التحليلات

ما بعد الشراكة: حضرموت تكشف الوجه الآخر للدور السعودي

صورة مقتطعة لفيديو وثقه أحد أفراد القوات الجنوبية، قبل استشهاده، خلال قصف جوي سعودي على معسكر الخشعة يوم 2 يناير 2026

آخر تحديث في: 05-01-2026 الساعة 10 مساءً بتوقيت عدن

language-symbol

مركز سوث24 للأخبار والدراسات


مع مطلع العام 2026، تصدّرت حضرموت واجهة التطورات السياسية والعسكرية، مع انتقال المحافظة إلى مرحلة جديدة من التصعيد، عقب غزو عسكري قادته تشكيلات شمالية متعددة، تضم عناصر مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وبدعم جوي سعودي، ضد القوات الحكومية الجنوبية التي كانت قد بسطت سيطرتها، مطلع ديسمبر الماضي، على وادي وصحراء حضرموت ضمن عملية «المستقبل الواعد».


العملية، التي هدفت إلى استعادة الأمن، وقطع شبكات تهريب السلاح للحوثيين وتهريب النفط، وتفكيك البنى المرتبطة بتنظيم القاعدة والجماعات المتطرفة، مثّلت حينها تحولًا أمنيًا لافتًا بعد سنوات من ترسيخ هذه القوى نفوذها في تلك المناطق، وما ترتب عليه من تعطيل لمسار السلام في اليمن.


في سياق هذا التصعيد، اعتمدت السعودية مقاربة مركّبة، جمعت بين الأدوات العسكرية والتوظيف الرمزي لتوقيت العمليات، عبر اختيار يوم جمعة من شهر رجب الهجري، بما يحمله من دلالات دينية مؤثرة لدى الجماعات الدينية المشاركة في القتال. ورغم تقاطع التوقيت مع أحد الأشهر الحُرم، التي يُحظر فيها القتال شرعًا، جرى تجاوز هذا القيد عبر تعبئة دينية موجّهة، سبقتها عملية تمهيد فقهية - شبيهة بتلك التي حدثت في حرب عام 1994- تمثّلت في فتاوى صادرة عن مشايخ وجهات أكاديمية دينية داخل السعودية، وفّرت غطاءً شرعيًا لإعادة تأطير المعركة دينيًا، بما يخدم أهداف الرياض والشمال السياسية والعسكرية.


ولإضفاء طابع محلي على العمليات، جرى الدفع بمحافظ حضرموت المعيّن حديثًا، سالم الخنبشي، إلى واجهة المشهد الميداني، وتقديمه كقائد لقوات «درع الوطن» في المحافظة، رغم غياب الخلفية العسكرية لديه، ورغم أن هذه القوات لا تُدار وفق تقسيمات مناطقية. هذا الترتيب، الذي شكّل سابقة غير معهودة، عكس بُعدًا سياسيًا واضحًا، هدفه إعادة توصيف الصراع باعتباره مواجهة «حضرمية – جنوبية»، بدل توصيفه كصدام تقوده قوى شمالية برعاية سعودية ضد الجنوب.


وعلى الرغم من تقديم العملية، وفق البيان الرسمي، كتحرك «سلمي»، فإن المعطيات الميدانية سرعان ما ناقضت هذا الوصف، مع تنفيذ سبع غارات جوية سعودية في الدقائق الأولى، بالتوازي مع تقدم القوات على الأرض، وبلغت حتى يوم أمس الأحد نحو 300 غارة. هذا التباين بين الخطاب المعلن والسلوك العسكري الفعلي اعتبرته قيادات جنوبية شكلًا من أشكال التضليل، خصوصًا في ما يتصل بمحاولة تسويق العملية خارجيًا باعتبارها غير تصعيدية.


في ضوء هذه التطورات، تصاعدت ردود الفعل الجنوبية المستنكرة، حيث أصدر المجلس الانتقالي الجنوبي، يوم 2 يناير، بيانًا غير مسبوق في لهجته، وصف فيه ما يجري بأنه «عدوان سعودي وحرب عسكرية خطيرة». ويعكس هذا التوصيف تحوّلًا نوعيًا في مقاربة المجلس، وانتقاله من خطاب التهدئة والدعوة للحوار، الذي تبنّاه خلال الأسابيع السابقة، إلى خطاب أكثر حدّة، لا سيما بعد سقوط ضحايا مدنيين في وادي حضرموت، بما يشير إلى بلوغ العلاقة بين الانتقالي والرياض مستوى غير مسبوق من التوتر.


إعلانان يعيدان رسم المسار


في مساء اليوم ذاته، برز تصعيد سياسي موازٍ، تمثّل في إعلان سياسي ودستوري قدّمه رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي ونائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عيدروس الزبيدي، رسم من خلاله ملامح مسار استعادة «دولة الجنوب العربي»، محددًا مرحلة انتقالية بزمن واضح، وخطوات سياسية ودستورية معلنة.


ورغم أن سقف توقعات قطاعات واسعة من الشارع الجنوبي كان أعلى، خاصة في ظل الاعتصامات المفتوحة والتصعيد العسكري في حضرموت، فإن الإعلانين شكّلا مكسبًا رمزيًا مهمًا، عبّر عنه الشارع الجنوبي بمظاهر احتفالية، باعتبارهما نقلة سياسية محسوبة لا اندفاعية.


وضع الإعلان السياسي، عبر تحديد مرحلة انتقالية لمدة عامين، والدعوة إلى رعاية دولية لحوار شامل يفضي إلى استفتاء شعبي حول تقرير المصير، إطارًا عقلانيًا ومتوازنًا، فوّت الفرصة على الخطابات الوحدوية المتشنجة، وقدّم رؤية سياسية مدروسة، تستند إلى النفس الطويل، وتفتح المجال لإعادة تحريك ملف القضية الجنوبية، وتعزيز الشراكات في ملفات مكافحة الإرهاب وتأمين الممرات الملاحية الدولية.


كما حمل الإعلانان رسائل طمأنة للخارج، عبر التأكيد على الالتزام بالمواثيق الدولية، واعتماد مسارات تدريجية تستند إلى الإرادة الشعبية، دون فرض نتائج جاهزة، بما يعزّز شرعية أي حلول مستقبلية وفق القانون الدولي. غير أن هذا الانفتاح ظل مشروطًا، من جانب الانتقالي، بعدم القبول بأي مسار حواري في حال تعرّض الجنوب أو قواته لأي اعتداء.


دعوة الحوار… وقراءة في التوقيت


بعد ساعات من الإعلانين، برزت الدعوة السعودية لعقد حوار جنوبي–جنوبي، استجابة لما زعمه رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، بمطالبات من قوى جنوبية. وفي حين غاب أي موقف رسمي واضح من الرياض أو الحكومة بشأن إعلانيّ الانتقالي، فإن توقيت الدعوة يوحي بمحاولة احتواء تداعيات خطوات المجلس، وإعادة ترتيب المشهد الجنوبي ضمن مقاربة سياسية تُدار وفق التصور السعودي، وبما ينسجم مع توجهات القوى المناوئة للانتقالي.


في هذا السياق، رحّب الأمين العام لجامعة الدول العربية بالدعوة، كما أبدت عدة دول عربية تأييدها للمبادرة. بما فيها مصر التي ذكرت مرارا أن على تواصل مع جميع الأطراف بهدف خفض التصعيد. وعلى الرغم من شمول الدعوة للمجلس الانتقالي، فإنها بدت، في جانب منها، محاولة لتوزيع المسؤولية السياسية عن أي مخرجات محتملة، وإعادة هندسة التوازنات داخل مجلس القيادة الرئاسي، على نحو يذكّر بمشاورات الرياض عام 2022.


ومع ذلك، رحّب المجلس الانتقالي بالدعوة، معتبرًا إياها امتدادًا لنهجه القائم على الحوار، وهو الموقف الذي سبقه إليه عدد من القيادات الجنوبية، بينهم محافظ شبوة.


مشهد مفتوح على احتمالات خطرة


سبق هذه التطورات انسحاب القوات الجنوبية من مواقع حيوية في وادي وصحراء حضرموت والمهرة تحت القصف السعودي الشديد. وتسلّم قوات من «درع الوطن» بعضها جنوبية وبعضها ينضوي ضمن قوى دينية شمالية مدعومة من السعودية، في خطوة رأى فيها الانتقالي خيارًا أقل كلفة لتجنّب مزيد من التصعيد وسقوط المدنيين، خاصة في ظل كثافة الغارات السعودية، واستغلال الطبيعة الجغرافية المكشوفة لحضرموت، وتزامنا مع إعلان الإمارات العربية المتحدة المفاجئ بخروجها من المشهد الأمني والعسكري في اليمن، بما في ذلك ملف مكافحة الإرهاب.


من المهم الإشارة إلى أن تسريع الرياض دفع القوى اليمنية في الحكومة المعترف بها دوليًا نحو توقيع اتفاق مع الحوثيين يُعد إحدى أولوياتها في المرحلة الراهنة. غير أن خطوات المجلس الانتقالي الجنوبي بدت كعامل مُربك للمشهدين العسكري والسياسي بالنسبة للمملكة، التي ذهبت بخطوات منفردة للتقارب مع الحوثيين. إذ كان من المقرر التوقيع على ما يُعرف بـ«خارطة الطريق» أواخر عام 2023، قبل أن يؤدي اندلاع الحرب في غزة إلى تجميد العملية مؤقتًا.


وتعقّد المشهد بصورة أكبر مع غياب اطّلاع القوى السياسية المعنية داخل الحكومة المعترف بها على مضمون خارطة الطريق التي تتفاوض بشأنها السعودية وسلطنة عُمان مع الحوثيين بصورة منفردة، وبرعاية الأمم المتحدة. هذا الغموض دفع المجلس الانتقالي الجنوبي إلى إبداء تحفّظات واضحة، تُوّجت بتجديد دعوته، في نوفمبر الماضي، إلى إطلاق عملية سياسية جديدة وأكثر واقعية، انطلاقًا من قناعته بأن الخارطة الأممية لم تعد منسجمة مع التحولات الجارية على الأرض.


وفي المحصلة، فإن تجاهل المعطيات الميدانية، وتهميش المطالب الشعبية الجنوبية، والدفع بالمشهد نحو تصعيد تقوده قوى شمالية، ينذر بتداعيات خطيرة على أمن واستقرار المنطقة، لا سيما أمن الملاحة في بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر، خصوصًا مع تسليم مناطق استراتيجية لقوى مرتبطة بجماعات مصنّفة إرهابية، وإنهاء جهود مكافحة الإرهاب في حضرموت، ونهب آلاف من القطع والمعدات العسكرية والتقنية من قبل مسلحي مأرب والجوف، بعضهم على صلات بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب.


وعلى الرغم من غياب مبررات منطقية أو أخلاقية واضحة للتصعيد السعودي ضد القوات الجنوبية في حضرموت، فإن معطيات الأسبوع الماضي تكشف توجّهًا سعوديًا لفرض قدر أكبر من الهيمنة على الملف اليمني عمومًا، وعلى حضرموت والمهرة على وجه الخصوص. ويأتي ذلك عبر توظيف التناقضات المحلية وإعادة ترتيبها بما يخدم الطموحات الجيوسياسية للمملكة في الإقليم. غير أن هذا المسار يصطدم، في المقابل، بإرث إداري وأمني قادته لسنوات ما يُعرف بـ«اللجنة الخاصة»، وأثبت محدودية قدرته على إنتاج نموذج مستقر وقابل للبناء، أو تقديم مؤشرات جدية تبرر الرهان على المقاربات السعودية المعلنة تجاه الجنوب.


وعليه، تبرز الحاجة الملحّة أمام القوى الوطنية الجنوبية لتعزيز حوارها الداخلي، وصياغة مقاربة توافقية تحمي مصالح الجنوبيين وأرضهم، بعيدًا عن أي إملاءات خارجية، مستفيدة من دروس محطات كثيرة من الإخفاق، وآخرها ما يحصل في حضرموت من مشاهد لا يمكن محوها من الذاكرة الجمعية، وواضعة نصب عينيها تأمين الجغرافيا الجنوبية ومحيطها البحري كأولوية استراتيجية، باعتبارها الركيزة الأساسية لأي استقرار سياسي وأمني مستدام. ولن يتأتى ذلك إلا من خلال تعزيز وتقوية بنيان المؤسسة الأمنية والعسكرية الجنوبية بهوية وطنية واحدة.


إياد قاسم

رئيس مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا