الصورة: زعيم القاعدة في جزيرة العرب سعد بن عاطف (اقتطاع وسائل إعلام عربية - تحسين مركز سوث24)
آخر تحديث في: 25-02-2026 الساعة 12 صباحاً بتوقيت عدن
"الفصائل الموالية للسعودية (الإخوانية والسلفية) تفتقر إلى (العداء الوجودي) الذي ميّز حروب القوات الجنوبية السابقة ضد تنظيم القاعدة.."
مركز سوث24 | إبراهيم علي
خلقت التطورات الأخيرة في حضرموت والمهرة بجنوب اليمن مشهدًا جديدًا ومعقّدًا أعاد خلط الأوراق أمام تنظيم القاعدة في اليمن، وفرض عليه واقعًا مختلفًا عن ذلك الذي اعتاد العمل ضمنه خلال السنوات الماضية.
فالتنظيم الذي كان يضع ثقله العسكري والإعلامي في مواجهة القوات الجنوبية، ويخوض ضدها معارك مفتوحة في أبين وشبوة باعتبارها خصمه الميداني الأول، وجد نفسه فجأة أمام تحول جذري في موازين القوى وشكل الصراع.
في ذروة تلك المعارك، جاء التدخل السعودي ليقلب المشهد؛ إذ أطلقت السعودية عملية عسكرية استهدفت القوات الجنوبية التي كانت قد تقدمت باتجاه حضرموت والمهرة، مستندة - السعودية - في ذلك إلى تشكيلات سلفية وأخرى محسوبة على حزب الإصلاح.
هذا التحرك لم يكن عسكريًا فقط، بل حمل أبعادًا سياسية واضحة أعادت تعريف طبيعة الصراع في الجنوب، وغيّرت موقع اللاعبين المحليين والإقليميين على حد سواء.
بالتزامن مع التحرك الميداني، اتخذت الرياض قرارًا سياسيًا بسقف عالٍ تمثل في إنهاء الدور الإماراتي في اليمن، إضافة إلى العمل على حل المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه الغطاء السياسي للقوات الجنوبية.
هذا القرار، بغض النظر عن مآلاته العملية، كان بمثابة رسالة مباشرة بإعادة رسم المشهد، وبطريقة تغيّر القواعد التي كانت تحكم الجنوب في المرحلة الماضية.
بعد انتهاء عمليات حضرموت والمهرة بخروج القوات الجنوبية من المحافظتين، لوحظ توقف شبه كامل لنشاط تنظيم القاعدة، سواء على المستوى الميداني أو الإعلامي.
هذا الصمت لم يُكسر إلا بإشارات محدودة، أبرزها ما صدر عن التنظيم من احتفاء بخروج الإمارات من اليمن، وهو موقف يعكس حجم العداء المتراكم بين الطرفين، لكنه في الوقت ذاته لا يرقى إلى مستوى إعادة التموضع أو الإعلان عن استراتيجية جديدة.
اللافت أن القوى التي يُفترض أن تمسك بزمام الأمور في الجنوب اليوم ليست غريبة تمامًا عن التنظيم؛ إذ سبق أن تواجد في مناطق كانت خاضعة لنفوذ الإصلاح، كأبين وشبوة، وعمل التنظيم لفترات طويلة دون صدامات كبرى، مستفيدًا من بيئة مناسبة وغياب قرار حاسم بالمواجهة. هذا التاريخ يجعل من الصعب افتراض أن القاعدة ستتعامل تلقائيًا مع الواقع الجديد باعتباره تهديدًا مباشرًا، على الأقل في المدى القريب.
مع ذلك، يظل السؤال المركزي مطروحًا: كيف سيتعامل التنظيم مع هذا المشهد المستجد في ظل ترقبات متزايدة للقوات البديلة بلعب دور فاعل في ملف مكافحة الإرهاب؟ هنا تتقاطع الحسابات الأمنية مع الاعتبارات السياسية.
فإذا تحولت مكافحة القاعدة إلى أولوية فعلية لا مجرد شعار، فإن التنظيم سيكون مضطرًا إما للعودة إلى المواجهة المفتوحة، أو للانكفاء وإعادة التموضع بانتظار فرصة جديدة.
أما إذا بقيت هذه المهمة محكومة بالحسابات والانتقائية، فإن الصمت الحالي قد لا يكون سوى هدنة مؤقتة تسبق عودة مختلفة، أكثر حذرًا وأقل ضجيجًا، لكنها لا تقل خطورة.
معضلة العقيدة القتالية
لا تكمن المشكلة في وجود تنظيم القاعدة فحسب، بل في "العقيدة القتالية" للطرف الذي يُفترض به مواجهته اليوم. فالفصائل الموالية للسعودية (الإخوانية والسلفية) تفتقر إلى "العداء الوجودي" الذي ميّز حروب القوات الجنوبية السابقة ضد التنظيم، تلك الحروب التي كانت تتسم بحدّة وخصومة مباشرة وشخصية.
الواقع والتجربة يثبتان أن الدوافع التي جمعت هذه الفصائل بالتنظيم في خنادق مشتركة (ضد القوات الجنوبية في أبين وشبوة) لا تزال أقوى من دوافع الصدام معه اليوم.
فحتى مع وجود الدعم السعودي، سيظل قتال هذه القوى ضد القاعدة محدودًا ومحكومًا أيضًا بضغط الداعم الخارجي، وليس نابعًا من قناعة داخلية بضرورة القضاء عليه.
وهنا يمكن القول إن الفصائل الجديدة قد تخوض مواجهاتها بأسلوب "رفع العتب"، قتال تقليدي هادئ يلتزم بضوابط السياسة دون الانغماس في حرب مفتوحة. في المقابل، سيقاتل التنظيم من منطلق "الدفاع عن النفس"، وهو ما سيخلق حالة من التوتر المستمر والاشتباكات المحدودة التي لن تنتهي أبدًا إلى حسم عسكري أو تفكيك لوجود القاعدة على الأرض.
إلى جانب ذلك، يمنح التاريخ السابق لحزب الإصلاح في مناطق نفوذه القاعدةَ طمأنينة نسبية؛ فقد نجح التنظيم لسنوات في الحفاظ على وجوده هناك دون صدام مباشر. هذه الخبرة تسمح له اليوم بإعادة ترتيب صفوفه واعتماد استراتيجية دفاعية حذرة، مدركًا أن خصومه الجدد يقاتلون بـ "عقيدة باردة" تضع قيودًا على فعالية أي حملة ضده.
كل ذلك يعني أن المواجهة القادمة أكثر تعقيدًا مما تبدو، فنحن أمام تنظيم مستعد للمناورة والدفاع، وفصائل تقاتل بضغط خارجي وتفتقد إلى الدافع الشخصي.
هذه "المعادلة الملتوية" تعني أن الصراع لن يتم حسمه بشكل كلي، بل سيبقى في حالة توتر دائم، حيث تظل النتائج الميدانية رهينة توازنات سياسية هشّة، لا عمليات عسكرية حقيقية حاسمة.
القوات الجنوبية
مع أن التنظيم كان يدرك أن خروج الإمارات من المشهد اليمني لا يعني انتهاء الحرب عليه، ولا يشكّل بحد ذاته تحوّلًا حاسمًا في مسار المواجهة، إلا أنه تعامل مع هذا الخروج باعتباره حدثًا بالغ الدلالة، واحتفى به بشكل لافت.
وقد عبّر عن هذا الاحتفاء أعلى قياداته، زعيم التنظيم سعد عاطف، الذي وصف انسحاب أبوظبي بـ "انكسار الصنم"، في إشارة رمزية تعكس حجم الرهان الذي بناه التنظيم على هذا التطور.
ويكشف هذا الخطاب أن التنظيم، رغم وعيه بأن المرحلة المقبلة لن تكون أقل خطورة، يدرك في الوقت نفسه أن طبيعة الحرب القادمة ستكون مختلفة عن سابقاتها.
ويُفهم من هذا الاحتفاء أن التنظيم لا يربط تحسّن وضعه بانتهاء الدور الإماراتي وحده، بل ينطلق من اعتقاد أوسع مفاده أن هذا الخروج قد يفتح الباب أمام تفكك المنظومة الأمنية والعسكرية المحلية التي تشكّلت بدعم إماراتي، أو على الأقل تحييدها عن ساحة المواجهة.
غير أن هذا الرهان يظل هشًّا، إذ إن بقاء القوات الجنوبية منخرطة في مهام مكافحة الإرهاب، وعدم إقصائها من هذا الدور، يمثّل تهديدًا وجوديًا للتنظيم، ويحول دون استفادته من التحولات الأخيرة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، والتي كان يعوّل عليها لإعادة التموضع أو توسيع هامش حركته.
خلاصة
في نهاية المطاف، يبدو أن تنظيم القاعدة يمر بمرحلة "بيات شتوي" تكتيكي، يراقب خلالها بذكاء خلط الأوراق الحاصل في حضرموت والمهرة؛ فهو من جهة يتنفس الصعداء لغياب خصمه "الوجودي" الشرس المتمثل في القوات الجنوبية المدعومة إماراتيًا، ومن جهة أخرى يراهن على "برود" العقيدة القتالية للفصائل البديلة التي قد تجد نفسها مضطرة لمواجهته بضغط خارجي لا بقناعة داخلية.
ومع ذلك، فإن احتفاء التنظيم بمتغيرات المشهد قد يكون سابقًا لأوانه، فاحتمال بقاء القوات الجنوبية كرقيب ميداني فاعل يعني أن أحلام "القاعدة" في استعادة أمجاد التموضع المريح ستصطدم بجدار من الواقعية الأمنية، مما يجعلنا أمام مشهد مفتوح على كل الاحتمالات: إما مواجهة "رفع عتب" تمنح التنظيم قُبلة الحياة، أو جولة جديدة من الصراع تفرض عليه الانكفاء الطويل بانتظار ثغرة سياسية لم تأتِ بعد.