حقوق الصورة: كامران / صور الشرق الأوسط / وكالة الصحافة الفرنسية عبر غيتي إيمجز
آخر تحديث في: 12-01-2026 الساعة 11 صباحاً بتوقيت عدن
"هذه الاحتجاجات تفرض ضغوطاً مركبة على النظام الإيراني على مستوى الاستمرار في دعم شبكة حلفائه الإقليميين وعلى رأسهم ميليشيا الحوثي في اليمن."مركز سوث24 | محمد فوزي
تشهد إيران حالياً موجة جديدة وربما مختلفة من الاحتجاجات الشعبية، وحتى وإن ارتبطت هذه الاحتجاجات بأبعاد اقتصادية وجاءت في أعقاب انخفاض قيمة العملة الإيرانية، إلا أنّ النظر إلى هذه الاحتجاجات لا يمكن أن يستقيم بمعزل عن معاناة الشعب الإيراني لسنوات اقتصادياً ومعيشياً وسياسياً في ظل نظام سياسي غير قادر على تجديد نفسه. فضلاً عن السياق الإقليمي في مرحلة ما بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة، والذي تسعى فيه إسرائيل إلى "تغيير وجه الشرق الأوسط". بالإضافة إلى السياق الدولي الأعم والذي يشهد محاولات أمريكية لإعادة ضبط التوازنات بما يكرس لفكرة الهيمنة الأمريكية. وفي هذا الإطار تُطرح العديد من التساؤلات بخصوص مدلولات التظاهرات الراهنة في إيران، وإلى أين يتجه مسار الاحتجاجات خصوصاً مع دخول الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الأطراف الدولية على خط الأزمة.
أولاً: السمات والملامح الخاصة بالاحتجاجات
اتسمت الاحتجاجات الراهنة في إيران بمجموعة من السمات الرئيسية، والتي ربما ميزتها عن أي احتجاجات مشابهة شهدتها إيران خلال السنوات الأخيرة، ويمكن تناول أبرز ملامح المشهد الاحتجاجي الراهن في إيران في ضوء السمات التالية:
بدأت الاحتجاجات الراهنة في إيران من العاصمة طهران حيث شهدت الأسواق الكبرى مثل البازار وأسواق الهواتف المحمولة إغلاقاً واسعاً لمراكزها التجارية، في مؤشر واضح على تنامي حالات الاحتقان الشعبي. واتسعت لتطال مدن رئيسية أخرى غير العاصمة، شملت أصفهان، شيراز، مشهد، تبريز، رشت، كرمانشاه، همدان.
ويُلاحظ في إطار الاحتجاجات الراهنة في إيران؛ أنها بدأت بقيادة مجموعة كبيرة من التجار وأصحاب المحلات في العاصمة طهران، وانضم إليهم التجار في مدن إيرانية أخرى. وسرعان ما تحولت المطالب لتشمل أهداف سياسية واجتماعية. ورغم افتقارها لعنصر القيادة، لكن هناك تأييد وانخراط من بعض النشطاء الذين شاركوا بفاعلية في احتجاجات مهسا أميني في 2022. أما أبرز رموز المعارضة الذين أيدوا الاحتجاجات، فهم رضا بهلوي الذي دعا قوات الأمن إلى عدم الوقوف في وجه المحتجين. فضلاً عن 7 أحزاب كردية إيرانية معارضة، كما أصدر 17 ناشطاً من منظمات المجتمع المدني والسياسيين بياناً مشتركاً يدعم الاحتجاجات.
بدورها أشارت منظمتا "العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" إلى أنّ السلطات الإيرانية أطلقت، منذ 28 ديسمبر الماضي، حملة "قمع دموية" ضد المتظاهرين في جميع أنحاء البلاد، ترافقت مع استخدام غير قانوني للقوة والأسلحة النارية من قِبل قوات الأمن، إضافة إلى اعتقالات واسعة وتعسفية. وبحسب معلومات موثوقة جمعتها المنظمتان، أسفر هذا القمع خلال الفترة من 31 ديسمبر 2025 إلى 3 يناير 2026 عن مقتل ما لا يقل عن 28 متظاهراً وماراً، بينهم أطفال، في 13 مدينة ضمن ثماني محافظات.
وفي ضوء هذه المؤشرات والمعطيات يمكن الإشارة إلى بعض الملاحظات الرئيسية:
• بدأت الاحتجاجات الراهنة في إيران من العاصمة طهران، في دلالة رمزية وسياسية مهمة وانتقلت منها إلى محافظات إيرانية أخرى، ما يعني أنّ الاحتجاجات بدأت من قلب المركز السياسي والاقتصادي لإيران، ما يفرض على النظام الإيراني تحديات وأعباء مضاعفة على مستوى ضبط المنظومة الأمنية والاستقرار في العاصمة والأطراف.
• انتشار الاحتجاجات في إيران من العاصمة طهران إلى أكثر من 27 محافظة وعشرات المدن في كافة أنحاء البلاد، يعد دلالة قوية على أنّ الغضب الشعبي تجاوز كونه رد فعل محلي على أزمة مرتبطة بمدينة بعينها، إلى ظاهرة وطنية تعبّر عن استياء عميق ومتزايد في قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني.
• حتى وإن غلب على المشهد الاحتجاجي في إيران في بادئ الأمر الطابع الاقتصادي، إلا أنّ مطالب المحتجين امتدت لاحقاً لتشمل مزيجاً من المطالب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. هذا الانتشار الواسع يعكس ضعف الثقة بالحلول التقليدية وغياب آليات مؤسساتية للتعبير عن السخط، ما دفع المواطنين في بيئات متعددة للخروج في آن واحد. ويُظهر أيضاً أنّ إدارة الأزمة من قبل الدولة تواجه تحديات أكبر في احتواء الغضب عندما يتحول من مطالب اقتصادية ضيقة إلى شبكة احتجاجات عابرة للمناطق الجغرافية والثقافية.
• عمدت السلطات الإيرانية إلى التعامل بمنطق قمعي مع الاحتجاجات الراهنة، حيث نفذت أعمال قمع واسعة شملت استخدام القوة المميتة والاعتقالات التعسفية وتقييد وسائل الاتصال، وتعكس هذه الانتهاكات من الاستخدام المفرط للقوة، والاعتقالات الواسعة، وتقييد الفضاء الرقمي مقاربة أمنية تقليدية ترى في الاحتجاج تهديداً وجودياً لا تعبيراً سياسياً مشروعاً. هذا النهج لا يهدف فقط إلى تفكيك الحراك في لحظته الراهنة، بل يسعى إلى إعادة إنتاج منطق الردع القائم على الخوف ومنع تشكّل سابقة احتجاجية مستدامة.
• كان ملاحظاً جنوح التظاهرات في إيران إلى العنف وهو أمر يرتبط بتبني السلطات الإيرانية لنهج عنيف، كما أنه اعتبار يؤكد على تراجع حالة الردع التي فرضها النظام الإيراني على المجتمع، كما أنه يمثل مؤشراً على تنامي حالة الغضب المتراكمة منذ سنوات.
ثانياً: السياق العام للاحتجاجات في إيران
ارتبطت أهمية الاحتجاجات الراهنة التي تشهدها إيران بمجموعة من السياقات والعوامل الرئيسية، خصوصاً مع تداخل العوامل المحلية بالسياق الإقليمي والدولي العام، ويمكن تناول أبرز معالم هذا السياق في ضوء التالي:
1- الأزمة الاقتصادية الحادة في إيران: كان للعامل الاقتصادي التأثير الأكبر على تفجر الاحتجاجات الأخيرة في إيران، وقد تجلى ذلك بشكل واضح في كون فئة التجار ورجال الأعمال هي الفئة التي أشعلت شرارة الاحتجاجات. فضلاً عن تزامن الاحتجاجات مع تراجع قيمة العملة المحلية أمام الدولار، وهو اعتبار يعبر عن محدودية أثر السياسات التي تتبناها السلطات الإيرانية على المستوى الاقتصادي وتحسين الأوضاع الخدمية والاجتماعية، فضلاً عن استشراء الفساد بشكل كبير. كذلك برز في شعارات الاحتجاجات انتقاد واضح للسلوك الخارجي لإيران، بما عكس توجه شريحة واسعة من المجتمع الإيراني إلى تحميل مغامرات النظام الخارجية مسؤولية العزلة الدولية التي تعرّضت لها البلاد، وما ترتّب عليها من تداعيات اقتصادية متفاقمة.
2- تنامي التهديدات التي تواجه النظام الإيراني: تأتي موجة الاحتجاجات الراهنة في إيران، بالتزامن مع سياق يشهد تصاعداً لافتاً في وتيرة التهديدات التي تواجه النظام الإيراني، على وقع الضربات الأمريكية الإسرائيلية في الحرب الأخيرة والتي أدت بدرجة أو بأخرى إلى إضعاف مراكز الثقل الخاصة بالنظام، فضلاً عن الضربات الكبيرة التي تم توجيهها لما يُعرف بمحور المقاومة، والتي أدت نسبياً إلى خسائر كبيرة بالنسبة لأذرع إيران في المنطقة. وهي اعتبارات تفرض تهديدات متزايدة بالنسبة للنظام الإيراني خصوصاً مع احتمالية تجدد الحرب، ويُضاف إلى ذلك التخوف الإيراني من سيناريو الرئيس الفنزويلي الذي أطاحت به الولايات المتحدة "مادورو".
3- دخول الولايات المتحدة على الخط: دخلت الولايات المتحدة بقوة على خط دعم الاحتجاجات الراهنة في إيران، حيث هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بضرب إيران "بقوة شديدة" إذا "بدأت السلطات بقتل المتظاهرين". وبشكل عام يُمكن القول، إنّ هذه التصريحات تأتي في ضوء مجموعة من المحددات الرئيسية، وأولها أن "ترامب" يرى في الاحتجاجات الراهنة فرصة للإطاحة بالنظام الإيراني، وثانيها يرتبط بالداخل الأمريكي وسعي "ترامب" التأكيد على صلابة الموقف تجاه طهران بما يُكسبه دعم التيارات المتشددة في السياسة الأمريكية، وثالثها لرفع منسوب الضغط النفسي والسياسي على النظام الإيراني عبر الإيحاء بأن استمرار القمع قد يفتح الباب أمام تشديد العقوبات أو العزلة الدولية فضلاً عن خيار التدخل المباشر.
4- مناورات إسرائيلية تجاه الاحتجاجات: كان ملاحظاً جمع النهج الإسرائيلي في التعاطي مع الاحتجاجات الراهنة في إيران بين مجموعة من السمات الرئيسية، ومنها المراقبة الدقيقة والجنوح نحو عدم الظهور لرفع منسوب الضغط النفسي والسياسي على النظام الإيراني عبر الإيحاء بأن استمرار القمع قد يفتح الباب أمام تشديد العقوبات أو العزلة الدولية. ويأتي الموقف الإسرائيلي ارتباطاً بالرؤية التي ترى أنّ هذه الاحتجاجات قد تمثل فرصة للإطاحة بالنظام الإيراني أو استنزافه قبيل جولة حرب محتملة جديدة، فضلاً عن عدم رغبة إسرائيل في الانخراط الكبير في مشهد الاحتجاجات، بما قد يُعطي النظام الإيراني ذريعة أكثر شرعية لقمع المحتجين واتهامهم بـ “العميل الخارجي”، وهو ما تكرر في خطاب طهران تجاه واشنطن وتل أبيب. كذلك ترى إسرائيل في الاحتجاجات أنها تمثل عامل ضغط غير مباشر على السياسات الإيرانية الإقليمية، بما في ذلك ملف النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان واليمن، مما يُنظر إليه في تل أبيب كـ “ضغط مزدوج” يضعف الشبكات الاستراتيجية لطهران دون تدخل مباشر.
ثالثاً: المسارات المتوقعة
اعتمد النظام الإيراني على مقاربة تصعيدية عنيفة تجاه الاحتجاجات الراهنة في إيران، مع تبني المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي سردية مفادها أنّ "المتظاهرين خونة ومخربون وعملاء للخارج"، مهاجماً في الوقت نفسه الولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب، بما يشي باحتمالية تنامي موجات التصعيد في إيران، خصوصاً وأنّ النظام سوف ينظر إلى هذه الاحتجاجات مع حضور العامل الخارجي بمنطق التهديد الوجودي. ويُعزز من فرص هذا السيناريو استمرار الأزمات الاقتصادية التي خرجت من أجلها الاحتجاجات، وعدم توفر بدائل واقعية لدى النظام الإيراني، وعدم قدرة النظام الإيراني على امتصاص غضب المحتجين، فضلاً عن عنصر الدعم الخارجي للاحتجاجات، على الأقل على المستوى السياسي، خصوصاً مع نظر أطراف كالولايات المتحدة وإسرائيل إلى هذه الاحتجاجات بمنطق الفرصة للإطاحة بالنظام أو على أقل تقدير استنزافه. ويفرض هذا السيناريو على النظام الإيراني ومستقبله العديد من التهديدات، والتي تبدأ من استنزافه وتراجع قدرته على إدارة الوضع الداخلي وشبكة الأذرع الإقليمية، وصولاً إلى الإطاحة به.
وفي مقابل ذلك، يطفو إلى السطح أيضاً سيناريو إخماد الاحتجاجات وهو سيناريو يأتي مدعوماً بامتلاك النظام حتى اللحظة العناصر الكمية اللازمة لإخماد هذه الاحتجاجات عبر القوة العسكرية، فضلاً عن خبراته التاريخية في التعامل مع الاحتجاجات الداخلية، مع احتمالية العمل على إجراء بعض التغييرات الداخلية الرمزية سعياً لاحتواء الاحتجاجات، بما يُجنب النظام التداعيات التي قد تترتب على سيناريو تصاعد الاحتجاجات.
على مستوى آخر، وبعيداً عن تداعيات هذه الاحتجاجات على مستوى الداخل الإيراني ومستقبل النظام في طهران، فإنّ هذه الاحتجاجات تفرض ضغوطاً مركبة على النظام الإيراني على مستوى الاستمرار في دعم شبكة حلفائه الإقليميين وعلى رأسهم ميليشيا الحوثي في اليمن. فعلى المستوى الداخلي، تستنزف الاحتجاجات موارد أمنية واقتصادية وسياسية متصاعدة، ما يدفع صانع القرار الإيراني إلى إعادة ترتيب الأولويات بين تثبيت الجبهة الداخلية والحفاظ على أذرع النفوذ الخارجية. وفي هذا السياق، قد لا يتجه الدعم الإيراني للحوثيين إلى التراجع الكمي المباشر، بقدر ما يشهد تحولاً في طبيعته، من دعم واسع ومعلن نسبياً إلى دعم أكثر انتقائية وأقل كلفة، يركز على الخبرات النوعية ونقل التكنولوجيا العسكرية بدلاً من الانخراط اللوجستي المكثف. كما أنّ استمرار الاحتجاجات يضعف هامش المناورة الإيراني إقليمياً، ويجعل أي تصعيد عبر وكلائه، ومنهم الحوثيون، محفوفاً بمخاطر مضاعفة، على اعتبار أن هذا الملف بات أحد عوامل تأليب الرأي العام المحلي وزيادة العزلة الدولية.
إجمالاً يمكن القول، إنّ موجة الاحتجاجات الراهنة في إيران تحمل خصوصية كبيرة، خصوصاً وأنها انطلقت من منطقة البازار، وهي نفس النقطة التي انطلقت منها الاحتجاجات التي أطاحت بنظام الشاه وجاءت بالخميني في نهاية سبعينيات القرن، كذلك فإن تحول الاحتجاجات من المطالب الاقتصادية إلى المطالب السياسية والرفض للسلوك الإيراني الخارجي، كلها مؤشرات تشي إلى تحولات نوعية في طبيعة نظرة المجتمع الإيراني للمقاربة السياسية للنظام، فضلاً عن حضور العامل الخارجي، ممثلاً في دعم الولايات المتحدة وإسرائيل للاحتجاجات وسعيهما توظيف هذا السياق ضد النظام الإيراني، وهي كلها مؤشرات تهدد مستقبل هذا النظام ككل.