عربي

الهجمات الإيرانية على دول الخليج: الحسابات والتداعيات

تتصاعد النيران وأعمدة الدخان بعد أن ضربت حطام طائرة مسيّرة إيرانية جرى اعتراضها منشأة نفطية، وفقاً للسلطات، في الفجيرة بدولة الإمارات العربية المتحدة - 14 مارس 2026، أسوشيتد برس (AP)

14-03-2026 الساعة 5 مساءً بتوقيت عدن

 تُشير الهجمات الإيرانية على دول الخليج إلى سعي إيران لتوسيع نطاق معادلة الردع بحيث لا تبقى المواجهة محصورة في الإطار الثنائي المباشر، بل تمتد لتشمل البيئة الإقليمية.

مركز سوث24 | محمد فوزي


ما إن بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجديدة على إيران في 28 فبراير 2026، حتى جاء الرد الإيراني سريعاً، وكان لافتاً في التصعيد الإيراني التركيز بشكل واضح على استهداف دول الخليج العربي، الأمر الذي عبر عن ميل إيران إلى توسيع نطاق الرد بما يتجاوز حدود المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ليشمل ساحات إقليمية تعد في نظرها جزءاً من معادلة الردع والضغط المتبادل. وفي هذا السياق، باتت دول الخليج العربي تقف على خط تماس مباشر مع تداعيات هذا الصراع المتسع، الأمر الذي يطرح تساؤلات مهمة حول طبيعة الحسابات والدوافع الإيرانية في مسألة استهداف دول الخليج، والتداعيات المحتملة لهذا التصعيد الإيراني على مسار العلاقات بين إيران من ناحية، ودول الخليج من ناحية أخرى.


أولاً: دلالات الهجمات الإيرانية على دول الخليج


أشارت بعض التقارير إلى بعض الإحصاءات الخاصة بالهجمات الإيرانية على دول الخليج في ثنايا التصعيد الراهن، ولفتت التقارير إلى تواصل الهجمات الإيرانية تجاه الخليج، حيث قارب عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أُطلقت منذ اندلاع الصراع ثلاثة آلاف، استهدفت في غالبيتها منشآت مدنية، ويطرح هذا السلوك الإيراني مجموعة من الدلالات المهمة:


1- سعي إيران لتوسيع نطاق معادلة الردع: تُشير الهجمات الإيرانية على دول الخليج إلى سعي إيران لتوسيع نطاق معادلة الردع بحيث لا تبقى المواجهة محصورة في الإطار الثنائي المباشر، بل تمتد لتشمل البيئة الإقليمية التي ترى طهران أنها توفر دعماً سياسياً أو لوجستياً للعمليات العسكرية ضدها. وبهذا المعنى، تحاول إيران نقل جزء من تكلفة المواجهة إلى حلفاء واشنطن في المنطقة، بما يخلق ضغوطاً داخلية وإقليمية على هذه الدول لإعادة النظر في مستوى انخراطها أو دعمها للتحركات الأمريكية والإسرائيلية. 


وتأكيداً على هذا الافتراض، كان العديد من المسؤولين الإيرانيين ومنهم وزير الخارجية عباس عراقجي، قد أطلقوا مجموعة من التصريحات التي تحاول تبرير هذه الهجمات، عبر الترويج لسردية أن "هذه الضربات لا تستهدف جيران إيران بقدر ما تستهدف الوجود الأمريكي"، وهي سردية واهية على اعتبار أن دول الخليج لم تنخرط في أي عمل عسكري ضد إيران، كما أنها قادت العديد من الجهود الدبلوماسية لمنع الحرب قبل وقوعها.


2- سعي إيران للضغط على الاقتصاد العالمي: في إطار المحاولات الإيرانية لإعادة تشكيل معادلة الردع الإقليمية، ركزت إيران بشكل لافت على استهداف بعض المنشآت الطاقوية واللوجستية والخدمية في منطقة الخليج، على غرار ما حدث من استهداف مصفاة "رأس تنورة" التابعة لشركة أرامكو السعودية، فضلاً عن استهداف مدينة رأس لفان الصناعية بقطر عبر طائرات مسيرة.


ويُعبر هذا السلوك الإيراني عن دلالات استراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر، إذ يعكس توجهاً واضحاً نحو توظيف البنية التحتية الاقتصادية كساحة رئيسية للضغط في الصراع الإقليمي. فهذه المنشآت لا تمثل فقط مكونات أساسية للاقتصادات الخليجية، بل تشكل كذلك ركائز حيوية في منظومة الطاقة والتجارة العالمية، ما يجعل استهدافها وسيلة فعّالة لإحداث تأثيرات تتجاوز النطاق الجغرافي للصراع. ومن ثم، فإن توجيه الضربات إلى المصافي النفطية ومرافق الغاز والموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية يشير إلى سعي إيراني لرفع كلفة المواجهة على خصومها عبر تهديد استقرار أسواق الطاقة العالمية وتعطيل سلاسل الإمداد. 


3- خلق بيئة أمنية مضطربة في الإقليم: كان الحرس الثوري الإيراني قد أعلن في بيانات له، توسيع دائرة عملياته العسكرية لتشمل قواعد أمريكية في دول المنطقة بحسب زعمه، إضافة إلى استهداف العمق الإسرائيلي في الوقت ذاته، فيما يبدو أنه توجه إيراني للاعتماد على استراتيجية "خلط الأوراق" و"الفوضى الإقليمية"، بما يخلق ضغوطاً دولية متزايدة لاحتواء التصعيد، ويدفع باتجاه اتساع نطاق الحرب الجارية، وهو توجه ترى فيه إيران أنه سيعزز موقعها التفاوضي.


4- تصريحات ناعمة من "بزشكيان" مع استمرار التصعيد: عقب اغتيال المرشد الإيراني السابق "علي خامنئي"، ألقى الرئيس الإيراني "مسعود بزشكيان"، خطاباً باعتباره أحد أعضاء مجلس القيادة المؤقت في إيران، أعلن فيه عن "اعتذاره عن الهجمات الإيرانية التي طالت عدداً من دول الجوار"، وهي التصريحات التي أثارت جدلاً كبيراً في إيران والإقليم ككل.


وقد قُرئت هذه التصريحات في بادئ الأمر باعتبارها محاولة إيرانية لاحتواء تداعيات التصعيد الإقليمي ومنع انزلاق دول الخليج إلى الانخراط المباشر في المواجهة الدائرة. غير أنّ استمرار الهجمات أو التهديدات المرتبطة باستهداف مصالح خليجية، رغم صدور هذا الاعتذار، يكشف عن حالة من الازدواجية في إدارة الأزمة داخل بنية صنع القرار الإيراني. إذ يبدو أنّ المتشددين بقيادة الحرس الثوري كانت وطأة ضغوطهم أقوى من أي محاولات من التيار الإصلاحي لاحتواء التصعيد على الأقل مع دول الجوار، ولعل ذلك ما دفع "بزشكيان" للتراجع عن تصريحاته لاحقاً، كذلك اعتبرت السعودية أن تصريحات بزشكيان خالفت الواقع... وهجمات إيران استمرت بحجج واهية.


ثانياً: تداعيات الهجمات الإيرانية على الخليج


يُلاحظ في ضوء استعراض طبيعة الحسابات الإيرانية، أنّ إيران ارتكبت خطأ استراتيجيًا كبيرًا عبر هذه الهجمات التي استهدفت دول الخليج، وهي الهجمات التي لم تستثن حتى الدول الوسيطة والتي تملك علاقات قوية بإيران على غرار سلطنة عمان وقطر. إذ أنّ هذه الهجمات تفتح الباب أمام تراجع دور هذه الدول في الوساطة، فضلاً عن أنها تفتح الباب أمام العديد من التداعيات السلبية، وذلك على النحو التالي:


1- تقويض جهود التهدئة بين إيران والخليج: جاءت الضربات الإيرانية الأخيرة على دول الخليج لتقوض بشكل مباشر جهود التهدئة والانفتاح الدبلوماسي التي كانت قد بدأت تتشكل منذ استئناف العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران، وهو المسار الذي كان يُنظر إليه باعتباره خطوة مهمة نحو تخفيف التوترات الإقليمية وإعادة ضبط التنافس بين الطرفين. غير أنّ استهداف الخليج أعاد إحياء حالة الشك العميق تجاه النوايا الإيرانية، ورسخ قناعة لدى بعض العواصم الخليجية بأنّ طهران ما زالت تميل إلى استخدام أدوات الضغط العسكري والأمني حتى في ظل الانفتاح الدبلوماسي. ويظهر ذلك بوضوح في المواقف الأكثر تشدداً التي بدأت تتبلور، بما في ذلك قرار الإمارات العربية المتحدة سحب سفيرها من طهران، وهو تطور يعكس تراجع الثقة بشكل كبير ويشير إلى احتمال انهيار تدريجي لمسار التقارب الذي كانت المنطقة قد بدأت تشهده مؤخراً. 


2- إمكانية التصعيد من قبل دول الخليج: برزت العديد من التحليلات والتقارير الغربية والتي تُشير إلى احتمالية انخراط دول الخليج في تصعيد ضد إيران على وقع الهجمات الأخيرة، وهو سيناريو مطروح في ضوء بعض الاعتبارات، وأولها أنّ دول الخليج سوف تنظر على وقع الهجمات الإيرانية الكبيرة، إلى التعامل مع المسألة بمنطق "رد الفعل" والحفاظ على السيادة ودرجة من الردع مع إيران، وثانيها أنّ هناك بالفعل مؤشرات تكشف عن أنّ الولايات المتحدة لديها رغبة في تحويل دول الخليج إلى طرف مباشر في الحرب، وليس مجرد ساحة لتصفية الحسابات. وثالثها أنّ السنوات الأخيرة بدأت تشهد تغيراً واضحاً في معالم السياسة الدفاعية والأمنية الخليجية إجمالاً.


3- إحياء مشاريع واشنطن بخصوص تحالفات أمنية جديدة: تُسهم الضربات الإيرانية الأخيرة على دول الخليج في توفير مبرر قوي لواشنطن لإعادة الترويج لمشاريع بناء منظومة أمن إقليمي جديدة في الشرق الأوسط تقوم على توثيق التعاون العسكري والأمني بين الولايات المتحدة ودول الخليج في مواجهة التهديدات الإيرانية. فمن المرجح أن توظف الولايات المتحدة هذه التطورات لتأكيد سرديتها حول ضرورة إنشاء شبكة ردع جماعي تشمل دول مجلس التعاون الخليجي، بما يتضمن تعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي المشتركة وتوسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق العملياتي بين الحلفاء. وفي هذا السياق، تبدو إيران وكأنها قدمت لواشنطن فرصة سياسية وأمنية ثمينة لإحياء مثل هذه المشاريع التي كانت تواجه في السابق قدراً من التردد أو التحفظ لدى بعض العواصم الخليجية الساعية إلى خفض التوترات مع طهران. 


4- تراجع دور الوساطة لدول الخليج: تدفع العمليات الإيرانية الأخيرة على دول الخليج باتجاه تداعيات سياسية تتجاوز البعد الأمني المباشر، إذ تسهم هذه الضربات في تقويض الأدوار الوسيطة التي اضطلعت بها بعض العواصم الخليجية خلال السنوات الماضية في إدارة التوترات الإقليمية. فقد عملت دول مثل سلطنة عُمان وقطر والمملكة العربية السعودية على لعب أدوار دبلوماسية نشطة لتخفيف حدة التصعيد بين إيران والولايات المتحدة، سواء عبر قنوات الوساطة المباشرة أو من خلال استضافة حوارات غير معلنة، غير أنّ استهداف الخليج من قبل طهران يضعف من قدرة هذه العواصم على الاستمرار في أداء هذا الدور، إذ يخلق بيئة سياسية وأمنية أكثر استقطاباً ويقوض من مستوى الثقة الضروري لنجاح الوساطات. 


إجمالاً يمكن القول، إنّ الضربات الإيرانية الأخيرة على دول الخليج عبرت عن حالة من التأزم تعيشها المنطقة، إذ إنها نقلت الصراع من مستوى الهجمات المباشرة المتبادلة، إلى ساحات غير تقليدية للحرب، وباتت العمليات تمتد لتطال مراكز الثقل الاقتصادي والطاقوي في المنطقة. فهذه الضربات لا تعكس فقط محاولة من إيران لإعادة صياغة معادلات الردع وإظهار قدرتها على نقل كلفة المواجهة إلى محيطها الإقليمي، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطر كبيرة تتمثل في إعادة إنتاج بيئة إقليمية أكثر استقطاباً، وتعزيز توجهات التحالفات الأمنية المضادة، وتقويض مسارات التهدئة والوساطة التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية. ومن ثم، فإنّ مستقبل هذه التطورات سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف المعنية، ولا سيما دول الخليج، على إدارة تداعيات هذا التصعيد دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تتجاوز كلفتها الحسابات التي دفعت إلى هذا التصعيد في المقام الأول. 


خبير في شؤون الأمن الإقليمي، باحث في مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا