شخصيات جنوبية خلال مشاركتها في ورشة عمل حول جنوب اليمن، نظمها مركز الخليج للأبحاث في الرياض، 16 فبراير 2026 (منصة X)
آخر تحديث في: 17-02-2026 الساعة 2 مساءً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | فريدة أحمد
أسهم التدخل السعودي العسكري مطلع يناير 2026 في شرق جنوب اليمن، وما شمله من استهداف للقوات الجنوبية وإخراجها من محافظتي حضرموت والمهرة، في إعادة تشكيل المشهد السياسي للمعسكر المناهض للحوثيين. تمثّل هذا التحول في إقصاء قادة مؤثرين على الساحة الجنوبية واليمنية بشكل عام، وعلى رأسهم رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي ونائب رئيس المجلس الرئاسي عيدروس الزبيدي، واستبدالهم بشخصيات ذات حضور وتأثير أقل، فضلا عن محاولة حلّ المجلس الانتقالي بضغط سعودي. ومع ذلك، اصطدم هذا التغيير بمقاومة شعبية واسعة من الشارع الجنوبي الرافض للتدخلات الخارجية. وجاء تشكيل الحكومة الجديدة لاحقاً ليؤكد تثبيت هذه التحولات على مستوى المؤسسات، مع استمرار الاحتكاك بين الشارع والقوى المحلية الأخرى المدعومة من السعودية، وهو ما يعكس واقعاً سياسياً وأمنياً صعباً في ظل محاولة فرض تغييرات متلاحقة.
وقبل ذلك، سارعت السعودية إلى تبني ورعاية مبادرة الحوار الجنوبي، التي قدّمها العليمي، ما يعكس رغبة السعودية بالسيطرة الكاملة على الملف الجنوبي، ومنع أي جهة أخرى، سواء إقليمية أو دولية، من التدخل في هذا الملف بما يضمن أن يظل مسار الأزمة الجنوبية وقضيتها في إطار نفوذ السعودية المباشر. وكان لعبارات مثل "نحن رعاة ولن نفرض عليكم شيئاً، ارفعوا سقفكم إلى السماء"، أن تحفّز بعض السياسيين والإعلاميين الجنوبيين لأن يحجّوا إلى الرياض خلال شهري يناير وفبراير، بهدف المشاركة في التهيئة للحوار الجنوبي ضمن إطار بدا طوعياً في ظاهره، وفي نفس الوقت يعزز من الحضور السعودي في الداخل الجنوبي، بعد الفراغ الذي تركته دولة الإمارات.
خلال الفترة الأخيرة، سعت الرياض إلى تصدير خطابين متناقضين، الأول داعم للحوار ويعد باحترام تطلعات الجنوبيين - في محاولة لعدم استفزاز الشارع الجنوبي المؤيد لفكرة "الاستقلال" -، ويتعامل بحذر في مقاربة المملكة الرمزية والسياسية لهذا الملف، إلا أنّها بنفس الوقت تبنت مواقف علنية أخرى دعت لـ "ضرورة مواجهة أي محاولات تهدف لتقسيم اليمن". وفي حال تم التعامل مع الوعود المقطوعة من قبل وزير الدفاع السعودي للوفد الجنوبي، بحسن ظن، إلا أنّ الوقائع الميدانية تشير إلى مسار مختلف؛ إذ تتزامن هذه المقاربة مع ترتيبات أمنية تعيد تشكيل الخريطة العسكرية في الجنوب، عبر إعادة توزيع قوات شمالية في مناطق جنوبية حساسة، مثل نشر قوات ما تُعرف بـ "الطوارئ اليمنية" في حضرموت مؤخراً، إلى جانب تحركات لها في أجزاء من شبوة، بحسب ما أوردته وسائل الإعلام الرسمية.
هذا التحول لا يمكن فصله عن الزخم الاحتجاجي المتصاعد في تلك المحافظات. فمع إعادة الانتشار، سُجلت حالات قمع مكثّفة ضد المتظاهرين، وصلت في بعض الوقائع إلى حد القتل المباشر من قبل قوات محلية. وهو تطور خطير يطرح أسئلة جدية حول طبيعة المرحلة المقبلة، لا سيما أنه يمثل تجاوزاً واضحاً لحق التظاهر السلمي الذي تقره الأعراف والقوانين الدولية.
لا ملامح لحوار
على الرغم من الخطاب الإيجابي الذي يروّج للحوار الجنوبي كمدخل للحل، إلا أن هذا المسار ما يزال يفتقر إلى معالم واضحة أو إطار إجرائي محدد. حتى اللحظة، لم يقدّم رعاة الحوار تصوراً مفصلاً يبدد مخاوف الشارع الجنوبي أو يمنحه أسباباً موضوعية للتفاؤل. ما زالت طبيعة الحوار، وتوقيته وأجندته وضماناته غائبة، وهو أمر يفتح المجال أمام الشكوك الشعبية. وتتعزز قناعة لدى قطاع واسع من الجنوبيين بأن الدعوة إلى الحوار قد تتحول إلى أداة لإعادة تعريف قضيتهم واحتوائها، لا إلى منصة عادلة لمعالجتها. وتولّد هذا الشعور مسبقاً عقب "إعلان" حل المجلس الانتقالي الجنوبي من الرياض، الذي يُنظر إليه من قبل شريحة كبيرة كأبرز حامل سياسي للقضية الجنوبية وصوتاً معبّراً عن تطلعاتها.
المفارقة التي تثير الاستياء تكمن في التناقض بين الدعوة إلى إشراك "جميع الجنوبيين" في حوار حول مستقبل قضيتهم، وبين اتخاذ خطوات تقود عملياً إلى إزاحة الكيان السياسي الأكثر حضوراً في الشارع الجنوبي. فكيف يمكن بناء عملية حوار جامعة في ظل إقصاء طرف يتمتع بقاعدة شعبية معتبرة؟ هذا التناقض لا يضعف فقط مصداقية العملية السياسية، بل يهدد بتحويل الحوار من فرصة توافق جنوبي، إلى إعادة إنتاج الإقصاء تحت مسمى التوافق. لذا، تصبح هذه التفاصيل مصدر قلق لدى الشارع الجنوبي الذي يناضل لأكثر من 32 سنة، ويتعامل مع أي مسار سياسي بقدر عالٍ من الحساسية تجاه نوايا الاحتواء أو الالتفاف على مطالبه.
يمكن القول، إنّ التوقيع مع الحوثيين على خارطة الطريق التي صاغها هانز غروندبرغ وبرعاية السعودية وسلطنة عمان، شكّل خلال العامين الماضيين، حاجة ملحّة للرياض. فحسب تصريحات سابقة لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، وما سبقها من تفاهمات مع إيران، أوحت بأنّ المملكة تسعى إلى تثبيت مسار تهدئة طويل الأمد يخفف أعباء الصراع ويعيد ترتيب أولوياتها الإقليمية. ورغم أنّ المبعوث الأممي كان قد أكد أن تلك الخارطة لم تعد صالحة للتطبيق بصيغتها السابقة، إلا أن التطورات العسكرية والسياسية التي تلت التصريح تفتح الباب أمام احتمالات متعددة: إما إعادة استئناف مسار الخارطة كما هي مع استثناء قضية الجنوب، أو تعديل بنودها بما يتلاءم مع التحولات الراهنة. وهنا يبرز تساؤل رئيسي، حول موقع المخرجات المتوقعة من الحوار الجنوبي-الجنوبي: فيما إذا كانت ستُدمج ضمن إطار العملية، أم ستُترك لتسير في مسار موازٍ وربما مستقل. تزداد أهمية هذا التساؤل بالنظر إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي كان قد أصرّ سابقاً على أن تحظى قضية الجنوب بإطار تفاوضي خاص داخل أي عملية سياسية، لا أن تُذاب ضمن ملفات الصراع الأخرى.
لا يبدو أنّ إشكالية الرياض تكمن في مضمون المطالب الجنوبية بقدر ما تتعلق بتوقيتها. فإدراج مخرجات الحوار الجنوبي المرتقب في صلب التفاهمات مع الحوثيين في هذه المرحلة الحساسة؛ قد يوفر للجماعة الدينية ذريعة لتعطيل التوقيع أو الامتناع عن الانخراط في العملية السياسية من أساسها. لذلك يُرجّح أن تبقى مخرجات الحوار الجنوبي ضمن سقف محسوب، أدنى مما يُروّج له، خصوصاً إذا جرى ربطها بإطار التسوية الشاملة لا التعامل معها كمسار مستقل.
علاوةً على ذلك فإن قدرة الانتقالي على إعادة تنظيم صفوفه وامتصاص الصدمة وبالتزامن مع أي إجراءات تتجاوز حجمه وثقله السياسي والشعبي، قد تحوّله إلى عامل تعطيل لأي مخرجات حوار لا تحظى بقبول واسع، باعتباره طرفاً مؤثراً خارج إطار العملية. وفي هذه الحالة لن تقتصر الإشكالية على إقصاء فاعل رئيسي، بل ستمتد إلى تهديد قابلية التسوية ذاتها للتنفيذ، لأن وجود قوة مؤثرة مُستثناة يضعف فرص تثبيت أي توافق على الأرض.
ثلاث مسارات لتجاوز التحديات
سيتعين على الرياض والحكومة الجديدة المعترف بها، وعلى وجه الخصوص الأطراف الجنوبية فيها، في المرحلة المقبلة، التحرك عبر ثلاث مسارات متوازية لتجاوز التحديات القائمة في جنوب اليمن. أولاً المسار السياسي، ويبرز هذا المسار من خلال هدفين رئيسيين: الأول، أهمية كسب الشارع وفهمه وعدم التفكير نيابةً عنه. فالمطلوب هو مقاربة أوسع تستوعب مزاجه العام، واحتياجاته، وأولوياته، لا الاكتفاء بطمأنة النخب السياسية والإعلامية وكسب ولاءها فقط. فالشارع يتحرك بدوافعه الذاتية، وأي سياسة لا تنطلق من قراءة حقيقية له ستبقى محدودة الأثر. أما الهدف الثاني، فيتمثل في العمل على توحيد الموقف الجنوبي وتهيئة بيئة حوار مفتوحة من دون شروط مسبقة، انسجاماً مع الوعود المعلنة، وبما يسمح بخلق حد أدنى من الثقة قبل الدخول في أي ترتيبات سياسية لاحقة، لضمان أكبر قدر من المشاركة، ويشمل ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي. وقبل ذلك يجب أن يتم العمل على معالجة تبعات القصف الجوي الذي استهدف القوات الجنوبية وبعض المدنيين والكشف عن مصير أي مفقودين.
أما المسار الثاني فيتعلق بالأمني والعسكري، ويستند إلى ضرورة الاعتماد على القوات الجنوبية العسكرية والأمنية، التي أثبتت قدرتها على حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب وضبط الاستقرار دون المساس بالحقوق المدنية، بما في ذلك التحركات الاحتجاجية السلمية وأهمية حمايتها والتعامل معها بما يتوافق مع الأعراف والمعايير الدولية. كما يشمل هذا المسار الامتناع عن نشر قوات شمالية في محافظات الجنوب، تجنباً لإثارة الاحتقان الشعبي وتصعيد التوترات الميدانية، خاصة وأنّ العقيدة العسكرية لهذه القوات تنظر إلى المطالبات الجنوبية المناهضة للوحدة كخيانة وطنية.
أما المسار الاقتصادي والخدمي، فسيعتمد على تحقيق تحسن ملموس ومستدام في الخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة، بالإضافة لرواتب الموظفين. فعلى الرغم من الأثر الإيجابي النسبي لتحسن الكهرباء في عدن ومناطق أخرى، فإنّ التحدي الأكبر سيظهر مع حلول فصل الصيف، حيث يُعد هذا الفصل اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على إدارة أزمة الكهرباء الذي أخفقت فيه خلال السنوات السابقة. إضافة إلى الاختبار الذي ستواجهه الحكومة في قدرتها على ضبط أسعار السلع التموينية في ظل سياستها النقدية التي تعتمد على تعزيز قيمة الريال أمام العملات الأجنبية التي انخفض سعر صرفها أمام الريال إلى قرابة النصف في ظل بقاء أسعار السلع مرتفعة بنفس سعر الصرف السابق منذ شهور، وفقاً لبيان الصرافين الجنوبيين. الأمر الذي سبب أعباء كبيرة على المواطنين خاصة الذين يعتمدون في معيشتهم من التحويلات الخارجية، إذ أدت السياسة النقدية دون ضوابط في السوق إلى انكماش حاد في عائدات ومدخرات المواطنين.
أخيراً، يشكل تحقيق التوازن بين هذه المسارات الثلاثة، ترمومتراً دقيقاً لسياسات الرياض، فمن خلاله يمكن قياس مدى واقعيتها ومرونتها وفرص نجاحها، ويقلل من فرص الفشل أو التوترات المتصاعدة. كما يحافظ على مصداقية العملية السياسية المقرونة بالحوار الجنوبي، ويحد من أي محاولات لإقصاء الفاعلين الرئيسيين. في المحصّلة، تبقى القدرة على التكيف مع التطورات الميدانية والمتغيرات الشعبية حجر الزاوية لنجاح أي استراتيجية مستقبلية في الجنوب.
فريدة أحمد
المديرة التنفيذية لمركز سوث24 للأخبار والدراسات