التحليلات

لماذا تنفّس تنظيم القاعدة الصعداء بعد خروج القوات الجنوبية من حضرموت؟

القوات المسلحة الجنوبية (درع الجنوب)

آخر تحديث في: 11-01-2026 الساعة 3 مساءً بتوقيت عدن

"كانت القوات الجنوبية تعتبر القاعدة عدواً وجودياً يهدد الأرض والمجتمع، بينما تبدو القوات البديلة المدعومة إقليمياً أو المرتبطة بولاءات حزبية شمالية أقل استعداداً لخوض مواجهة حاسمة ومفتوحة مع التنظيم.."


مركز سوث24 | إبراهيم علي


يشهد الوضع الأمني في جنوب اليمن مرحلة شديدة التعقيد مع التطورات الأخيرة التي تمثلت في انتشار قوات درع الوطن المدعومة من السعودية في محافظتي حضرموت والمهرة وخروج القوات الجنوبية منها. 


هذا التغيير لم يكن عاديا أو عابرا، ولم يمر بهدوء، خصوصا لدى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، الذي تعامل معه كحدث مفصلي، وعبّر عنه بحالة احتفاء إعلامي وسياسي لافتة وغير مسبوقة من قبل قياداته وأنصاره.


وهذا الاحتفاء لا يمكن فهمه على أنه مجرد فرح بزوال خصم قوي، بل يعكس قراءة واعية من التنظيم لمرحلة جديدة يرى فيها فرصة حقيقية لاستعادة نفوذ خسره بشكل كبير خلال السنوات الماضية. فالتنظيم لا ينظر إلى خروج القوات الجنوبية من المحافظتين على أنه حدث تكتيكي مؤقت، بل يراه تحولا استراتيجيا قد يفتح أمامه أبوابا كان يعتقد أنها قد أغلقت إلى الأبد.


وتتضح دلالات هذا الموقف في الخطاب الذي تبناه زعيم التنظيم، سعد عاطف العولقي في أحدث ظهور له، حين وصف خروج القوات الجنوبية والإماراتية بأنه "كسر للأصنام". وهذا الوصف لم يكن عاطفيا أو دينيا فقط، بل يحمل رسالة سياسية وأمنية واضحة، مفادها أن القوى التي كانت تشكل العائق الأهم أمام تمدد التنظيم، سواء ميدانيا أو فكريا، قد أُزيحت من الطريق.


يرتبط هذا الشعور بالانتصار لدى التنظيم بحقيقة أن القوات الجنوبية، خصوصا تلك التابعة للنخبة الحضرمية والأحزمة الأمنية وألوية مثل "لواء بارشيد"، كانت قد اعتمدت نهجا هجوميا استباقيا في مواجهة القاعدة. لم تنتظر هذه القوات الضرب، بل بادرت واستهدفت معاقل التنظيم، ونجحت في تجفيف مصادر تمويله، وضرب شبكات التجنيد والاستقطاب التابعة له، وهو ما جعل وجود القاعدة في حضرموت والمهرة وأبين وشبوة مكلفا وخطيرا.


مع خروج هذه القوات، ربما يرى التنظيم أن خط الدفاع الأول الذي كان يحمي العمق الاستراتيجي للمحافظتين قد سقط، وأن البيئة الأمنية باتت أقل ملاحقة وتضييقا، وأكثر قابلية لعودة الخلايا النائمة إلى العمل، بهدوء وتدرج، ومن دون ضغوط مباشرة كما كان الحال سابقا.


أما أقصى استفادة يتوقعها تنظيم القاعدة من هذا التحول العسكري فتتمثل في استغلال الفراغ الأمني الناتج عن استبدال قوات تمتلك خبرة طويلة في مكافحة حرب العصابات والمواجهات في الجبال والوديان، بقوات أخرى لا تحمل العقيدة القتالية نفسها تجاه التنظيم، ولا تمتلك الخبرة الكافية.


فالقوات الجنوبية كانت تنظر إلى القاعدة كعدو وجودي يهدد الأرض واستقرار المجتمع، بينما تبدو القوات البديلة، المدعومة إقليميا أو المرتبطة بولاءات حزبية شمالية، أقل استعدادا لخوض معركة صفرية ومفتوحة مع التنظيم.


قراءة التنظيم للمشهد تشير إلى أنه يراهن على مرحلة من "الهشاشة والضعف الأمني" ستعقب هذا التغيير. في مثل هذه الفترات، لا يحتاج التنظيم إلى مواجهة مباشرة، بل إلى مساحة حركة. وهو ما يخطط له عبر إعادة إنشاء معسكرات تدريب في الوديان والشعاب النائية في حضرموت والمهرة، وهي مناطق وعرة ومعقدة جغرافيا.


خروج الإمارات من المشهد، وما كانت توفره من دعم جوي ولوجستي ومعلوماتي دقيق، يمثل عاملا إضافيا يصب في مصلحة التنظيم. فغياب هذا الغطاء يعني تقليص خطر الضربات الجوية النوعية التي استهدفت قيادات بارزة في القاعدة خلال السنوات الماضية، ومنح التنظيم هامش حركة أوسع، وأقل كلفة.


يدرك التنظيم أيضا أن القوات البديلة، التي يتم النظر إليها محليا على أنها قوات وافدة أو شمالية، قد تواجه صعوبة في كسب ثقة المجتمع المحلي. هذا الضعف في القبول الشعبي يمثل فرصة مثالية للقاعدة، التي ستسعى إلى تقديم نفسها كقوة "مدافعة" عن أبناء المنطقة، مستخدمة خطابا دينيا وعاطفيا، ومروّجة لفكرة مقاومة "المشاريع الخارجية"، في محاولة لاستمالة فئات قد تشعر بالتهميش بعد خروج قوات محلية كانت تمثل أبناء الأرض.


وما يضاعف من طمأنينة التنظيم تجاه القوات البديلة هو خلفيتها الدينية التي قد تلتقي في بعض جوانبها الفكرية مع أدبيات التنظيم، وهو ما قد يُوجد نوعا من "التعايش الاضطراري" أو غض الطرف المتبادل. وهذا التقاطع الأيديولوجي ليس بجديد، فقد سبق لزعيم التنظيم الأسبق، قاسم الريمي، أن أقر صراحة بقتال عناصره جنبا إلى جنب مع فصائل دينية أخرى ضد الحوثيين.


وبناء على التجارب السابقة، يراهن تنظيم القاعدة على أن هذه القوات لن تتبنى ضده ذات العقيدة القتالية الاستئصالية التي انتهجتها القوات الجنوبية، بل قد تمنحه هامشا للمناورة والتحرك.


تحولات المشهد الأمني 


منذ عام 2016، أثبتت التجربة الميدانية أن القوات الجنوبية كانت العمود الفقري الحقيقي لمنظومة مكافحة الإرهاب في جنوب اليمن. فقد حققت هذه القوات نجاحات نوعية في مناطق معروفة تاريخيا بأنها معاقل لتنظيم القاعدة، مثل وادي المسيني وجبال الكور والمحفد ووداي عومران وغيرها.


ما قدمته هذه القوات لم يقتصر على الانتشار العسكري، بل شمل منظومة أمنية متكاملة، تضمنت السيطرة على الطرق الحيوية، وتفعيل شبكات استخبارات محلية اعتمدت على الروابط القبلية والمناطقية، وهو ما وضع التنظيم تحت ضغط دائم، وجعله يعمل في بيئة معادية لا تسمح له بالتمدد أو الاستقرار.


من هذا المنطلق، سيجد تنظيم القاعدة في استهداف القوات الجنوبية وإزاحتها من مواقعها في وادي حضرموت والمهرة فرصة ثمينة لاستعادة أنفاسه، حيث يقرأ التنظيم هذا التراجع القسري لخصمه الأبرز كتحول يخدم تطلعاته في إعادة بناء نفوذه الذي انحسر منذ عام 2016.


أما عدم خوف التنظيم من القوات البديلة فيعود إلى قناعته بأن هذه القوات تعاني من تشتت في الولاءات، وتعدد في مراكز القرار، إضافة إلى ضعف خبرتها في مواجهة تكتيكات القاعدة القائمة على التفخيخ، والاغتيالات، والكمائن. 


الاحتفاء الإعلامي لتنظيم القاعدة، ومواكبته في السابق للحملات التي اتهمت القوات الجنوبية بارتكاب انتهاكات، يهدف أساسا إلى تشويه صورة الخصم الأكثر فاعلية، وتبرير إبعاده، تمهيدا لمرحلة جديدة يسعى التنظيم فيها إلى التمكين، مستهدفا محافظتين تعدان من الأهم اقتصاديا واستراتيجيا في اليمن.


مستقبل مكافحة الإرهاب 


دلالات هذا الاحتفاء لا تقف عند الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى البعد السياسي. فتنظيم القاعدة يرى في التغير الذي طرأ على الموقف السعودي تجاه القوات الجنوبية فرصة لضرب وحدة الجبهة المناهضة له. وعندما يخرج قادة مثل سعد العولقي للتعبير عن مباركته لهذه التطورات، فهو يبعث برسالة واضحة لعناصره مفادها أن الصبر الطويل بدأ يؤتي ثماره.


تجربة عام 2022 في شبوة تؤكد هذا النمط. فكلما توسعت القوات الجنوبية، انكمش التنظيم ولجأ إلى البيانات والتهديدات. وكلما انسحبت هذه القوات، خرج التنظيم للاحتفال والاحتفاء، وبدأ في إعادة ترتيب صفوفه. القوات البديلة، مهما حصلت على دعم لوجستي، ستجد نفسها أمام مجتمع محلي يشعر بأن غياب النخبة الحضرمية والقوات الجنوبية يعني فقدان الأمن الذاتي، وهذا الفراغ في الثقة هو البيئة المثالية التي ينمو فيها الإرهاب.


النهب كرافعة لعودة القاعدة


في هذا السياق، لا يمكن فصل حالة الاحتفاء التي أبداها تنظيم القاعدة عن التطورات المتزامنة مع أعمال النهب التي طالت معسكرات ومخازن أسلحة في حضرموت، بينها معسكر الريان ولواء بارشيد ومقر محور الغيضة العسكري. فالتنظيم، الذي يعاني منذ سنوات من أزمة في التسليح وتضييق على خطوط الإمداد، يرى في فوضى النهب فرصة ثمينة لإعادة بناء قدراته العسكرية دون خوض مواجهات مباشرة. 


المعلومات المتداولة عن سعي القاعدة لشراء أسلحة تم نهبها حديثا من خلال وسطاء قبليين، تعكس أسلوبا اعتمده التنظيم سابقا في استغلال لحظات الانفلات الأمني لتحويلها إلى مكاسب. وبدل أن يتحمل كلفة السيطرة أو الهجوم، يفضّل التنظيم العمل بشكل غير مباشر، مستفيدا من ضعف الرقابة وتعدد الفاعلين المسلحين، وهو ما يحوّل النهب من فعل فوضوي إلى مورد غير مباشر يعزز قدرة القاعدة على إعادة التموضع والعودة إلى المشهد بشكل أقوى.


في النهاية، يجد تنظيم القاعدة نفسه اليوم في وضع هو الأفضل له منذ سنوات، ليس بسبب قوته الذاتية فقط، بل لأن الخصم الذي ألحق به أكبر الخسائر أُخرج من الميدان بقرار سياسي وعسكري مثير للجدل. 


وهذا الواقع يضع حضرموت والمهرة أمام اختبار أمني صعب، قد يعيد إنتاج مشهد الفوضى الذي استغله التنظيم في عام 2015 للسيطرة على المكلا، ويطرح أسئلة ملحة حول مستقبل الاستقرار في المنطقة، في ظل غياب القوة الوحيدة التي أثبتت قدرتها الحقيقية على مواجهة التطرف العنيف على الأرض.


إبراهيم علي
باحث في مركز سوث24 متخصص في شؤون الجماعات المسلحة. أخفى هويته الحقيقية لأسباب أمنية

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا