التحليلات

حرب أهلية محتملة إذا استمر القمع السعودي لجنوب اليمن

تجمع جماهيري حاشد ضد الوصاية والاحتلال في عدن، جنوب اليمن، 20 يونيو 2026 (إعلام المجلس الانتقالي الجنوبي)

30-07-2026 الساعة 5 مساءً بتوقيت عدن

language-symbol

كارين دابروفسكا (مركز سوث24)


من المرجح أن تندلع حرب أهلية دموية وطويلة الأمد في جنوب اليمن إذا واصلت القوات السعودية والحكومة المعترف بها دوليًا والخاضعة للسيطرة السعودية انتهاكاتهما لحقوق الإنسان بحق أبناء الجنوب.


في عام 2019، وقّع المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يسعى إلى استقلال جنوب اليمن، الذي يصفه بـ«الجنوب العربي»، اتفاق الرياض، وهو اتفاق لتقاسم السلطة بين المجلس والحكومة المعترف بها دوليًا. غير أن انعدام الثقة والصراعات بين أعضاء الحكومة أنفسهم، وبينهم وبين المجلس الانتقالي، جعلا تنفيذ الاتفاق مستحيلًا.


ولم يشهد الجنوب أي تنمية. فقد كانت رواتب موظفي الدولة تُصرف متأخرة أو لا تُصرف إطلاقًا، وظلت إمدادات الكهرباء متقطعة، وانتشرت أزمات المياه، فيما تفاقم التضخم بصورة كبيرة. واليوم، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ السوء داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن 1.4 مليون شخص يواجهون حاليًا مستوى طارئًا من انعدام الأمن الغذائي، فيما يحتاج نحو خمسة ملايين شخص، أي نصف السكان، إلى المساعدة.


وبعد سبع سنوات من الصراع والاقتتال الداخلي بين أعضاء الحكومة المعترف بها دوليًا، والفشل الكامل في الاستجابة لاحتياجات الجنوبيين، أطلق المجلس الانتقالي الجنوبي، في 3 ديسمبر 2025، عملية عسكرية واسعة أطلق عليها اسم «عملية المستقبل الواعد». وتمكنت قواته خلالها من التقدم دون مقاومة تُذكر في المحافظات الشرقية، حضرموت والمهرة وشبوة، والسيطرة على كامل جنوب اليمن.


وجاءت العملية العسكرية أيضًا مدفوعة بمخاوف من استخدام الموانئ الجنوبية في تهريب الأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين، وهم جماعة شيعية تمتلك مليشياتها الخاصة، وأصبحت السلطة الفعلية في شمال اليمن بعد إطاحتها بالحكومة في عام 2014. كما كان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب ينشط بصورة متزايدة في جنوب اليمن.


وقال عبد الجليل شائف، الرئيس السابق للمنطقة الحرة في عدن والرئيس الحالي لمنظمة أصدقاء جنوب اليمن:


«اعتقدنا أننا نجحنا في إعادة تأسيس الدولة الجنوبية، التي كانت مستقلة عن الشمال بين عامي 1967 و1990».


وبحسب مانيشا شريفاستافا، من مؤسسة القرن القادم، وهي مؤسسة بحثية مقرها لندن ومتخصصة في تسوية النزاعات، فقد كانت عملية «المستقبل الواعد» محاولة محسوبة لفرض قضية الجنوب ضمن إطار السلام، قبل أن تفضي المفاوضات بين السعودية والحوثيين إلى تسوية تستبعد الجنوب بالكامل.


وردت السعودية بشن غارات جوية، وبحلول أوائل يناير 2026، كانت جميع المكاسب الميدانية التي حققها المجلس الانتقالي الجنوبي قد تراجعت. واستدعت السعودية وفدًا من المجلس يضم 50 عضوًا إلى الرياض. ورفض رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي السفر إلى العاصمة السعودية، حيث صودرت الهواتف المحمولة لأعضاء الوفد، واحتُجزوا في ظروف ترقى إلى الإقامة الجبرية.


ولا يزال بعض أعضاء الوفد محتجزين في الرياض ضد إرادتهم، كما لم يُسمح للدكتور صالح محسن، وهو مواطن بريطاني، بمغادرة المملكة لتلقي علاج طبي عاجل.


وفي 9 يناير، أعلن الوفد حل المجلس الانتقالي الجنوبي. ويعتقد شائف أن السعوديين كانوا سيقتلون الزبيدي لو أنه سافر إلى الرياض. وبحسب مركز سوث24 للأخبار والدراسات، فإن الزبيدي إما مختبئ في جنوب اليمن أو موجود في دولة الإمارات العربية المتحدة.


ورفض متحدث باسم المجلس الانتقالي فورًا بيان الحل، مؤكدًا أنه صدر تحت الإكراه. وفي فبراير 2026، شُكّلت حكومة يمنية جديدة مدعومة من السعودية برئاسة رئيس الوزراء شائع محسن الزنداني، لكن مجلس القيادة الرئاسي التابع للحكومة المعترف بها دوليًا لا يزال منقسمًا.


ورفض أبناء الجنوب السيطرة السياسية والعسكرية والاقتصادية المباشرة التي تفرضها الرياض على المنطقة. ومنذ ديسمبر 2025، استمرت المظاهرات المعارضة للوجود العسكري السعودي وللحكومة المدعومة من السعودية في مختلف المحافظات الجنوبية.


وبحسب تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش المعنون «اليمن: استخدام مفرط على ما يبدو للقوة ضد المتظاهرين»، والصادر في 17 مارس 2026، أطلقت قوات الأمن الذخيرة الحية على متظاهرين سلميين، ما أسفر عن مقتل ستة أشخاص على الأقل وإصابة العشرات في عدن وشبوة خلال الأشهر الأولى من عام 2026.


إضافة إلى ذلك، وثّق تقرير مشترك أصدرته سبع منظمات غير حكومية 801 انتهاك مزعوم لحقوق الإنسان في المحافظات الجنوبية، شملت الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري وفرض قيود خطيرة على حرية الصحافة.


وتروّج السعودية لما وُصف بأنه «عملية تشاورية جنوبية»، في الوقت الذي تستبعد فيه المجلس الانتقالي الجنوبي ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات النسائية والحركات الشبابية والقيادات المجتمعية التي تقول إنها تمثل قطاعات واسعة من المجتمع الجنوبي.


وخلال إحاطة مجلس الأمن الدولي في 16 يونيو 2026، اتهم مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي بالخيانة العظمى، وطالب مجلس الأمن بإدراجه ومساعديه على قائمة العقوبات الدولية بتهمة تقويض العملية السياسية.


وفي ظل هذه الخلفية، وجّهت 60 منظمة غير حكومية ومنظمة مجتمع مدني من جنوب اليمن رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وإلى المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ، دعت فيها الأمم المتحدة إلى إنشاء عملية تشاورية حقيقية بشأن مستقبل جنوب اليمن.


وطالبت الرسالة الأمم المتحدة بما يلي:


تكثيف الجهود لمعالجة الأزمة الإنسانية التي تؤثر في المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، بما في ذلك حث الدول الأعضاء على تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 بالكامل، وضمان حصول المحافظات الجنوبية على حصة عادلة من المساعدات الإنسانية.

إنشاء أو دعم تحقيق مستقل في انتهاكات حقوق الإنسان الموثقة في عدن وحضرموت والمهرة والضالع وشبوة، منذ ديسمبر 2025 وحتى الوقت الحاضر، والعمل على محاسبة المسؤولين عنها.


الامتناع عن استخدام العقوبات بوصفها بديلًا عن الحوار السياسي، وضمان أن تسهم أي إجراءات يعتمدها مجلس الأمن في تحقيق السلام وحماية المدنيين وتعزيز المشاركة السياسية الشاملة.


وقال شائف: «نعتقد كذلك أنه ما لم تُعالَج التطلعات السياسية لقطاعات واسعة من أبناء الجنوب بالوسائل السلمية، فإن هناك خطرًا حقيقيًا من أن يؤدي الإحباط المتزايد إلى تجدد الصراع المسلح بين الحكومة المدعومة من السعودية والقوات السعودية والأطراف الجنوبية».

 

وأشار إلى أن المتظاهرين، خلال الاحتجاجات الرافضة للوصاية السعودية، رددوا هتاف «برع برع يا استعمار»، وهو الهتاف نفسه الذي استخدمه المحتجون ضد الاستعمار البريطاني الذي استمر 128 عامًا.


وشمل الصراع المعروف باسم «حالة الطوارئ في عدن»، بين عامي 1963 و1967، مظاهرات وأعمال شغب واغتيالات وتفجيرات وحرب عصابات.


وإذا لم تتعامل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مع التطلعات الحقيقية لأبناء جنوب اليمن في تقرير المصير، فقد نشهد بداية حالة طوارئ جديدة في عدن، واندلاع حرب أهلية طويلة الأمد.


كارين دابروفسكا
صحفية وكاتبة ومديرة الاتصالات السابقة في منظمة أصدقاء جنوب اليمن.
ملاحظة: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتبة، ولا تعكس بالضرورة آراء مركز سوث24 للأخبار والدراسات.

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا