التقارير الخاصة

المجلس الانتقالي الجنوبي والسعودية: ما المطلوب لاحتواء التصعيد؟

رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي اللواء عيدروس الزبيدي يصافح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي اليمني، 7 أبريل 2022 (وكالة واس)

08-07-2026 at 2 PM Aden Time

مركز سوث24 | عبد الله الشادلي


دخلت العلاقة بين المجلس الانتقالي الجنوبي والمملكة العربية السعودية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ بدء التحالف ضد الحوثيين عام 2015. فالتوتر الذي تصاعد منذ أواخر عام 2025 لم يعد خلافًا سياسيًا بحدود واضحة، بل تحوّل إلى أزمة ثقة مفتوحة، تتداخل فيها حسابات الأمن والنفوذ، ومستقبل قضية الجنوب، وحدود الدور السعودي.


كانت أحداث حضرموت والمهرة في ديسمبر 2025 ويناير 2026، وما لحقها بعد ذلك، نقطة التحول الأبرز.  وجاءت دعوة المجلس الانتقالي، في 3 يوليو، إلى برنامج تصعيدي سلمي ضد ما وصفه بـ“الوصاية السعودية وأدواتها الاحتلالية”، والمشاركة الواسعة في "مليونية" 7 يوليو في عدن وحضرموت، لتضع هذا الصراع بين السعودية والمجلس الانتقالي في مرحلة تصعيدية واضحة بدأتها الرياض عندما ضغطت على وفد المجلس لإعلان حله في يناير الماضي، مرورًا بإجراءات تقويض دور المجلس ومؤسساته عبر السلطات المدعومة منها في الداخل.


ورقة تحليلية: أحداث حضرموت أعادت تشكيل الأمن والتوازنات السياسية في جنوب اليمن


وبين التصعيد والحاجة إلى احتواء التوتر، يبرز سؤالان أساسيان: ما الذي أوصل العلاقة بين المجلس الانتقالي والسعودية إلى هذه المرحلة؟ وما المطلوب من الطرفين لمنع تحول الخلاف إلى استنزاف طويل، يستفيد منه الحوثيون والإخوان المسلمون والجماعات المتطرفة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة؟


أسباب الخلافات المعلنة


لم ينفجر الخلاف بين المجلس الانتقالي الجنوبي والمملكة العربية السعودية من فراغ، بل جاء امتدادًا لتطورات عسكرية وسياسية متسارعة شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة منذ ديسمبر 2025 ويناير 2026، قبل أن تتراكم آثارها حتى لحظة التصعيد الشعبي والسياسي الراهنة.


شكّلت أحداث حضرموت نقطة التحول الأبرز في مسار العلاقة بين الطرفين. فبعد سنوات من بقاء وادي وصحراء حضرموت تحت نفوذ قوات المنطقة العسكرية الأولى، المرتبطة بحزب التجمع اليمني للإصلاح، جاءت تحركات القوات الجنوبية المدعومة من المجلس الانتقالي ضمن عملية “المستقبل الواعد” باعتبارها، وفق القراءة الجنوبية، محاولة لاستعادة القرارين الأمني والعسكري في مناطق ظلّت خارج سيطرة القوى الجنوبية لعقود.


امتدت تلك التحركات من وادي وصحراء حضرموت إلى محافظة المهرة، في سياق رآه المجلس جزءًا من معركة أوسع لتأمين المدن والمناطق الحضرمية، وقطع مسارات التهريب المرتبطة بشبكات دعم جماعة الحوثيين، ومواجهة التنظيمات المتطرفة. كما اكتسبت هذه التطورات زخمًا شعبيًا مع تصاعد المطالب المحلية بإخراج القوات الشمالية من وادي وصحراء حضرموت، وخصوصًا خلال فعالية “مليونية سيئون” التي سبقت عملية المستقبل الواعد بيومين، التي أعلنت دعمها لقوات النخبة الحضرمية والقوات المسلحة الجنوبية، وطالبت بتمكين أبناء المحافظة من إدارة شؤونهم.


لكن السعودية قرأت هذه التحركات من زاوية مختلفة. فحضرموت، بما تمثله من موقع بحري على بحر العرب، وامتداد جغرافي نحو الحدود السعودية، وثقل اقتصادي ونفطي، تقع في قلب الحسابات الاستراتيجية للرياض. لذلك بدا تقدم القوات الجنوبية في وادي وصحراء حضرموت ثم المهرة، من وجهة نظر سعودية، تحركًا يهدد معادلات النفوذ والأمن في شرق جنوب اليمن، ويفرض واقعًا سياسيًا وعسكريًا لا ينسجم مع مقاربة الرياض لإدارة الملف اليمني، وهي مقاربة لطالما أحيطت بالشك والظنون خصوصًا بما يتعلق بتفاهمات الرياض مع الحوثيين ضمن ما عرف باسم (خارطة الطريق).


ومن هنا بدأ الخلاف يأخذ طابعًا أكثر حدة. فقد طالبت الرياض آنذاك المجلس الانتقالي والقوات الجنوبية بالانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها وتسليمها لقوات “درع الوطن”، بالتزامن مع تصاعد خطاب إعلامي وسياسي مناهض للمجلس وقواته. ثم مثّل القصف السعودي لمواقع القوات الجنوبية بحضرموت والمهرة في 2 يناير، والقصف السابق الذي طال ميناء المكلا في 30 ديسمبر، لحظة صادمة في الوعي الجنوبي، لأنه نقل العلاقة من مستوى الخلاف إلى مستوى المواجهة المباشرة مع طرف كان يُنظر إليه بوصفه حليفًا رئيسيًا منذ 2015.


ويقول المتحدث الرسمي باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، أنور التميمي، لمركز سوث24، إن جوهر الخلاف مع السعودية "يتمثل في سعي الرياض إلى فرض تسوية سياسية لا تتوافق مع تطلعات الجنوبيين". مضيفًا أن الجنوبيين انخرطوا منذ انطلاق عملية “عاصفة الحزم” عام 2015 في القتال إلى جانب التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات ضد جماعة الحوثيين، وقدموا آلاف القتلى ومئات الآلاف من الجرحى، انطلاقًا من قناعة بأن التسوية النهائية ستتم عبر مسار تفاوضي يضمن إطارًا خاصًا لقضية الجنوب.


وبحسب التميمي، لم تكن تلك القناعة مجرد وعود سياسية، بل تُرجمت إلى ترتيبات سياسية وعسكرية، أبرزها اتفاق الرياض (2019) ومشاورات الرياض عام (2022)، التي أفضت إلى مشاركة جنوبية فاعلة في إدارة الملفين العسكري والأمني، إلى جانب مشاركة أقل في الإدارة المدنية. واعتبر أن الأمور كانت تسير، في تلك المرحلة، نحو تمكين تدريجي للجنوبيين، بما يحقق تطلعاتهم دون الإضرار بالمعركة ضد الحوثيين أو بمصالح دول التحالف.


غير أن هذا المسار، وفق رؤية المجلس، تعرّض لانتكاسة حادة بعد تطورات حضرموت والمهرة، وما يصفه التميمي بـ“العدوان العسكري” على القوات الجنوبية، وما تبعه من إجراءات سياسية فُرضت بالنفوذ السعودي. ويضع المجلس في هذا السياق ملفات عدة في صلب الأزمة، بينها ما يصفه بإعلان حل المجلس الانتقالي، واحتجاز الوفد الجنوبي في الرياض، واستهداف القيادات الجنوبية عبر وسائل الترغيب والترهيب، ومحاولات تفكيك القوات الجنوبية، وإنشاء مكونات سياسية جديدة، والعمل على إضعاف النسيج الاجتماعي في الجنوب.


ولا يقف الخلاف عند البعد السياسي وحده، بل يتداخل مع قلق عسكري وأمني أعمق. فقد قال الخبير العسكري العميد فيصل النجار لمركز سوث24 إن المجلس الانتقالي الجنوبي ما يزال يمتلك قدرة على الصمود والمناورة، حتى بعد أشهر من الضغوط العسكرية والسياسية والأمنية، التي شملت القصف والمطاردة ومحاولات التفكيك وإغلاق المقرات. واعتبر النجار أن المجلس لا يتعامل مع المواجهة بوصفها سباقًا للنفوذ أو صراعًا على المصالح، بل باعتبارها قضية أوسع تمس مكاسب الجنوبيين ومستقبل قضيتهم.


وأشار النجار إلى أن المقارنة المباشرة بين المجلس والسعودية من حيث الإمكانات العسكرية ليست متكافئة، لكنه رأى أن المجلس يتقدم سياسيًا وشعبيًا لأنه يستند إلى حاضنة جنوبية واسعة. 


ما المطلوب من الطرفين؟


رغم تعقيد وحدة الوضع الحالي، لا يبدو احتواء التصعيد بين المجلس الانتقالي الجنوبي والمملكة العربية السعودية مستحيلًا، لكنه يتطلب انتقال العلاقة من منطق الضغط والاستهداف ورد الفعل إلى مقاربة أكثر وضوحًا، تقوم على الاعتراف المتبادل بالمصالح والمخاوف، وفتح قناة سياسية مباشرة تعالج جذور الخلاف التكتيكي والاستراتيجي بدل إدارتها عبر الإعلام والاستهداف السياسي والقمع الأمني. 


فالسعودية لا تزال طرفًا رئيسيًا في الملف اليمني، بحكم نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي، وبحكم موقعها في رعاية التسوية اليمنية ومسارات التهدئة الإقليمية. وفي المقابل، لا يزال المجلس الانتقالي الجنوبي قوة سياسية وعسكرية وشعبية محورية في الجنوب، يصعب تجاوزها في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل الجنوب أو بأمنه أو بموقعه داخل أي تسوية شاملة.


وفي هذا السياق، ترى الخبيرة في القانون الدولي رشا جرهوم أن تحقيق تهدئة حقيقية يتطلب أولًا التمييز بين المجلس الانتقالي كحامل سياسي ومؤسسة قائمة، وبين مواقف بعض قياداته أو خطاباتهم الآنية. وتشير إلى الحاجة إلى قدر أكبر من النضج السياسي لإعادة بناء العلاقة مع السعودية على أسس أكثر هدوءًا وواقعية، خصوصًا أن هناك قواسم مشتركة عديدة بين الطرفين، تلتقي عند ملفات جوهرية مثل الحد من نفوذ الحوثيين، ومنع انهيار الوضع الأمني في الجنوب، والحفاظ على استقرار الممرات البحرية، وتأمين الخدمات الأساسية، وإعادة إنعاش الاقتصاد.


وبحسب جرهوم، تبدأ خطوات إعادة بناء الثقة بوقف التصعيد والتحريض الإعلامي، والابتعاد عن الخطاب السياسي المتطرف، والتعامل بإيجابية مع فرصة الحوار الجنوبي–الجنوبي التي ترعاها السعودية. وترى أن رعاية دولة إقليمية بوزن السعودية لهذا الحوار يمكن أن تمثل فرصة لمعالجة القضية الجنوبية بصورة منظمة وسلمية، ضمن إطار يحظى باعتراف إقليمي ودولي، بشرط أن يتعامل الجنوبيون معه برؤية موحدة، وأن يتحول إلى مسار جاد لا إلى أداة إضافية لتعميق الانقسام.


غير أن المجلس الانتقالي يضع، من جانبه، شروطًا سياسية وأمنية واضحة لخفض التصعيد. وقال المتحدث الرسمي باسم المجلس، أنور التميمي، إن المشكلة تبدأ من غياب قنوات التواصل المباشرة بين هيئات المجلس والجانب السعودي، ومن تعامل الرياض مع ما وصفه بـ“مسرحية حل المجلس” باعتبارها أمرًا واقعًا. ويرى التميمي أن أي تهدئة لا يمكن أن تقوم على تجاوز المجلس أو فرض ترتيبات سياسية وأمنية من خارجه.


ويتمثل الحد الأدنى المطلوب، وفق رؤية التميمي، في احترام الإرادة الجمعية للجنوبيين، ووقف إجراءات استهداف وتفكيك القوات الجنوبية، وإنهاء تمكين حزب التجمع اليمني للإصلاح من مفاصل رئيسية في الجنوب، ووقف ملاحقة القيادات الجنوبية، إضافة إلى الإقرار بأن قصف القوات الجنوبية وما تلاه من خطوات كان مسارًا كارثيًا لا يخدم أمن المنطقة ولا استقرارها.


وفي ما يتعلق بفعاليات ومظاهرات “رفض الوصاية”، يؤكد التميمي أنها لا تستهدف إعلان قطيعة مع السعودية، بل تعبّر عن واقع سياسي وشعبي متراكم في الجنوب، وترفض محاولات تزوير المشهد أو تصوير الأزمة بوصفها خلافًا محدودًا بين قيادات سياسية. فشعار “رفض الوصاية”، وفق هذا المنظور، لا يعني رفض العلاقة مع الرياض بقدر ما يعني رفض تحويل الشراكة إلى علاقة إملاء أو إدارة أحادية للقرار الجنوبي.


اقرأ المزيد: جنوب اليمن يحتج على “الوصاية السعودية”


مخاطر غياب التهدئة


تبدو مخاطر غياب التهدئة بين المجلس الانتقالي الجنوبي والمملكة العربية السعودية أوسع من حدود الخلاف السياسي المباشر بين الطرفين. فاستمرار التصعيد، من دون قناة سياسية واضحة أو ضمانات متبادلة، قد يحوّل الجنوب إلى ساحة استنزاف مفتوحة، تتضرر منها القوى الجنوبية والسعودية معًا، بينما يستفيد منها الحوثيون والإخوان المسلمون والجماعات المتطرفة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة.


وترى الخبيرة في القانون الدولي رشا جرهوم أن التصعيد، مهما كانت الشعارات التي يستند إليها، لا يصب في مصلحة الجنوب في هذه المرحلة، لأنه يقوض جهود بناء التكاتف الداخلي وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار. وتشير إلى أن المشهد الحالي يعكس حالة انقسام سياسي وعسكري وأمني، ويزيد هشاشة الوضعين الاقتصادي والخدمي، بما يجعل المواطنين يتحملون كلفة الاستقطاب بصورة مباشرة.


وتحذر جرهوم من أن استمرار هذا المسار قد يفتح فراغات أمنية تستغلها الجماعات المتطرفة، ويضعف فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، ويعقد جهود الوساطة، ويجعل ملف الجنوب أكثر صعوبة في أي مفاوضات مستقبلية. ومن وجهة نظرها، ينبغي النظر إلى الدور الأممي والإقليمي بواقعية، لأن تجارب السلام الناجحة غالبًا ما احتاجت إلى وساطات تقودها أطراف تمتلك النفوذ والقدرة على تقديم الضمانات.


وفي هذا السياق، ترى جرهوم أن الحوار الجنوبي–الجنوبي، إذا توفرت له الضمانات السياسية الكافية، يمكن أن يمثل فرصة تاريخية لا ينبغي التفريط بها. لكن هذه الفرصة، لكي لا تتحول إلى مصدر إضافي للانقسام، تحتاج إلى مقاربة أكثر توازنًا: لا تقصي المجلس الانتقالي من معادلة التمثيل، ولا تختزل الجنوب في طرف واحد، ولا تستخدم الحوار كأداة لإعادة إنتاج نفوذ خارجي على حساب الإرادة المحلية.


أما عسكريًا، فيؤكد العميد فيصل النجار أن المجلس الانتقالي لا يفكر حاليًا في مواجهة عسكرية مباشرة مع السعودية، وأنه نقل المواجهة إلى الساحات الشعبية والسياسية والإعلامية. لكنه يوضح أن امتلاك القوات لا يعني استخدامها فورًا، وأن الخيارات العسكرية تبقى مؤجلة للزمان والمكان المناسبين إذا ظهرت ظروف تفرض ذلك.


وبين ضرورات التهدئة ومخاطر استمرار التصعيد، يبقى الجنوب أمام لحظة دقيقة، فإما أن تتحول الأزمة الحالية إلى فرصة لإعادة بناء العلاقة على أسس أكثر وضوحًا وتوازنًا بين عدن والرياض، أو أن يؤدي غياب المعالجة السياسية إلى ساحة استنزاف جديدة، يدفع كلفتها الطرفان، ويستفيد منها خصومها داخل اليمن وخارجه.


عبد الله الشادلي
صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

Shared Post
Subscribe

Read also