مركز سوث24
آخر تحديث في: 30-08-2025 الساعة 2 مساءً بتوقيت عدن
|
في ظلّ تحولات إقليمية عاصفة وتحديات متشابكة تعصف بالشرق الأوسط، تتجدد التساؤلات الموسمية حول بنية وأدوار جامعة الدول العربية، ومدى قدرتها على لعب دور مؤسسي فعّال في إدارة الصراعات والأزمات المتفاقمة. ويأتي هذا الجدل اليوم أكثر إلحاحاً مع اقتراب نهاية ولاية الأمين العام الحالي وتصاعد الدعوات لإصلاح شامل يمس جوهر الهوية والفاعلية المؤسسية للجامعة.
مركز سوث24 | إيمان زهران
ثمة "تساؤلات موسمية" تحيط بسياق وهيكل ومنظومة جامعة الدول العربية، وطبيعة الدور والفاعلية، وكذلك حجم "التأثير المؤسسي" إقليمياً ودولياً بمختلف الملفات المتشابكة، وذات الارتدادات المتشعبة على كافة المستويات السياسية والأمنية بالشرق الأوسط، فضلاً عن ظهور عدد من الأطراف الخليجية ومطالبتهم بتداول منصب الأمين العام للجامعة العربية.
هذا، وبالنظر لكون الإقليم العربي يُعد واحداً من أبرز الأقاليم الفرعية التي تفتقر إلى الأدوات الدبلوماسية الناجعة والهيئات المُفعلة متعددة الأطراف لمنع أو إدارة الصراعات القائمة والمُحتملة، وإقرار إلزامية التكليفات المتعلقة بالتنسيقات الأمنية بالإقليم. ظهرت العديد من الاتجاهات الساعية لنشأة "هياكل مؤقتة" تتسم بمحدودية التوجه والأثر، حيث تقترن بحدث ما وتنتهى بانتهائه، مثل حالة الإبادة الجماعية والانتهاك الإنساني من جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، بالإضافة إلى الترتيبات الأمنية بالدول المأزومة بالمنطقة مثل: (اليمن، سوريا، لبنان، العراق).
تاريخياً، مرت منطقة الشرق الأوسط بسلسة متصلة من الإخفاقات الدبلوماسية في حسم الصراعات سواء على المستوى الداخلي الوطني أو على المستوى الإقليمي جراء هشاشة مؤسساتها التنظيمية - وفي مقدمتها جامعة الدول العربية- والاضطراب النوعي للعلاقات بين فواعلها، وذلك مقارنة بالأقاليم الفرعية الأخرى بالنظام الدولي والتي نجحت في بناء هياكل مؤسساتية شاملة نوعاً ما لسهولة التواصل، وخلق تسويات توافقية بين الدول والكيانات، وذلك إبان الحرب الباردة وحتى النصف الثاني من القرن العشرين.
وتزامناً مع اقتراب نهاية الولاية الثانية للأمين العام الحالي لجامعة الدول العربية/ أحمد أبو الغيط في سبتمبر المقبل، تصاعد "الجدل الموسمي" حول هيكلة إصلاحية شاملة تتوافق مع الرهانات المحيطة بالأداء المؤسسي لجامعة الدول العربية لاختبارات "حالة الصراع" بالدول المأزومة بالإقليم، بل غالى البعض بالمطالبة بتحلل الجامعة العربية من الوصاية المصرية ورفض آخرون لما الاصطلاح عليه بـ "تمصير الجامعة" نسبة إلى تبعيتها لمصر سواء بمقر الجامعة أو جنسية الأمين العام.
عطفاً على ما سبق، وبالنظر إلى تنامي المؤشرات الكمية والكيفية لهشاشة دول الإقليم، ووفقاً لما انتهت إليه منهاجية "نظام تقييم الصراعات -CAST"[1]. فثمة توافق حول اتساع الفجوة الأمنية بالإقليم العربي مقابل انحسار فاعلية الدور المؤسسي لجامعة الدول العربية في إدارة تصدع الدول المأزومة وارتداد ذلك على تعثر جهود التسوية للأزمات المتصاعدة خاصة فيما بعد أحداث 7 أكتوبر 2023. على نحو ما يؤسس لعدد من التساؤلات حول معوقات الأمن الإقليمي، واختبارات الدور للجامعة العربية، ورهانات المستقبل. وذلك على النحو المبين بالنقاط التالية:
أولاً - جدلية الأمن الإقليمي
برز مفهوم "الأمن الإقليمي" في مرحلة ما بين الحربين العالميتين ليُعبر عن الإطار الجيوسياسي للتفاعلات المتشابكة سياسياً واقتصادياً وأمنياً بين الدول المتجاورة إقليمياً ذو الطبيعة التكاملية على المستوى الثقافي، ومستوى الهوية الإقليمية.
ومن الناحية النظرية، فوفقاً إلى فرضية "البناء الأمني" التي أشار إليها مُركب كوبنهاجن بـ"الأمن القطاعي" وعبر عنها كل من باري بوزان وأولي ويفر في كتابهما "الأقاليم والقوى: هيكل الأمن الدولي"، الصادر عام 2003، نجد أن ثمة تحول في مضمون المفاهيم التقليدية لقضية الأمن في العلاقات الدولية، إذ تنتقل من المستوى الوطني إلى المستوى الإقليمي، كما يتم التركيز علي التفاعلات الأمنية التي تهدد وتخترق الحدود الوطنية، ويجري تحديد الاستقرار الأمني القومي وفقاً لما يحدث في المنطقة الإقليمية التي تحيط بالدولة"[2].
ومع تنامى حدة التفاعلات الإضطرابية خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر، على كافة المستويات بإقليم الشرق الأوسط، فأصبح هناك الحاجة لما يُعرف بـ"معادلة نظامية" تتسق مع فرضية أن هناك مجموعة من الدول يرتبط تحقيق أمنها بباقي الدول الأخرى بالإقليم، وذلك في إطار المحددات التالية:
1. المستوى الداخلي لدول الإقليم بما يشمله من صراعات داخلية، ودرجة الاستقرار السياسي، ومستوى الحداثة، وحالة الأقليات، والتحديات الأمنية، والوضع الاقتصادي.
2. طبيعة العلاقات بين دول الإقليم، إما تعاونية أو صراعية، فعلى سبيل المثال: قد تطرأ مشاكل حدودية، أمن الطاقة، أمن مائي، تجاذبات جيوسياسية، نزاع أقليات.
3. العلاقات بين الإقليم والأقاليم المجاورة له: خاصة القوى الصاعدة والمتاخمة لحدوده.
4. التغير في طبیعة وكثافة اختراق القوة العالمية لمحددات الأمن الإقليمي، بالإضافة إلى تنامي عدد من التوجهات السياسية والتي تؤسس إلى فرضية تقسيم العالم إلى منطقتين: منطقة سلام "zone of peace"، ومنطقة نزاع "zone of conflict"[3].
5. حجم التغیر في طبیعة الأجندة الأمنیة لدول المنطقة، إذ أصبحت تتضمن قضایا نوعية غير تقليدية، وفواعل غیر عسكریة، وآخرون من دون الدول.
ثانياً - تحولات الإقليم
تحتل منطقة الشرق الأوسط صدارة أقاليم العالم في كثافة الصراعات المسلحة في العالم، إذ ينطوي الإقليم ومحيطه الجغرافي على 8 من بين أكثر 10 صراعات حدة على مستوى العالم، في: الأراضي الفلسطينية المحتلة، سوريا، ولبنان، والعراق، واليمن، والسودان، وليبيا، وفي محيطه الإفريقي في جنوب السودان، والصومال. وتحيط بهذه البؤر الصراعية دوائر مضطربة تضم صراعات متوسطة الحدة، كالصراع الأهلي في ليبيا، وصراعات أخرى أكثر حدة، مثل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وما لحق بعمليتي "طوفان الأقصى" و"السيوف الحديدية" من سيناريوهات اتساع الجبهات الصراعية في لبنان وسوريا واليمن عبر البحر الأحمر، بالإضافة إلى التوترات دون مستوى الصراع في مناطق متفرقة من الإقليم. وعليه، فثمة معايير يتم رصدها لتسكين دول الأزمات على خريطة التحولات الصراعية بالشرق الأوسط، أبرزها:
1- الانتقال للمراكز الحضرية: أنهت الصراعات القائمة "استراتيجية الأطراف"، وأصبحت "حرب المدن" و"المراكز الحضرية" ساحات للصراعات المسلحة في الإقليم. فعلى سبيل المثال: اتسمت الهجمات الإسرائيلية فيما بعد 7 أكتوبر2023 على استهداف المدن ذات الكثافة السكانية، بالإضافة إلى البنى التحتية والمقرات الحيوية بقطاع غزة. كذلك إبان الحرب الاهلية في سوريا والتي اعتمدت ميدانياً على استراتيجية "حرب المدن"، مثل: حالة إدلب.
2- تزايد النزوح الداخلي: تُعد الصراعات المسلحة والحروب الأهلية أحد أبرز مسببات النزوح الداخلي، ويلى ذلك التهديدات النوعية غير التقليدية مثل الكوارث الطبيعية والندرة المائية وتغيرات المناخ. وعليه، تم إدراج منطقة الشرق الأوسط في العديد من تقارير الهجرة الدولية بالمركز الثاني على مستوى العالم من حيث أعلى تركيز للنازحين داخلياً بعد منطقة إفريقيا جنوب الصحراء. فعلى سبيل المثال: تشير تقديراتنا حول إقرار "الكابينت" لخطة نتنياهو بشأن توسيع العمليات العسكرية في غزة وفرض السيطرة الكاملة على القطاع، لتنامي موجات النزوح القسري لعشرات الآلاف من الفلسطينيين من مناطق القتال الجديدة خاصة منطقة الجنوب، ما يعني عملياً إعادة إنتاج لموجات نزوح جماعي في ظروف إنسانية أسوأ، مما يزيد من تعقيدات العمليات الإغاثية والترتيبات السياسية لليوم التالي في غزة، وكذلك بالنظر لحالة النازحين في سوريا منذ 2011 وحتى الآن منذ الحرب الأهلية ولما بعد السيطرة السياسية لهيئة تحرير الشام. إذ تُعد أكبر حالة نزوح قسري في العالم بعد الحالة السودانية[4].
3- انتشار "حروب الحصار": أحد أبرز التكتيكات العسكرية التقليدية، والمتعارف عليها تاريخياً منذ العصور القديمة، وتُعرف بــ "إحاطة حامية أو منطقة مأهولة بالسكان بهدف إخراج قوات العدو من خلال تدهور دفاعاتها وعزلها عن التعزيزات والإمدادات الحيوية". إلا أنه بالعصر الحديث تم تجريمها بموجب القانون الدولي الإنساني ونصوص اتفاقية جنيف الرابعة، خاصة مع استخدام ذلك النمط كـ "سلاح حرب" لإخضاع الخصم عبر استهداف المدنيين والمقايضة بسياسات التجويع واستهداف المساعدات الإنسانية. فعلى سبيل المثال: حصار جيش الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، كذلك محاصرة القوات العراقية المدعومة بفصائل الحشد الشعبي الشيعية والولايات المتحدة الأمريكية للمدن التي يسيطر عليها تنظيم داعش لتحرير الموصل. وفي ليبيا تم تحرير مدينة سرت من قبضة تنظيم داعش بعد حصار تخللته مواجهات عسكرية كثيفة داخل المدينة.
4- تهديدات تفكك التنظيمات المسلحة: عادة ما يُنهي تفكك وانهيار التنظيمات المسلحة تهديداتها للأمن الداخلي، غير أنه يترتب على ذلك انتشار لنمط عملياتي أكثر دموية في مناطق متفرقة من الدولة بعيداً عن مناطق التمركز التقليدية للتنظيمات المسلحة. فعلى سبيل المثال: على الرغم من نجاح قوات التحالف الدولي في إفقاد تنظيم داعش جانباً كبيراً من الأقاليم التي يسيطر عليها في سوريا والعراق، إلا أن عمليات التنظيم لا تزال تشكل تهديداً للأمن في سوريا والعراق ودول الجوار، فضلاً عن ظهور العديد من الفرضيات والسيناريوهات الخاصة بمستقبل التنظيمات المسلحة والإرهابية بعد سقوط نظام بشار الأسد وتولى هيئة تحرير الشام (أحمد الشرع) عملية الانتقال السياسي. حيث، السيناريو الأول "الحشد والمواجهة": يُبنى على عدد من المحددات، إحداهما متمثل فى عرقلة الانتقال السياسي وإعادة البناء المؤسسي، إعادة تنظيم صفوف داعش ورهانات تصاعد الهجمات المسلحة في سوريا. فوفقاً لبيانات المرصد السوري سجل معدل هجمات داعش عام 2024 ثلاث أضعاف ما كان عليه خلال عام 2023. بينما الأخر فيتمثل فى المرونة الميدانية واعتماد "نمط التخادم" بما يخدم أجندة التنظيم نحو إعادة التمدد والانتشار وإعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية بالساحة السورية. كأن يتم توظيف التنظيم ميدانياً لتطويق التحركات التركية في الشمال وشمال شرق سوريا. بينما السيناريو الثاني "التراجع واختبار البدائل": ويرجح ذلك السيناريو عدد من الفرضيات أبرزها، دعم الانتقال السياسي لحكومة الشرع، ومحاولة تجنب تنظيم داعش للمعارك الخاسرة استناداً إلى دعم القوى الدولية لإنجاح نموذج سوريا الجديدة، ومحاولة استنساخه بأغلب دول الإقليم (نموذج الإسلام السياسي وقابليته للتخادم).
ثالثاً – اختبارات الدور للجامعة العربية
لاشك أنّ هناك العديد من التغيرات الجيوسياسية قد لحقت بالبيئة الإقليمية للشرق الأوسط، وذلك اتساقاً مع التغير في بيئة النظام العالمي ككل، ومحاولات القوى الدولية لإعادة هيكلة الإقليم عبر بناء نموذج جديد قائم على إعادة إنتاج خرائط النفوذ، علاقات السوق، المبادلات التجارية، وكذلك تهميش الأفكار الخاصة بالقومية والهوية العربية. وهو ما انعكس على حجم الدور للجامعة العربية ومعيار الثقل الحالي، وذلك استناداً إلى اختبارات النقاط التالية:
1. التغير بسياقات النشأة: فثمة أهداف ودوافع جديدة فرضتها تعقيدات وتشابك جيوسياسية التفاعلات القائمة، وبناء عليه، أصبح هناك الحاجة لتعزيز أطر العمل العربي المشترك بمختلف المجالات الحيوية، ومنها الحفاظ على الهيكل المؤسسي للجامعة ممثلاً لهوية الاقليم، خلافاً لما كان متعارف عليه إبان الحقبة الاستعمارية التقليدية، والتوجهات العربية المتناقضة فيما بعد التحرر والاستقلال، والتي انتهت إلى هيكلة مسارين متنافسين بالرؤية العربية والأهداف الجيوسياسية، حيث:
المسار الأول: تبنى ذلك المسار الحركات القومية والتي أعلنت رفضها لكافة المخلفات الاستعمارية خاصة ما يتعلق بملف "تعيين الحدود ومناطق النفوذ مثل اتفاقية سايكس بيكو 1916"، إذ تضمنت أجنداتهم تجاوز التقسيم الاستعماري واستعادة نمط "وحدة المنطقة العربية".
المسار الثاني: تمثل في أجندة الدول المستقلة والقوى الجديدة الناشئة، والتي كانت تسعى للتأكيد على الهوية الوطنية/ أو البصمة المحلية.
2. التحولات النوعية بالإقليم: هناك العديد من الاستنتاجات التي تحيط بتلك الفرضية وذلك بالنظر إلى المحددات التالية:
- أجندات إقليمية: تجاوزت الجامعة العربية حالة الخلافات العربية -العربية وارتداداتها. إذ أضفت التدخلات الإقليمية (إسرائيل، تركيا، إيران) المزيد من الأعباء والتحديات على حجم التأثير والفاعلية. خاصة مع سعي تلك الأطراف الصاعدة لخلق مؤسسات إندماجية إقليمية مُحدثة بديلة عن المؤسسات والكيانات العربية. فعلى سبيل المثال: تنامي مشروعات التعاون والاندماج الإقليمي في المجالات الأمنية. كذلك الحديث عن الخيارات الإقليمية في مواجهة الخيارات العربية، كالاتجاه نحو "السلام الاقتصادي" بديلاً عن "السلام السياسي"، .. وهكذا.
- تراجع الفاعلية: ثمة عدد من العوامل ساهمت في محدودية القرارات الصادرة عن الجامعة العربية، أبرزها: نمطية القرارات وبيانات الإدانة، وتضارب المصالح والأجندات الوطنية حتى داخل الكتلة الأكثر تماسكاً نوعاً ما (الكتلة الخليجية). كذلك الخلافات العربية -العربية والتي بدأت تطفو على السطح مع أزمة قطر والتحالف الرباعي، وما تلاها من خلافات عربية-عربية في إطار ثنائي أو متعدد وفقاً لما تفرضه الأجندات الخاصة، والتي قد تتعارض مع طبيعة الأحداث أو إدارة الملفات المطروحة للتداول.
3. الهشاشة المؤسساتية: وهو ما ساهم بتعثر الهدف الرئيسي والمتمثل في "التكامل العربي". إذ أثبتت التجارب المختلفة منذ النشأة مدى ضعف معايير القوة المؤسسية من حيث التكييف، والتماسك، والتعقيد، والاستقلالية. إذ تُعد جميعها من ضمن العوامل المحفزة "للجدال الموسمي" بشأن مستقبل الجامعة العربية، جنباً إلى جنب، مع غياب الإرادة السياسية في إقرار إصلاحات جدية للبنية التنظيمية للجامعة بما يتناسب مع حجم التحديات الاستراتيجية العربية، والتصدي لحالة التشتت العربي، وتعيين أنماط حيوية وفاعلة للاستجابة، وتأمين وسائل نافذة للدفاع عن مهددات الأمن الاقليمي العربي. وهو ما يتطلب معه معالجة عده أمور:
- أزمة الشرعية: تبنى على فرضية "درجة قبول النظام السياسي"، قياساً على التساؤل الدائم "ماهي درجة قبول المجتمع للسلطة القائمة ؟!". فعلى سبيل المثال: رسخت العديد من الدول المأزومة بالإقليم العربي لفرضية غياب مفهوم الدولة الوطنية والمؤسسات المستقلة لصالح مفهوم العصبيات وشبكات المصالح وتكتلات النخب الحاكمة وما يعنيه ذلك أيضا من ضعف الشعور بالمصالح الوطنية. وكذلك انعدام الثقة بين هذه الفئات الحاكمة في مختلف البلدان.
- أزمة الأقلمة أو التهميش: حيث مغالاة البعض والمناداة بالأقلمة مقابل المركزية؛ والذي من شأنه أن يعمق أزمات الداخل كتحدي أمام دور الجامعة العربية. ونجد أن إشكالية التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي دائماً ما تكون مصاحبة للدعوات النافذة نحو الأقلمة باجتزاء إقليم عن المركز، فعلى سبيل المثال: واجهت الجامعة العربية تحدياً بالعراق والتي تُعد من أكثر الدول ذات التهميش الطائفي لبعض عناصرها. فعلى سبيل المثال: طرح رئيس مجلس النواب العراقي سليم الجبوري "آنذاك" فكرة إقامة إقليم (سني) في العراق، وأعلن تبنيه لهذه الفكرة بالتزامن احتدام العنف والعنف المضاد والعمليات العسكرية في أكثر من ثلث مساحة العراق[5].
- التدخلات الدولية: تُفند تلك النقطة إيماءًا إلى ما يلي، الأول: إعادة تموضع فواعل تقليدية أو صاعدة بالنسق الدولي بخريطة الشرق الأوسط، واختطاف دور الجامعة العربية بملف التسويات السياسية لأزمات الإقليم، وطرح مبادرات وخطط شاملة لإنهاء الصراعات. فعلى سبيل المثال: طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إبان الولاية الأولى "صفقة القرن" للخروج من مأزق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وكذلك المبادرات النوعية للمهادنة السياسية والأمنية في إقليم البحر الأحمر. ثانياً: الموقف الغربي + الولايات المتحدة الأمريكية من مشروعات الاندماج والتكامل الإقليمي العربي. وهو ما ينقلنا إلى تحليل الخرائط الغربية والإسرائيلية للترويج لـ "الشرق الأوسط الجديد"، كمحاولة لتقويض تحركات التكامل الهوياتي والاندماج الإقليمي العربي، مقابل ترسيخ تصورات ذهنية حول ضعف دول المنطقة وتبعيتها على نحو ما يسهل توظيفها ضمن الاستراتيجيات الدولية الكبرى، والتي بدأت أن تتكشف فيما بعد أحداث الربيع العربي عام 2011، وتم التعبير عنها بشكل مباشر فيما بعد أحداث 7 أكتوبر2023.
رابعاً - رهانات المستقبل
أنتجت الارتدادات المتباينة لأحداث 7 أكتوبر2023، المزيد من التهديدات الأمنية لدول الإقليم، والتخوفات بشأن حدود الاختراقات الخارجية، للقوى الدولية والصاعدة، فضلاً عن التجاذبات غير المباشرة العربية- العربية حول الأحقية بـ"ثنائية الدور والمكانة". بالإضافة إلى إرهاصات "الرسائل الموسمية" حول شمولية الإصلاح المؤسسي للجامعة العربية، واستهداف وتهميش الجامعة من جانب بعض الأطراف الإقليمية، بالتزامن مع الأحاديث المكررة حول المطالبة بإعادة تدوير منصب الأمين العام، رغم أنّ هذا المنصب ظل "مصرياً"، ولم يتغير إلا في مرحلة تجميد عضوية مصر بالجامعة، عقب توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل، وتولي الشاذلي القليبي (تونسي الجنسية) مهام الأمين العام، ما عدا ذلك تم الإبقاء على تولي "منصب الأمين العام" شخصيات دبلوماسية مصرية، كالسفير نبيل العربي ثم السفير أحمد أبو الغيط، باعتباره عرفاً دبلوماسياً غير منصوص عليه في النظام الأساسي للجامعة.
اتصالاً بما سبق أعلاه، فثمة رهانات تحيط بمستقبل الجامعة العربية وتعزيز آليات عملها، لتتجاوز إرهاصات تحديث الميثاق والهياكل المؤسساتية أو نشأة كيان بديل، مقابل الانتقال نحو نمذجة تحول جوهري في طبيعة عمل الجامعة العربية، وفاعليتها في إقرار صياغات إلزامية تتسق مع "حالة عدم اليقين" بالترتيبات الجيوسياسية القائمة والمحتملة للمنطقة، وذلك بالنظر إلى المعايير التصاعدية التالية[6]:
1. المعيار الأول "اللحظة الناضجة - Ripe Moment": إذ بات من المهم أن تقود الجامعة العربية "اللحظة الناضجة" التي تحدث عنها وليام زارتمان، خاصة مع إدراك الكافة عدم توافر خيارات غير التفاوض الحاسم كأداة أقل تكلفة من الحرب أو الصراع، وذلك في ظل تبلور ضغوط داخلية وخارجية سواء من الرأي العام بالمنطقة أو النخب السياسية حول أهمية تنفيذ المسارات السياسية المطروحة "خارطة الطريق"، أو ما يُعرف بـ "نموذج توافقي" ينطوي على هيكلة وتشكيل نموذج مربح لكافة الأطراف بالإقليم.
2. المعيار الثاني "الفرص المتاحة Available opportunities": تُبنى على نتائج المعيار الأول، وتفكيك الجامعة العربية للتشابكات الإقليمية بملفات التسوية في مناطق الصراعات، وتحديد جدول زمني لإنفاذ "النموذج التوافقي" المشار إليه أعلاه وفقاً للعناصر المتوافق عليها من كافة الأطراف، مثل: قضايا العدالة، ونزع السلاح بالدول المأزومة، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية، تقاسم السلطة، كذلك هيكل العلاقات مع فواعل المنطقة سواء الدولة الوطنية غير العربية أو الأطراف الفاعلة من دون الدول. فعلى سبيل المثال: توظيف استئناف العلاقات السعودية مع إيران، وكذلك كسر جمود العلاقات العربية التركية، لترسيم نموذج إقليمي تعاوني- وفقاً لثوابت جيوسياسية واضحة - بشتى المجالات الأمنية والاقتصادية والتنموية.
3. المعيار الثالث "أطروحات التعافي Resilience": يرتبط بشكل كبير مع ترتيبات الأمن الجماعي لما بعد اليوم التالي لغزة وللإقليم العربي ككل -حال نجاح النموذج التوافقي المشار إليه أعلاه- هو ما يتطلب معه بناء الجامعة العربية لـ"نسق تحفيزي" قائم على خلق توازنات مرنة بين الدولة والمجتمع بالإقليم، وتجنب الاختلالات ومكامن الهشاشة التي كشفت عنها الأحداث المتتالية التي عصفت بإقليم الشرق الأوسط منذ "الاحتجاجات العربية - 2011" وما تلاها من صراعات نوعية بدول المنطقة وصولاً لأحداث 7 أكتوبر2023 وارتداداتها بالشرق الأوسط حتى يومنا هذا، وبناء إطار تعاوني يسهم في مواجهة تحديات ما بعد الصراع، ومعالجة المشكلات التي واجهت “النموذج الدولتي” في الإقليم، وصياغة علاقات توافقية ومتزنة مع مجتمعات المنطقة لدعم حالة الاستقرار العام وخروج دول المنطقة من مسوغات الصراع وحواضنه المجتمعية.
توصيات
بناء على ما سبق استعراضه بالتحولات المعقدة للأدوار المتباينة للجامعة العربية. فثمة رهانات حول "مستقبل الدور" في ظل إعادة تشكيل خريطة كيانات وتكتلات المنطقة، وذلك اتساقاً مع حالة التطور بالتفاعلات الصراعية على المستويين الإقليمي والدولي. على نحو ما قد يدفع بعدد من التوصيات المُقترحة التي قد تسهم في تعزيز ثنائية "الدور والمكانة" للجامعة العربية، وذلك على النحو التالي:
- حظر أي تدخل للدول الخارجية، وكذا المؤسسات الدولية، لاسيما "مجلس الأمن" في الشؤون الخارجية للنظام العربي، على سبيل المثال: من المهم طرح فكرة "عضوية فاعلة" للتكتلات بمجلس الأمن تمتلك حق النقض "الفيتو" بما يعكس الثقل الاقتصادي والسياسي للدول الأعضاء بالجامعة العربية، دون الاكتفاء فقط بحضور أعمال المجلس.
- إنهاء كافة الخلافات البينية والداخلية بين الدول الأعضاء، دون استحضار إملاءات خارجية دولية أو مؤسساتية، أو ضغوط داخلية.
- خلق آلية تصويتية متوازنة داخل الجامعة، تعمل بشكل حيادي، وذلك عبر إصلاح منظومة العمل الداخلي للجامعة، وكذا استكمال خطوات تحديث الجهاز الإداري لمختلف الهياكل والكيانات الرئيسية بما يتوافق مع التطورات القائمة بالنظامين الإقليمي والدولي.
- أهمية تفعيل "التكامل الاقتصادي" بين الدول الأعضاء. على سبيل المثال: لاتزال المعاملات التجارية والاقتصادية خاضعة لمزايدات البنك الدولي، ومنظمة التجارة الدولية، وصندوق النقد. مما قد يجعل الجامعة العربية تابعة. وذلك بالنظر إلى تنامي مؤشرات "الهشاشة الاقتصادية" التي يعاني منها الدول الأعضاء.
- أهمية الانتهاء من تفعيل "محكمة العدل العربية"، تكون لها صفة "السيادة"، وصفة "الإلزامية"، وبمعزل عن التأثيرات الدولية الخارجية وارتداداتها على الداخل الإقليمي العربي.
د. إيمان زهران | باحثة في مركز سوث24 للأخبار والدراسات
مدرس العلوم السياسية، متخصصة فى العلاقات الدولية والأمن الاقليمي، عضو سابق بلجنة العلوم السياسية - المجلس الأعلى للثقافة - جمهورية مصر العربية