدتها العاصمة عدن في اليوم التالي وشارك بها عشرات الآلاف، بالإضافة إلى مظاهرات مماثلة في محافظات جنوبية أخرى بينها سقطرى.
من المهم القول، إنّ محاولة حلّ مكوّن سياسي جنوبي يمتلك قاعدة شعبية وجماهيرية واسعة بعد سنوات من العمل الميداني والمشاركة الأمنية والعسكرية والسياسية الفاعلة، وإخراجه من المعادلة السياسية بهذا الشكل الحاد، ومن على أرض دولة أخرى، وفي ظل ظروف تكتم شديدة وغير طبيعية، يشكّل سابقة في تاريخ العمل السياسي اليمني، وقد ينجم عنه تداعيات على مستويات عدة، خصوصاً إذا لم يخرج مؤتمر الرياض بتوافقات تدعم حق الجنوبيين في الاستفتاء واستعادة دولتهم.
من منظور السعودية، قد يكون هذا الخيار بهدف تجنب الدخول في جدل حول شرعية القيادة الحالية مقابل شرعية الزبيدي، ولقطع الطريق نحو أي سجال جنوبي محتمل في هذا الشأن. كما أنّ الإبقاء على مكوّن يمتلك روابط مع الإمارات سيمثل لها قلقاً، على الرغم أنّ القلق هذا يزول بالوصول إلى تفاهمات واضحة مع قادته. ومع ذلك، فهذه الحسابات لا يمكن اعتبارها دقيقة إذا ما أخذنا بالاعتبار أنّ الشعب في الجنوب هو وحده من يمنح شرعية هذه المكونات وهؤلاء القادة.
الحوار الجنوبي في قلب الجدل
عقب إعلان وزارة الخارجية السعودية تبنيّ مؤتمراً جنوبياً بينياً في الرياض، لبحث حلول عادلة لقضية الجنوب، بناء على طلب من رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي زعم أنّه تلقاه من مكونات جنوبية، أثار الإعلان جدلاً واسعاً في الأوساط الجنوبية حول مدى ملاءمته في ظل المشهد الراهن، لا سيّما مع استمرار الاحتقان الشعبي بعد سقوط عدد من الشهداء الجنوبيين في صحاري حضرموت وجبال الضالع، وفي ظل استمرار تحليق الطيران السعودي في الأجواء الجنوبية. ورأى بعض الجنوبيون أنّ الدعوة، كونها صادرة عن طرف له علاقة مباشرة بالصراع وقاد حملة عسكرية واسعة ضد القوات الجنوبية، قد لا تؤدي مخرجاتها لنتائج مرضية، مقارنة بما يمكن أن تحققه جهة دولية محايدة أو وسيط ثالث يتبنى عملية الحوار، بما يضمن مخرجات أكثر توافقية وشرعية لدى الأطراف الجنوبية المختلفة.
في المقابل، يرى جنوبيون آخرون، أنّ حوار الرياض فرصة حقيقية لفرض حضور سياسي قوي، من خلال المشاركة الفاعلة والمباشرة، وقطع الطريق على محاولات الأطراف الشمالية اللعب على وتر التناقضات الجنوبية - الجنوبية، من خلال الجلوس حول طاولة واحدة لطرح حلول توافقية، بعيداً عن المبادرات النظرية التي لا تعكس الواقع على الأرض، أو تقدم مقترحات لم تعد صالحة لا للزمان ولا للمكان. خاصة إذا توفّرت ضمانات سعودية واضحة للجنوبيين قبل الشروع في أي مسار قادم مع الحوثيين، تضمن عدم الالتفاف على قضية الجنوب، وتحمي مصالح الجنوبيين وحقوقهم.
من المهم القول، إنّ طرح رؤية "تقرير المصير" عبر الاستفتاء الشعبي في الجنوب خلال مؤتمر الرياض، وطرح إطار زمني محدد بآلية مرعية من الأمم المتحدة واستفتاء تحت رقابتها، سيكون مقترحاً واقعياً وأكثر استيعاباً للمتغيرات الراهنة، من منطلقات عدة؛ أبرزها؛ الاستجابة لصوت الشارع الجنوبي المتصاعد والمطالب بهذا الخيار بشكل مستمر. إذ أنّ تأجيل طرح حلول لمعالجة ملف الجنوب إلى ما بعد "استعادة صنعاء" من الحوثيين، ساهم في تراكم إشكاليات القضية وعمّق حالة الاحتقان في الشارع، نتيجة عدم الاستجابة المبكرة لمطالب الجنوبيين وتطلعاتهم. وعليه، يُصبح من الضروري أن يحظى هذا الملف باهتمام ودعم جادّين من المجتمعين الدولي والإقليمي، ولا سيّما الأطراف التي رحّبت بدعوة الحوار، من أجل تحقيق الأمن والاستقرار في جنوب اليمن والمنطقة بشكل عام.
تأثير المشهد العام على الحوثيين
بدا تصريح رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، بشأن تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات تحالف دعم الشرعية، والتي أوكلت إليها مهام الإعداد والتجهيز وقيادة جميع القوات والتشكيلات العسكرية، بمثابة "إعلان حرب" ضد الحوثيين، خاصة إذا ما جنحوا للحلول السلمية. رغم ذلك، واجه تشكيل هذه اللجنة انتقادات سياسية وقانونية واسعة، بما في ذلك من عضو المجلس الرئاسي فرج البحسني، كونها لن تكون شريكة في القرار، بل ستظل "لجنة شكلية" تحت قيادة سعودية، وستتلقى أوامر عملياتية تنفذها على الأرض، ما يكرّس من الوصاية الخارجية على القرار السياسي والعسكري اليمني. كما أنها تفتح المجال لتذويب هوية القوات والتشكيلات العسكرية في الجنوب.
في هذه المرحلة، يبدو أنّ الدخول في عملية تسوية سياسية مع الحوثيين وتوقيع "خارطة طريق" أصبح احتمالاً مرتقباً، ومع ذلك، من المتوقع أن تسبق هذه العملية خطوة مهمة تتمثل في تشكيل وفدين يمثلان الأطراف اليمنية، حيث سيكون أحدهما من الشمال والآخر من الجنوب. وسيعكس الوفد الجنوبي الرؤية المطروحة الناتجة عن حوار الرياض فيما يخص قضية الجنوب. بعد ذلك، ستُفتح أبواب المفاوضات مع الحوثيين، برعايتين سعودية وعمانية. مع ذلك، سيكون المسار السياسي القادم مرهوناً بالموقف الإستراتيجي للحوثيين أنفسهم، إذ إنّ أي محاولة للدخول في شراكة مع الأطراف الأخرى كمكوّن سياسي ستشكل تهديداً لمشروعهم القائم على "الولاية"، خاصة في ظل عدم تنازل اليمنيين عن حقهم في المواطنة المتساوية.
لذا، فإنّ تخلي الحوثيين عن مشروعهم سيعرّض وجودهم للخطر، ومن هنا، يبدو أنّ استمرارية المشروع الحوثي، رغم كل السيناريوهات المطروحة، تسير نحو الانهيار. فعلى الرغم من التحديات، فإنّ الخيار الوحيد المتاح أمامهم للحفاظ على وجودهم هو مواصلة الحرب، إذ أنّ قوتهم مرتبطة ارتباط وثيق بقدرتهم على البقاء والصمود في بيئة صراع. فالمعطيات الراهنة في المنطقة وحالة الارتباك التي يعاني منها النظام الإيراني، ستقلل من فرص نجاة الحوثيين هذه المرة، حتى لو استماتوا في الدفاع عن أنفسهم، خاصة في ظل فقدانهم العديد من الأوراق العسكرية والأمنية نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية المكثفة خلال الأشهر الأخيرة.
لذا، من الجدوى الإسراع في حسم المسار المتعلق بالحوثيين، خاصة وهم لا يزالون حتى الآن في حالة ترقّب صامت، وأي تأخير في اتخاذ القرار قد يتيح لهم مساحة إضافية لإعادة التكيّف مع المعطيات الجديدة، مما قد يعقد الأزمة بشكل أكبر ويرفع كلفتها السياسية والعسكرية.
في المحصّلة، يبدو أنّ المشهد سيتجه نحو مرحلة معقدة ولا سيّما في جنوب اليمن، في ظل إعادة تشكيل موازين قوى جنوبية جديدة، بعد إضعاف الفاعل الجنوبي الأكثر تنظيماً على الساحة السياسية، وما رافق ذلك من تصاعد لحالة الاحتقان الشعبي وفتح فراغ سياسي وأمني مرشّح للاتساع ما لم يُدار بحذر وواقعية. ويأتي ذلك مع مساعٍ سعودية لإعادة هندسة المشهد اليمني بما يضمن تقليص النفوذ الإماراتي وضبط المسار التفاوضي مع الحوثيين وفق أولويات الرياض الأمنية.
وفي المقابل، يظل عامل الزمن عنصراً حاسماً في سلوك الحوثيين خلال المرحلة المقبلة. وعليه، فإن مستقبل الاستقرار في اليمن سيبقى مرهوناً بقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على إدارة الأزمة عبر مسار متوازن يدمج بين الحل السياسي ومعالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها قضية الجنوب، ويمنع في الوقت ذاته إعادة إنتاج الحرب بصيغ جديدة أشد كلفة وتعقيداً على اليمن والمنطقة بأسرها.