متظاهرون يحتجون قرب البيت الأبيض في واشنطن، في 7 أبريل 2026، ضد العمل العسكري الأمريكي في إيران. بريندان سميالوفسكي/وكالة الصحافة الفرنسية عبر Getty Images.
آخر تحديث في: 22-06-2026 الساعة 2 مساءً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | محمد فوزي
أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في يوم 15 يونيو الجاري، عن التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، في خطوة وصفها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب بأنها "اتفاق عظيم" سيجلب "السلام والأمن إلى المنطقة". ورغم التفاؤل الكبير بتوقيع الاتفاق خصوصاً في ظل تداعيات الحرب على الأمن الإقليمي وأسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وبينما يفتح وقف إطلاق النار نافذة لاحتواء الأزمة وتهيئة الأجواء أمام المسارات الدبلوماسية، فإنه يثير في الوقت ذاته تساؤلات جوهرية بشأن مدى صموده على المدى الطويل، والضمانات الكفيلة بمنع تجدد المواجهة، وانعكاساته المحتملة على موازين القوى الإقليمية ومستقبل العلاقات الأمريكية-الإيرانية، وهو ما يجعل من هذا الاتفاق محطة مفصلية تستحق التوقف عند أبعادها ودلالاتها الاستراتيجية المختلفة.
أولاً: تحليل مضمون ودلالات اتفاق وقف إطلاق النار
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توقيع اتفاق مبدئي لوقف الحرب مع إيران، وذلك قبل مراسم التوقيع الرسمية التي كان مقرراً عقدها في جنيف عقب التأجيل. معلناً أن نص الاتفاق سيُنشر قريباً، وجاء ذلك خلال محادثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش القمة السنوية لمجموعة الدول السبع في فرنسا: "يسعدني جداً أن أعلن توقيع الاتفاق بالكامل". وفي هذا الإطار وفي ضوء عدم النشر للحيثيات الكاملة الخاصة بالاتفاق بشكل رسمي حتى اللحظة باستثناء بعض التسريبات التي نشرتها وسائل إعلام غربية، يمكن القول إنّ الاتفاق يحمل بعض المؤشرات الرئيسية، وهي على النحو التالي:
1- رفع القيود على مضيق هرمز: تشير بعض التسريبات إلى أنه جرى الاتفاق بين الطرفين على قيام إيران تدريجياً برفع القيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز، إلى المستويات التي كانت عليها قبل الحرب، وذلك في غضون 30 يوماً، على أن تقوم الولايات المتحدة بدورها برفع وإنهاء الحصار البحري المفروض على إيران.
ويعد التركيز على مسألة مضيق هرمز، أمراً منطقياً لدى الجانبين الأمريكي والإيراني، خصوصاً في ظل الإدراك المتبادل لدى واشنطن وطهران بأن استمرار الضغوط المتبادلة في المجال البحري كان يهدد بإلحاق أضرار واسعة بالاقتصاد العالمي، بما في ذلك اقتصادات الحلفاء والشركاء التجاريين للطرفين. ومن المتوقع أن يؤدي هذا التطور إلى خفض تكاليف التأمين والشحن البحري، وتعزيز استقرار أسواق الطاقة، وفتح المجال أمام زيادة الصادرات الإيرانية تدريجياً، بما يضيف إمدادات جديدة للأسواق العالمية. وفي الوقت ذاته، يمنح دول الخليج فرصة لاستعادة زخم صادراتها واستثماراتها الطاقوية بعيداً عن هواجس تعطل الملاحة.
2- هدنة لمدة 60 يوماً على كل الجبهات: حسب التسريبات سيكون هناك هدنة لمدة 60 يوماً تشمل كل الجبهات وعلى رأسها الجبهة اللبنانية، وقد أوضح وزير الخارجية الإيراني "عباس عراقجي" في هذا الصدد، أن مذكرة التفاهم تنص على وقف الحرب في جميع الجبهات، بما في ذلك الجبهة اللبنانية، مشيراً إلى أن طهران اعتبرت منذ اليوم الأول أن إنهاء الحرب في لبنان يمثل أساساً لإنهاء الحرب مع إيران.
ويُلاحظ في هذا الإطار، أن إيران كانت تركز بشكل كبير على مسألة الجبهة اللبنانية كشرط للاتفاق، وذلك في مسعى لتكريس مقاربة "وحدة الساحات"، خصوصاً في ضوء النظرة الإيرانية لحزب الله باعتباره الحليف الأقوى لها، والنظر للجبهة اللبنانية باعتبارها تمثل خط الدفاع المتقدم عن المصالح الاستراتيجية الإيرانية في المشرق. وبشكل عام فإن نجاح الهدنة في لبنان سيعد اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف على تثبيت الاتفاق ككل، لأن أي تصعيد إسرائيلي ضد لبنان أو أي رد من حزب الله قد يعيد إنتاج دائرة التصعيد الإقليمي ويقوض التفاهمات الناشئة.
3- ملف الأموال الإيرانية المجمدة: شدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في تصريحات عديدة، على أن الإفراج عن الأموال المجمدة يمثل شرطاً رئيسياً بالنسبة لإيران، ومؤشر على جدية المفاوضات وبناء الثقة، وحتى اللحظة تتضارب الأنباء بخصوص ما تم التوصل إليه في هذا الملف. حيث ذكرت تقارير أن واشنطن قد توافق على الإفراج عن نحو 25% من الأصول الإيرانية المجمدة عالمياً، مقابل تنازلات نووية. في المقابل، تطالب طهران بالإفراج عن نحو 12 مليار دولار من أموالها المجمدة في مرحلة أولية.
ومن الجدير بالذكر هنا، أن ملف الأموال الإيرانية المجمدة يمثل جوهر المقايضة الاقتصادية والسياسية في أي تفاهم أمريكي-إيراني، لأنه يتجاوز قيمته المالية المباشرة ليصبح مؤشراً على مستوى الثقة المتبادلة بين الطرفين واستعداد كل منهما للانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة إدارة الخلاف. فبالنسبة لطهران، لا يُنظر إلى الإفراج عن الأموال المجمدة باعتباره مكسباً اقتصادياً فحسب، بل باعتباره اعترافاً عملياً بحقوقها المالية وإثباتاً لجدية واشنطن في تنفيذ التزاماتها، خاصة في ظل التجارب السابقة التي شهدت انسحاباً أمريكياً من تفاهمات واتفاقات قائمة. كما أن ضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الإيراني، حتى لو اقتصر على 12 مليار دولار في مرحلة أولية، من شأنه أن يمنح الحكومة الإيرانية هامشاً أوسع لمعالجة الضغوط الاقتصادية والمالية المتراكمة، وتهدئة الضغوط الداخلية الناتجة عن العقوبات والحرب.
وفي المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة تسعى إلى استخدام هذا الملف باعتباره أداة ضغط تدريجية، بحيث يتم الإفراج عن الأموال على مراحل مرتبطة بمستوى التزام إيران بالتعهدات النووية والأمنية، بما يحول الأصول المجمدة إلى آلية رقابة وضمان تنفيذ أكثر من كونها مجرد تنازل اقتصادي.
4- تحمل الخليج تكلفة إعادة إعمار إيران: قال نائب الرئيس الأمريكي "جيه دي فانس"، إن الإيرانيين "قد يحصلون" على تمويل لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار، والذي قال إنه سيموّل من دول الخليج، ولكن بشرط الوفاء بالتزامات معينة، وقال "فانس": "هذا ما يمكنهم الحصول عليه، بتمويل من تحالف ساحل الخليج، طالما أنهم يلتزمون بتعهداتهم".
الجدير بالذكر أن هذا الطرح الأمريكي، كان طرحاً إيرانياً بالأساس، حيث نشرت صحيفة "شرق" الإيرانية الإصلاحية افتتاحية في عدد 16 أبريل 2026، دعت فيها إلى تحميل الدول الخليجية جزءاً معتبراً من الخسائر التي تحملتها إيران ومسألة إعادة الإعمار، وبررت الصحيفة هذا الطرح باستضافة بعض الدول الخليجية لقواعد عسكرية أجنبية، خاصة الأمريكية. لذلك، يمكن القول إن الواقع العملي أدى إلى تلاقي الرؤيتين الأمريكية والإيرانية بشأن هذا الطرح، ليصبح جزءاً من إطار استراتيجي جديد يعيد تشكيل العلاقات بين إيران ودول الخليج. كذلك ربما ترى الإدارة الأمريكية أن أي تسوية طويلة الأمد مع إيران تحتاج إلى حوافز اقتصادية ضخمة تضمن بقاء طهران ملتزمة بالتفاهمات الجديدة، وفي الوقت ذاته لا ترغب الولايات المتحدة في تحمل التكلفة المباشرة لهذه الحوافز، ومن ثم يصبح نقل العبء المالي إلى الحلفاء الخليجيين الخيار الأكثر سهولة من وجهة النظر الأمريكية.
5- غموض بخصوص ملف اليورانيوم المخصب: أعلن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أن الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية ستساعدان إيران على تدمير مخزونها من اليورانيوم المخصب، مشيراً إلى أنه بموجب الاتفاق سوف يُسمح للمفتشين النوويين الدوليين بالعودة إلى إيران.
كذلك فقد أكدت التسريبات التي نشرتها صحف أمريكية على أن الاتفاق يتضمن تعهد إيران بأنها لن تسعى للحصول على أسلحة نووية أو تطويرها، مع التباحث لتسوية وضع مخزون اليورانيوم المخصب لدى إيران، لكن هذه الصياغة وفق ما جاء في الاتفاق تخلق منطقة رمادية وقابلة للتأويل، حيث يتم تثبيت مبدأ سياسي عام يتعلق بالتعهد بعدم امتلاك سلاح نووي، دون إحكام القيود التقنية بصورة نهائية، بما يمنح إيران مستقبلاً هامشاً للتحايل وإعادة تعريف حدود التخصيب ومستوياته. كما أن ذلك يمنح إيران فرصة للحفاظ على قدرات نووية قابلة من حيث البنية التحتية والمعرفة التقنية لإعادة التوظيف وإنتاج الأسلحة النووية حال تعثر المفاوضات مستقبلاً.
ثانياً: تداعيات الاتفاق المحتملة
لا ترتبط أهمية اتفاق وقف إطلاق النار المزمع توقيعه عند كونه آلية لاحتواء التصعيد بالمنطقة أو بين إيران والولايات المتحدة، بل إن الاتفاق من شأنه أن يحمل تداعيات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة النطاق على المنطقة، وفي هذا الإطار يمكن رصد مجموعة من التداعيات الرئيسية بالنسبة لعدد من الفاعلين، وذلك على النحو التالي:
1- الولايات المتحدة: هناك اعتبارات عديدة تحكم الموقف الأمريكي من الاتفاق، منها ما يرتبط بشخص الرئيس دونالد ترامب والذي ينظر إلى الاتفاق باعتباره أحد المنجزات الشخصية له، خصوصاً قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في نوفمبر المقبل. ومنها ما يرتبط بمصالح الولايات المتحدة نفسها، على غرار وقف التكلفة الكبيرة على كافة المستويات لاستمرار الحرب بالنسبة للولايات المتحدة، وتأمين استقرار أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وتخفيف الضغوط التضخمية على الاقتصاد الأمريكي، فضلاً عن إتاحة المجال لإعادة توجيه الموارد والاهتمام نحو أولويات استراتيجية أخرى، وفي مقدمتها المنافسة مع الصين وروسيا.
2- إيران: بعيداً عن التقديرات والسردية الإيرانية التي تروج لفكرة "الانتصار المطلق"، إلا أنّ الاتفاق حمل بالفعل العديد من المكاسب الاستراتيجية المهمة بالنسبة لإيران، إذ أنه ينقلها من دائرة الاستنزاف العسكري والاقتصادي إلى مرحلة أكثر ترتيباً لأولوياتها الداخلية والخارجية. كما أن الاتفاق قد يتيح لإيران الحصول على حوافز اقتصادية ضخمة خصوصاً في ظل بنود إعادة الإعمار ورفع العقوبات وملف الأموال المجمدة، بالإضافة لكونه يفتح الباب أمام تحايل إيران في الملف النووي، وإعادة ترتيب وبناء شبكة الحلفاء الإقليميين، لكن ذلك كله يظل مرهوناً بمآلات الاتفاق ومدى الالتزام الإسرائيلي والأمريكي به، خصوصاً في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية في لبنان، وكذا تصريحات الرئيس الأمريكي "ترامب" والتي أشار فيها إلى أن خيار عودة قصف إيران يظل وارداً.
3- الحوثيين: يحمل الاتفاق العديد من المكاسب المهمة بالنسبة لميليشيا الحوثي في اليمن، إذ أن أي اتفاق للتهدئة في الإقليم يمنح الميليشيا اليمنية فرصة لوقف العمليات التي كانت مكلفة جداً في البحر الأحمر. كما أنّ الاتفاق من شأنه أن يعطي الحوثيين فرصة لإعادة بناء قدراتهم العسكرية، بالإضافة لترويجهم لسردية الانتصار كجزء من المحور الإيراني، والسعي لتوظيف ذلك في السياق اليمني عبر المزيد من التصعيد الداخلي المحتمل.
وتأكيداً على هذه الفرضية، كانت وزارة الخارجية في حكومة الحوثي غير المعترف بها ، قد أصدرت بياناً قالت فيه إنها "تبارك انتصار إيران في الحرب، وتجذر مبدأ وحدة الساحات"، مؤكدة على ما وصفته بـ "السعي لانتزاع كافة حقوق الشعب اليمني وإنهاء كافة أشكال العدوان والحصار". وهو بيان يعكس سعي الميليشيا اليمنية إلى تأطير الاتفاق وكأنه انتصار للمحور الإيراني ككل، فضلاً عن ما يحمله البيان من إشارات إلى احتمالية سعي الجماعة استثمار السياق المصاحب للاتفاق من أجل التصعيد داخلياً والتحرك لتحقيق مكاسب سياسية وميدانية.
4- حزب الله: وجه الأمين العام لحزب الله اللبناني "نعيم قاسم" خطاباً أعرب فيه عن رفض أي طرح لنزع السلاح وداعياً إلى حصر أي مفاوضات باستعادة السيادة اللبنانية وإنهاء الاحتلال، كما هنأ الشعب الإيراني بما وصفه بـ "الانتصار الكبير"، موجهاً الشكر إلى إيران على "ربط ساحة لبنان كمقاومة وشعب بقوة الاستعداد للتضحية وإرغام إسرائيل على وقف العدوان" وفق تعبيره.
الجدير بالذكر أن هناك تعويل كبير من قبل حزب الله على الاتفاق المزمع توقيعه، وذلك لاعتبارات مرتبطة بكون الحزب هو الطرف الإيراني الأكثر استنزافاً في الحرب الأخيرة، ونظراً لكون الاتفاق يمثل فرصة للحزب لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء قدراته وتموضعه السياسي في لبنان، فضلاً عن احتمال أن يدفع الاتفاق باتجاه تدفقات ودعم كبير من قبل إيران للحزب. كذلك فإن إدراج الجبهة اللبنانية ضمن ترتيبات اتفاق وقف إطلاق النار يؤكد على المكانة المركزية لحزب الله داخل الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية. لكن هذه الطموحات من الحزب تصطدم ببعض التحديات الرئيسية، وعلى رأسها استمرار التموضع الإسرائيلي في العديد من النقاط في جنوب لبنان، واستمرار عمليات القصف الإسرائيلي وفصل إسرائيل ملف لبنان عن أي ترتيبات أمريكية إيرانية، بالإضافة إلى التحديات الداخلية خصوصاً ما يتعلق بتوجهات الحكومة اللبنانية تجاه ملف نزع سلاح الحزب، وكذا الغضب في البيئة الحاضنة في لبنان.
5- دول الخليج: يمثل الاتفاق المزمع توقيعه فرصة وتحديًا في الوقت نفسه بالنسبة لدول الخليج، فمن ناحية يتيح الاتفاق فرصة لوقف الهجمات والاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والتي حملت تداعيات سلبية ضخمة بالنسبة لهذه الدول، كما أن الاتفاق سيضمن استئناف حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بما يعزز انسيابية تدفقات النفط والغاز والتجارة البحرية.
لكن في المقابل فإن الاتفاق يفرض تحديات كبيرة وأعباء على دول الخليج، خصوصاً فيما يتعلق بالبحث عن ترتيبات وضمانات أمنية جديدة، بالإضافة إلى ملف إعادة تأهيل البنية التحتية الطاقوية التي تضررت والتي تقدرها بعض التقارير بمليارات الدولارات، وبطبيعة الحال يظل الملف الأكثر تعقيداً مرتبطاً بالدفع الإيراني الأمريكي نحو تحميل الخليج تكلفة إعادة الإعمار في إيران. هذا فضلا عن الغموض الذي يضعه الاتفاق بشأن مستقبل إدارة مضيق هرمز.
6- إسرائيل: أعرب العديد من القادة والسياسيين في إسرائيل عن رفضهم الاتفاق الأمريكي الإيراني، وبشكل عام يمكن القول إنّ إسرائيل هي الطرف الأكثر تحفظاً على اتفاق وقف إطلاق النار. ويمكن فهم هذا الموقف في ضوء انطلاق الحسابات الإسرائيلية في الحرب من فرضية أن المواجهة العسكرية تمثل فرصة لإضعاف إيران بصورة جوهرية، سواء من خلال تقويض برنامجها النووي والصاروخي أو تقليص نفوذها الإقليمي، إلا أن الصيغة الحالية للاتفاق لا تتضمن التزامات إيرانية حاسمة في معظم هذه الملفات. كما يفرض الاتفاق قيوداً إضافية على هامش الحركة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً في الساحة اللبنانية، فإيران ربطت منذ مراحل مبكرة من المفاوضات بين أي اتفاق شامل وبين وقف العمليات العسكرية في لبنان. وعلى الصعيد الداخلي، قد يحمل الاتفاق تداعيات سلبية على حكومة نتنياهو، إذ إن سردية "النصر الاستراتيجي" التي تبناها "نتنياهو" سوف تنهار، بما يمنح خصومه السياسيين فرصة لاتهامه بعدم تحقيق الأهداف المعلنة للحرب.
ثالثاً: المسارات المحتملة
في ضوء كافة المعطيات السابقة، يمكن القول إن هناك مجموعة من المسارات الرئيسية المحتملة لمسار الاتفاق وتداعياته، وذلك على النحو التالي:
1- تسوية شاملة ومستدامة: يقوم هذا السيناريو على فرضية نجاح الولايات المتحدة وإيران في استثمار وقف إطلاق النار باعتباره نقطة انطلاق نحو تفاهمات أوسع تشمل الملف النووي، وآليات الرقابة الدولية، وقضايا العقوبات والأموال الإيرانية المجمدة، فضلاً عن ترتيبات أمنية تتعلق بالملاحة في الخليج والبحر الأحمر. وفي هذا السيناريو، تتراجع حدة التوترات الإقليمية تدريجياً، وتلتزم الأطراف المرتبطة بإيران، مثل الحوثيين وحزب الله، بمخرجات الاتفاق مقابل حصول طهران على مكاسب اقتصادية وسياسية ملموسة. وتزداد فرص تحقق هذا السيناريو في ظل وجود رغبة أمريكية واضحة لتجنب حرب جديدة في الشرق الأوسط، ورغبة إيرانية في استثمار الاتفاق لتخفيف الضغوط الاقتصادية وإعادة دمج نفسها تدريجياً في النظام الاقتصادي الدولي.
2- تفاهمات جزئية مع استمرار التوتر في الساحة اللبنانية: يفترض هذا السيناريو أنّ الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران ينجح في تثبيت تفاهمات عامة في الملفات الإقليمية والنووية، وربما يحقق درجة من الاستقرار النسبي في بعض الساحات مثل الخليج والبحر الأحمر، لكنه يفشل في تحويل الجبهة اللبنانية إلى جزء من هذه التفاهمات، ما يؤدي إلى بقاء لبنان "استثناءً أمنيًا" خارج إطار الترتيبات الجديدة. في هذا السياق، تستمر إسرائيل في تبني سياسة "الرد الوقائي المحدود" ضد أهداف تابعة لحزب الله، وبالتالي سيظل مصير الجبهة اللبنانية مرتبطاً بالضغوط الإيرانية على الولايات المتحدة بهذا الخصوص، ومسار المباحثات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة وما ستصل إليه من تفاهمات برعاية واشنطن.
3- انهيار الاتفاق وعودة التصعيد العسكري: يقوم هذا السيناريو على فشل المفاوضات اللاحقة للاتفاق، سواء بسبب تعثر التفاهمات النووية، أو الخلاف حول العقوبات، أو نتيجة قيام أحد الأطراف بخطوات أحادية تعتبرها الأطراف الأخرى انتهاكاً لروح الاتفاق. كما أن استمرار التحفظات الإسرائيلية على التفاهمات الحالية قد يمثل أحد أبرز عوامل الخطر، خاصة إذا اتجهت إسرائيل إلى تنفيذ عمليات عسكرية واسعة ضد أهداف إيرانية أو ضد حلفاء طهران في لبنان. وفي حال انهيار الاتفاق، ستعود المنطقة إلى دائرة التصعيد، وربما بصورة أكثر خطورة من المرحلة السابقة، نظراً لأن الأطراف ستكون قد استنفدت خيار التفاوض وفقدت جزءاً من الثقة المتبادلة.
قبل شهرين
قبل 3 أشهر