الطائرة الإيرانية تهبط في مطار الحديدة بعد منعها من الهبوط في مطار صنعاء، 13 يوليو 2026 (صورة نشرها إعلام الحوثيين، تم تعديلها بالذكاء الاصطناعي لخلق مشهد كامل)
16-07-2026 at 4 PM Aden Time
مركز سوث24 | محمد فوزي
أعلنت وزارة الدفاع التابعة للحكومة اليمنية في 13 يوليو الجاري عن استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية، وكانت هذه الواقعة نقطة تحول استراتيجية قد تُمهد لإعادة اليمن إلى قلب الصراع الإقليمي بعد سنوات من الهدوء النسبي بين الرياض والحوثيين. فقد جاءت هذه التطورات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتزامن مع تصاعد المواجهة الأمريكية الإيرانية، ومحاولات طهران إعادة بناء أدوات نفوذها في المنطقة، وفي مقابل ذلك يبدو أن الحكومة اليمنية تسعى إلى منع تحويل صنعاء إلى بوابة جوية مفتوحة أمام إيران. وتشير المؤشرات إلى أن الأزمة تجاوزت بعدها العسكري المباشر، لتصبح اختبارًا لمعادلات الردع، ومستقبل التهدئة اليمنية، وحدود النفوذ الإيراني في جنوب الجزيرة العربية.
وفي هذا الإطار تحاول هذه الورقة الوقوف على الوضع الراهن، وقياس ردود الفعل من كافة الأطراف المنخرطة في هذه الأزمة، مع استشراف السيناريوهات المستقبلية الخاصة بالوضع في اليمن، ووضع الهدنة التي امتدت لسنوات بين الحوثيين والسعودية.
أولاً: أبعاد استهداف مدرج مطار صنعاء
أعلنت وزارة الدفاع اليمنية عن استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي وذلك لمنع طائرة تابعة لشركة ماهان إير من الهبوط في مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين من دون موافقة السلطات، وقالت الوزارة، في بيان مقتضب، إن الحوثيين منعوا الطيران الوطني اليمني من الهبوط في مطار صنعاء، وأصروا، في المقابل، على السماح للطيران الإيراني بانتهاك الأراضي اليمنية، مضيفة "ولهذا تم استهداف مدرج المطار".
ورغم هذه التصريحات، فإن ميليشيا الحوثي الحوثي اعتبرت أن السعودية هي المسؤولة عن استهداف مطار صنعاء، وحذر المتحدث العسكري باسم ميليشيا الحوثي، يحيى سريع، شركات الطيران من التحليق في الأجواء السعودية "قبل رفع الحصار عن مطار صنعاء"، وفي ضوء هذه المعطيات يمكن الإشارة إلى مجموعة من الأبعاد المهمة:
1- تحول في مقاربة الحكومة اليمنية: بعيداً عن البت في مسألة طبيعة الجهة التي استهدفت مدرج مطار صنعاء، وما إذا كانت الجهة المنفذة هي الحكومة اليمنية أم السعودية، إلا أن الحكومة اليمنية وفي ضوء تحليل موقفها نظرت إلى رحلة هذه الطائرة باعتبارها محاولة لتكريس خط جوي مباشر بين طهران وصنعاء، بما يعني عمليًا كسر القيود المفروضة على الحركة الجوية، وإضفاء شرعية سياسية وأمنية على العلاقة المباشرة بين إيران والحوثيين. وقد بررت الحكومة اليمنية الضربة بأنها جاءت لمنع هبوط الطائرة الإيرانية وحماية السيادة اليمنية.
ومن ثم فإن الرسالة لم تكن موجهة للحوثيين فقط، وإنما لإيران نفسها، ومفادها أن المجال الجوي اليمني لن يتحول إلى امتداد للمجال الإيراني، وهذا التطور يعني أن الصراع بدأ ينتقل من استهداف شحنات السلاح البحرية إلى استهداف مسارات الدعم الجوي، وهو تطور نوعي يحمل أبعادًا استراتيجية أكبر بكثير.
2- محاولة الحكومة اليمنية استعادة زمام المبادرة: شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً لافتاً في دور الحكومة اليمنية، حيث تحول الملف اليمني تدريجياً إلى تفاوض مباشر بين السعودية والحوثيين، بينما تراجع الدور السياسي والعسكري للحكومة الشرعية، وبالتالي تُشير العملية الأخيرة إلى محاولة واضحة لاستعادة زمام المبادرة.
وفي ضوء ذلك يبدو أن الحكومة أرادت التأكيد على أنها ما زالت صاحبة القرار السيادي بشأن المطارات والمنافذ، وأن أي ترتيبات مع الحوثيين لا يمكن أن تتجاوز المؤسسات الرسمية للدولة، وبمعنى أدق استهدفت العملية في أحد أبعادها إعادة إنتاج شرعية الحكومة اليمنية.
3- مؤشرات على تغير في تحركات السعودية: منذ التوصل إلى التهدئة مع الحوثيين عام 2022، تبنت الرياض سياسة تقوم على احتواء التهديد الحوثي عبر خفض التصعيد وفتح قنوات التفاوض، انطلاقاً من قناعة بأن إنهاء الاستنزاف العسكري يمثل أولوية تتسق مع مستهدفات "رؤية 2030".
لكن يبدو حالياً أن هناك مجموعة من المؤشرات التي تعكس تغيراً نسبياً في هذه المقاربة السعودية، ومن أهم هذه المؤشرات ما ذكره موقع "أكسيوس" الأمريكي بأن تواصلاً عالي المستوى جرى بين السعودية والإدارة الأمريكية بخصوص التنسيق لدعم عسكري وسياسي لأي تحرك ضد الحوثيين، وهو ما يشير حال صحة هذه الأنباء إلى أن الرياض لم تعد تعتبر المواجهة مع الحوثيين أزمة يمنية محلية، بل جزءاً من الصراع الأوسع مع إيران، وأن أي تصعيد جديد يحتاج إلى غطاء أمريكي مسبق لتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية غير محسوبة، كذلك تكشف هذه التحركات سواءً كانت من قبل الحكومة اليمنية المدعومة سعودياً أو السعودية بشكل مباشر، عن تحركات استباقية لمنع أي مساعي إيرانية لإعادة بناء قدرات ميليشيا الحوثي.
4- سعي إيران إعادة إلى بناء قدرات الحوثيين: تُشير العديد من المؤشرات خلال الآونة الأخيرة إلى أن إيران عملت على تبني مجموعة من التحركات لإعادة بناء القدرات العسكرية للحوثيين بعد فترة من الاستنزاف الكبير الذي تعرضت له الحركة نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، وعمليات اعتراض شحنات السلاح، والضغوط المفروضة على خطوط الإمداد في البحر الأحمر.
وقد أشارت العديد من التقارير الغربية إلى أن إيران عملت على استغلال فترات خفض التصعيد من لإعادة تشغيل شبكات التهريب، والبحث عن مسارات بديلة للإمداد، سواء عبر البحر أو من خلال محاولة فتح خطوط جوية مباشرة إلى صنعاء، بما يسمح بإعادة نقل المكونات الحساسة الخاصة بالصواريخ والطائرات المسيرة ووسائل الحرب الإلكترونية بعيداً عن المسارات التقليدية التي أصبحت أكثر عرضة للرصد والاعتراض.
وتذهب تقديرات مراكز الدراسات الغربية إلى أن الهدف الإيراني لا يقتصر على تعويض خسائر الحوثيين، وإنما إعادة بناء قوة ردع أكثر تطورًا تجعل الجماعة قادرة على استئناف الضغط على السعودية، وتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، واستخدام اليمن كورقة ضغط استراتيجية في أي مواجهة مستقبلية مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.
5- احتمال دفع إيران باتجاه غلق مضيق هرمز: ثمة فرضية لم يتم التأكيد عليها حتى اللحظة، تشير إلى أن الطائرة الإيرانية لم تكن تحمل فقط بعض الشخصيات الحوثية والجرحى كما تؤكد الميليشيا اليمنية، ولكنها ضمت عناصر عسكرية أو فنية إيرانية مكلفة بإعادة تنسيق القدرات العملياتية للحوثيين، استعدادًا لمرحلة جديدة من التصعيد في البحر الأحمر.
ويمكن الوقوف على هذه الفرضية من خلال بعض المؤشرات الرئيسية حيث تزامن وصول الطائرة إلى الأراضي اليمنية مع استئناف المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وهي مواجهة تدرك طهران أنها تفرض عليها مجدداً ضغوطاً عسكرية على جبهتها الداخلية، الأمر الذي يدفعها إلى تفعيل أذرعها الإقليمية لتوسيع مسرح العمليات ورفع تكلفة أي تحرك ضدها. ومن هذا المنطلق، يصبح باب المندب جزءاً من معادلة الردع الإيرانية، على غرار مضيق هرمز، بحيث لا يقتصر الضغط على تهديد صادرات الطاقة الخليجية عبر هرمز، بل يمتد أيضاً إلى تعطيل أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية عبر البحر الأحمر.
وبالتالي يفترض هذا السيناريو سعي إيران إلى بناء غرفة عمليات مشتركة مع ميليشيا الحوثي أو تعزيز القدرات الفنية اللازمة لاستئناف الهجمات على الملاحة الدولية.
ثانياً: دلالات ورسائل مهمة
حمل التصعيد الأخير في اليمن مجموعة من الدلالات والرسائل المهمة، وذلك على النحو التالي:
- لم يكن الحادث الأخير باستهداف مدرج مطار صنعاء حادثاً عرضياً بقدر ما كان تعبيراً عن الانتقال من مرحلة إدارة التهدئة إلى مرحلة اختبار حدود القوة والردع. فما جرى لم يكن معركة واسعة، وإنما اختبار متبادل للإرادة السياسية والعسكرية، سعت خلاله كل جهة إلى قياس رد فعل الطرف الآخر، ورسم الخطوط الحمراء التي ستحكم المرحلة المقبلة.
- تكشف الواقعة أن طهران لم تعد تكتفي بدعم الحوثيين عسكرياً بصورة غير مباشرة، وإنما تسعى إلى تكريس حضور رسمي ومستدام داخل اليمن، عبر إنشاء خطوط اتصال ونقل مباشرة، بما يرسخ واقعاً جديداً يصعب التراجع عنه لاحقاً، ويحول العلاقة مع الحوثيين من علاقة دعم إلى شراكة معلنة.
- للمرة الأولى منذ سنوات، انتقلت الحكومة اليمنية من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، سواء من خلال التحرك العسكري أو السياسي، وهو ما يعكس محاولة لاستعادة دورها باعتبارها الجهة المخولة بإدارة السيادة اليمنية، وإعادة فرض نفسها طرفًا رئيسيًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.
- تكشف الأزمة الأخيرة عن أن الصراع يتجه حالياً نحو استهداف شبكات الإمداد، وخطوط النقل، والبنية اللوجستية، أكثر من التركيز على المواجهات التقليدية، وهو توجه يتزامن مع تنامي التقديرات بشأن حرص إيران على إعادة بناء قدرات أذرعها في المنطقة وعلى رأسها ميليشيا الحوثي.
ثالثاً: التداعيات الخاصة بالتطورات الأخيرة
تحمل التطورات الأخيرة التي أعقبت استهداف مطار صنعاء، مجموعة من التداعيات المحتملة على الداخل اليمني وعلى المشهد الإقليمي بشكل عام، وذلك على النحو التالي:
1- تحركات متوقعة من الحكومة الشرعية: سوف تدفع التطورات الأخيرة على الأرجح باتجاه السعي لفرض رقابة أكبر على المطارات والموانئ الواقعة ضمن نطاق سيطرتها، مع الدفع باتجاه عدم السماح بفتح أي خطوط جوية أو بحرية مع المناطق الخاضعة للحوثيين خارج الإطار الرسمي للدولة، كذلك يُتوقع أن تحاول الحكومة اليمنية استثمار حادثة الطائرة الإيرانية لإعادة تدويل قضية التدخل الإيراني في اليمن، عبر تقديم ملفات إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن والدول الغربية تتضمن اتهامات لإيران باستخدام الرحلات الجوية في دعم الحوثيين عسكرياً أو لوجستياً.
وعلى مستوى آخر تكشف التطورات الأخيرة عن احتمال توجه الحكومة اليمنية نحو توحيد القوى العسكرية والسياسية المناهضة للحوثيين، وتقليص الانقسامات داخل مجلس القيادة الرئاسي، بما في ذلك السعي إلى استقطاب بعض القوى الجنوبية للانخراط في المواجهات المحتملة مع الحوثيين خلال الفترات المقبلة.
2- تصعيد حوثي متعدد الأنماط: يكشف نمط التعاطي الحوثي مع التطورات الأخيرة، عن نظرة إلى واقعة الطائرة باعتبارها خرقاً للهدنة مع السعودية، وأنها محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة تستهدف تقويض قنوات الدعم الإيراني. ولذلك جاء استهداف العمق السعودي بهدف إعادة تثبيت معادلة الردع التي نجح الحوثيون في بنائها خلال السنوات الماضية، والقائمة على أن أي استهداف لمصالحهم سيقابله نقل المعركة إلى خارج الأراضي اليمنية. ومن المرجح أن تتجه الجماعة خلال المرحلة المقبلة إلى توسيع أدوات الضغط بصورة تدريجية، سواء عبر زيادة الهجمات على السعودية، أو استئناف استهداف السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر.
3- مقاربة السعودية خلال الفترات المقبلة: حتى هذه اللحظة لم تعلن السعودية رسميًا مسؤوليتها عن استهداف المدرج في مطار صنعاء، وهو ما يعكس سياسة مقصودة تقوم على "الغموض الاستراتيجي" أكثر من كونه تردداً في تبني العملية. فمن المرجح أن الرياض تدرك أن الإعلان الرسمي عن المسؤولية سيمنح الحوثيين وإيران مبرراً سياسياً لتوسيع دائرة الرد، بينما يسمح الغموض الحالي بالإبقاء على هامش للمناورة الدبلوماسية، ويجعل المواجهة محصورة في إطار الحكومة اليمنية الشرعية وليس باعتبارها حرباً سعودية مباشرة.
وفي الوقت ذاته، لا يبدو أن المملكة ترغب في العودة إلى نمط المواجهة المفتوحة الذي استنزفها بين عامي 2015 و2022، خصوصاً في ظل استمرار أولوياتها الاقتصادية المرتبطة برؤية 2030. لذلك، من المرجح أن تتبنى الرياض خلال المرحلة المقبلة استراتيجية "الردع غير المباشر"، التي تقوم على دعم الحكومة اليمنية استخباراتياً وعسكرياً، وتعزيز الدفاعات الجوية داخل المملكة، ومنع إعادة بناء خطوط الإمداد الإيرانية إلى الحوثيين، مع تجنب الانخراط العلني في عمليات واسعة داخل اليمن.
4- نقل إيران المواجهة إلى الممرات الملاحية: بالنسبة لإيران لا تقتصر أهمية اليمن على كونه ساحة نفوذ إقليمية، بل يمثل أحد أهم عناصر استراتيجية الردع غير المباشر. فبعد الضغوط العسكرية التي تعرضت لها طهران، تبدو أكثر ميلاً إلى الاعتماد على وكلائها الإقليميين لتعويض القيود المفروضة على قدرتها على المواجهة المباشرة. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة تنشيط القدرات العسكرية للحوثيين لا تستهدف فقط تعزيز نفوذ إيران داخل اليمن، وإنما تحويل البحر الأحمر وباب المندب إلى جبهة موازية لمضيق هرمز، بحيث تصبح طهران قادرة على تهديد أكثر من ممر استراتيجي في الوقت نفسه. وإذا استمرت هذه المقاربة، فإن اليمن سيتحول إلى منصة متقدمة لإدارة الضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها، بما يرفع تكلفة أي عمل عسكري ضد إيران ويمنحها أوراقاً تفاوضية إضافية في أي مواجهة أو مفاوضات مستقبلية.
Previous article