التقارير الخاصة

ما بعد الحرب على إيران: مستقبل المعادلات الأمنية في منطقة الخليج

Getty Images

Last updated on: 19-03-2026 at 9 PM Aden Time

"من النتائج اللافتة للهجوم الإيراني أيضاً، أنه أوقف مؤقتاً الصراع الناشئ بين السعودية والإمارات على خلفية تطورات الأحداث العسكرية في جنوب اليمن أواخر عام 2025.."

مركز سوث24 | فريدة أحمد


بعد أكثر من أسبوعين على اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لا يزال التصعيد يأخذ منحى متصاعداً ضمن مشهد إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه الأبعاد العسكرية مع الحسابات الاقتصادية، وتتشابك فيه معادلات الردع مع أدوات الضغط الاستراتيجي. وفي قلب هذه المعادلة تقف منطقة الخليج، التي تبدو أكثر عرضة لتداعيات هذا التصعيد، بعدما باتت دولها الست ضمن دائرة الاستهداف الإيراني المباشر نظراً لاستضافتها لقواعد عسكرية أمريكية إلى جانب الأردن والعراق. إذ برزت منشآت الطاقة والموانئ الاستراتيجية والممرات البحرية إلى واجهة الاستهداف، كنقاط ارتكاز محورية في بنية الاقتصاد العالمي. 


وعلى الرغم من تأكيد حكومات دول الخليج لطهران وفي مقدمتها السعودية، بأنها لن تسمح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في سياق الحرب، فقد نفّذت إيران سلسلة هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ على امتداد المنطقة. وفيما يبدو أن أحد أسبابها هو دفع دول الخليج تحديداً والمتأثرين بسلاسل الإمداد الطاقوي للضغط على واشنطن لوقف الحرب. كما يبدو أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى دفع دول الخليج نحو تفعيل تحالف استراتيجي في سياق الحرب، مع ضمان مشاركتها بشكل فاعل في العمليات العسكرية. لم يقتصر الأمر على ذلك؛ فمع قيام إيران على تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز بشكل شبه كامل، وهو الممر الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، دعا ترمب الدول إلى الإسهام في تأمين الملاحة في المضيق، إلا أنّ هذه الدعوة قوبلت برفض من عدد من الأطراف خاصة من دول حلف شمال الأطلسي. 


تسعى هذه الورقة إلى تحليل أبرز ملامح التحولات في المعادلات الأمنية في منطقة الخليج في ضوء تطورات الحرب الأخيرة على إيران، مع التركيز على طبيعة التهديدات الجديدة، وحدود الدور الخارجي في ضمان أمن المنطقة، فضلًا عن استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل الأمن الخليجي.


قضايا الأمن الحيوية


يمكن القول إنّ معادلات الأمن في منطقة الخليج ترتبط بجملة من القضايا الأساسية التي يمكن من خلالها استشراف حدود التحولات والتغيرات التي أفرزتها الحرب في المنطقة. ويمكن تناول أبرز هذه القضايا على النحو التالي:


أولاً: توازن القوى الإقليمية:


شكّلت أحداث 28 فبراير 2026، نقطة تحوّل استراتيجية في مسار الصراع الإقليمي، حيث انتقل التنافس بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، من إطار العمليات غير المباشرة إلى مستوى المواجهة العسكرية المباشرة.  فبعد أن اعتمدت إيران لسنوات على نمط الحروب بالوكالة عبر شبكات حلفائها في الإقليم، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والحشد في العراق، أخذت ردودها تتجه نحو طابع أكثر انكشافاً. ويبدو أنّ هذا التحول يستهدف إبراز قدرتها على فرض الردع، والسعي إلى إعادة ضبط توازن القوى في المنطقة، خاصة بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي اعتبر اغتياله معركة من أجل بقاء الجمهورية الإسلامية نفسها. 

وقد استخدمت الأطراف في الحرب عدداً من الأسلحة يمكن تسليط الضوء على أبرزها في الجدول التالي: 


الولايات المتحدة

إسرائيل

إيران

قاذفات B-2 الشبحية

 المقاتلات F-15 وF-16

الصواريخ قصيرة المدى يتراوح مداها بين 150 و800 كم، مثل: (فاتح، ذو الفقار، وقيام-1، شهاب-1، وشهاب-2.

مُسيرات "لوكاس" الانتحارية

المقاتلات F-35

الصواريخ متوسطة المدى، يتراوح مداها نحو 1500 و2000 كم، مثل: (شهاب-3، وعماد، وقدر-1”، وعائلة خرمشهر، وسجيل، إضافة إلى تصميمات أحدث مثل خيبر شكن وحاج قاسم.

السفن الحربية

قنبلة GBU-57

صواريخ كروز والطائرات المسيّرة، ويتجاوز مداها نحو 2500 كم، مثل: (سومار، ويا علي، وقدس، وهويزه، وباوه، ورعد).

منظومات "باتريوت" و"ثاد"

قنابل سبايس

 

مقاتلات جوية (طائرات F-16، وطائرات F/A-18، مقاتلات F-22 وF-35 الشبحية)

صاروخ رامبيج

 

طائرات الهجوم الإلكتروني EA-18G

الطائرات المسيرة مثل: (Hermes، وHarpoon، وHeron TP).

 

طائرات الإنذار المبكر والتحكم الجوي AWACS

 

 

طائرات الاتصالات الجوية EA-11 BACN

 

 

طائرات دوريات بحرية P-8A

 

 

طائرات استطلاع RC-135

 

 

مُسيرات MQ-9 Reaper

 

 

منظومات HIMARS

 

 

قدرات التزوّد بالوقود (تشمل طائرات وسفن).

 

 

طائرات شحن (طائرات C-17 Globemaster وطائرات C-130 Hercules التوربينية).

 

 

المصدر: الشرق، الجزيرة


يُظهر هذا النوع من التسليح أنّ موازين القوة في الصراع لم تعد تُقاس فقط بطبيعة الأطراف المنخرطة، بل أيضاً بتنوع الأدوات العسكرية المستخدمة ومستوى تطورها. فقد سعت الأطراف إلى استعراض قدراتها عبر توظيف منظومات قتالية متعددة، من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الدفاعات الجوية والتقنيات الحديثة. وفي المقابل، اتجهت دول الخليج إلى تبنّي مقاربة دفاعية، متجنبة الانخراط المباشر في الحرب، ومركزة على حماية أراضيها والتصدي للهجمات الإيرانية. في إطار ذلك، اتسمت مواقف طهران بشأن استهداف دول الخليج بالتناقض؛ ففي حين نفت جهات إيرانية مسؤوليتها عن الهجمات ضد جيرانها، حاولت جهات إيرانية أخرى تبرير الهجمات بأنها لا تستهدف هذه الدول، بل القواعد العسكرية الأميركية الموجودة على أراضيها. 


غير أنّ التطور الأكثر مفاجأة بالنسبة لدول الخليج، تمثل في تهاوي الفرضية التي سادت لعقود، على أن الوجود العسكري الأميركي يشكل مظلة حماية فعالة لهذه الدول؛ إذ كشفت الحرب الجارية وما سبقها من أحداث منفصلة؛ عن محدودية دور هذه القواعد في توفير الحماية، منها على سبيل المثال، عندما تم استهداف "أرامكو" في بقيق بالسعودية عام 2019. مما يعيد الوضع الراهن طرح تساؤلات حول جدوى الاعتماد على هذه القواعد في ضمان الأمن الخليجي بالذات، خاصة وأن استراتيجية الحكومات الخليجية التقليدية ظلت تنظر للتواجد العسكري الأمريكي على أراضيها كجزء من معادلة غير معلنة "النفط مقابل الأمن". 


ثانياً: طبيعة التهديدات الأمنية


إلى جانب التهديدات العسكرية والأمنية المباشرة التي تواجهها دول الخليج جراء استهداف منشآتها النفطية والمطارات والموانئ والمدن الكبرى من قبل الحرس الثوري الإيراني، تزداد المخاوف من تأثير وكلاء طهران في تصعيد النزاع واستهداف الأراضي الخليجية. فبينما انخرط كل من حزب الله اللبناني والحشد العراقي في مجريات الحرب، لا يزال الحوثيون في اليمن المزودون بأسلحة متقدمة وقادرون على توجيه ضربات استراتيجية لجيرانهم في الخليج بشكل أكثر دقة، في حالة ترقب. ذلك على رغم أن زعيمهم عبدالملك الحوثي، ذكر في خطاب تلفزيوني أنّ أيديهم على الزناد فيما يتعلق بالتصعيد العسكري في أي لحظة. غير أنّ المؤشرات، توحي بأنهم قد يفضلون عدم الانخراط المباشر في الحرب، خشية التعرض لهجمات مكثفة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وربما حتى من السعودية، في حال مشاركتهم وتهديدهم حركة الملاحة في البحر الأحمر، إلى جانب التعطيل الذي طال مضيق هرمز بالفعل.


كما أن لدى بعض الدول الخليجية مخاوف مرتبطة فيما بعد انتهاء العمل العسكري، وكيف ستدار الأزمة الداخلية في إيران، خصوصاً في حال انهيار النظام الإيراني وحدوث فراغ في السلطة. فهذه الدول تسعى لتفادي أي مفاجآت قد تنجم عن نظام جديد قد يهدد استقرارها أو يعيد تشكيل موازين قوة جديدة بشكل غير متوقع. في المقابل، وفي حال بقاء نظام الخمينية، وإن تم تقليص قدرات إيران النووية والصاروخية، سيكون لدى إيران قدرة على إنتاج مزيد من المسيرات التي يمكن أن تهدد بها جيرانها في أي لحظة. فقد كثفت إيران استثماراتها في الطائرات المسيرة مع تراجع قدرات سلاحها الجوي بفعل العقوبات الغربية، وقد أسفر ذلك عن تراكم ما وصفته الاستخبارات الأميركية في مطلع عام 2025، بأنه "أكبر مخزون" في الشرق الأوسط. 


علاوة على ذلك، تتصاعد المخاوف من احتمالية عودة نشاط الجماعات المصنفة إرهابياً في منطقة الخليج. فعلى الرغم من كفاءة الأجهزة الاستخباراتية الخليجية وقدرتها العالية على الرصد، لا تزال هناك مخاطر من استغلال حالة التوتر الإقليمي لإحداث اختراقات أمنية وخلق بؤر اضطراب داخل بعض الدول. إذ أعلنت وزارة الداخلية الكويتية مؤخراً عن تفكيك خلية مرتبطة بحزب الله، كانت تخطط لزعزعة استقرار البلاد ونشر الفوضى والإخلال بالنظام العام، وهو ما يعكس حجم التحديات الأمنية القائمة رغم الإجراءات الوقائية المشددة. 


ثالثاً: التأثيرات الجيوسياسية والاقتصادية


استهدفت إيران في هجماتها منشآت الطاقة في كل من السعودية والإمارات وقطر والكويت، ما دفع الدوحة إلى وقف إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال بشكل كامل عقب تعرض منشآتها في رأس لفان - أحد أكبر مراكز صناعة الغاز المسال عالمياً- للهجوم. كما شهدت مصفاة رأس تنورة في السعودية تعطّلًا في الإنتاج بعد إصابتها بطائرة مسيّرة إيرانية. وبلغ التصعيد ذروته، مع توجيه إيران ضربات إلى منشآت الطاقة في قطر والسعودية، رداً على استهداف إسرائيل لحقل "بارس" الإيراني، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط. وقد أثارت الضربة الإسرائيلية، التي طالت إحدى أكبر منشآت الغاز في العالم، إدانات من قطر والإمارات ومصر وسلطنة عُمان، لما تمثله من تهديد مباشر لإمدادات الطاقة العالمية، فضلاً عن مخاطرها على البيئة وأمن الملاحة والمنشآت الحيوية. 


إضافة لذلك، فقد أدى الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز إلى تعطل الملاحة وتكدس الشحنات في موانئ بعيدة عن الشرق الأوسط، فضلاً عن خسارة منتجي النفط في الخليج بنحو 15.1 مليار دولار من إيرادات الطاقة، مع شبه توقف للتدفقات عبر المضيق وتراكم ملايين البراميل من الخام في انتظار المرور. كما تراجعت معظم أسواق الأسهم الخليجية، حيث أثّر الصراع الإيراني سلباً على معنويات المستثمرين، وأدى إلى عزوفهم عن المخاطرة. 


وطالت هذه التداعيات قطاعات حيوية أخرى، منها إغلاق المجال الجوي إلى إلغاء شركات الطيران حوالي 40 ألف رحلة، في أكبر اضطراب يعصف بحركة الطيران العالمية منذ جائحة كوفيد-19. ووفقاً لتقديرات، فقد خسر طيران الإمارات وحده حوالي مليار دولار في أول أسبوع من الحرب، في ظل نيل الإمارات للحصة الأكبر من الضربات الإيرانية، التي طالت الفنادق والبنى التحتية للطرق والمطارات. في الوقت نفسه، تأثرت السياحة في الخليج بشدة، الأمر الذي يهدد بخسائر تُقدّر بعشرات مليارات الدولارات في حال استمرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، خصوصاً وأن دول الخليج عملت لسنوات على ترسيخ صورتها كوجهة آمنة للسياح الباحثين عن الرفاهية.


رابعاً: التحالفات والترتيبات الأمنية


تعزز الضربات الإيرانية الأخيرة على دول الخليج، من فرص واشنطن لإعادة طرح مشاريع بناء منظومة أمن إقليمي في الشرق الأوسط، تقوم على تعميق الشراكة العسكرية والأمنية في مواجهة التهديدات الإيرانية. إلا أنّ هذه المساعي تصطدم بحالة من الحذر الخليجي حيال مدى موثوقية الالتزامات الأمنية الأمريكية. فقد أشارت تقارير مؤخراً، إلى أنّ السعودية والإمارات والكويت وقطر، دخلت حالياً في مناقشات رفيعة المستوى بشأن إجراء مراجعة لعددٍ من عقودها واتفاقياتها مع الولايات المتحدة، والتي تطال مجالات متعدّدة تشمل المشتريات الدفاعية والطاقة والبنية التحتية. وتعكس هذه الخطوة توجهاً أشمل يحرص من خلاله القادة الخليجيون على تنويع شراكاتهم الاستراتيجية بدلاً من الاعتماد بالكامل على شريك واحد لضمان أمن دولهم. 


ومن النتائج اللافتة للهجوم الإيراني أيضاً، أنه أوقف مؤقتاً الصراع الناشئ بين السعودية والإمارات على خلفية تطورات الأحداث العسكرية في جنوب اليمن أواخر عام 2025. إذ سعت الرياض خلال الفترة الماضية نحو بحث تشكيل تحالفات استراتيجية جديدة تشمل تركيا وباكستان من جهة، ومصر والصومال من جهة أخرى، ما يُعد أحد أهم أولوياتها في إعادة ترتيب النظام الإقليمي وتعزيز نفوذها في المنطقة وتقليل التأثير الإماراتي. في مقابل ذلك، وقعت الإمارات والهند عدداً من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، بهدف تعزيز التعاون المشترك وتطويره على مختلف الصعد، فيما وقعت قطر اتفاقيات دفاعية مع جمهورية سنغافورة بقيمة 1.5 مليار ريال قطري، ضمن جهود تعزيز التعاون العسكري بين البلدين. وهذا الأمر في محصلته، يعكس حدة التنافس الخليجي في تقوية النفوذ عبر الشراكات الاستراتيجية الخارجية.


وبالمثل، كثفت مصر اتصالاتها مع دول الخليج، لبلورة رؤية واضحة لترتيبات إقليمية وأمنية جديدة عقب انتهاء الحرب، وفي مقدمتها تشكيل "قوة عربية مشتركة"، لضمان صون الأمن القومي العربي، وحماية مقدرات دول الإقليم من أية تهديدات مستقبلية.


رغم ذلك، سيظل التعويل على إعادة تشكيل المنطقة بناءً على التفوق العسكري وحده في سياق الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، دون رؤية سياسية واضحة تؤسس لبيئة أمنية مستقرة في الخليج، رهاناً محدوداً. وحتى الجهود الرامية إلى توسيع "اتفاقيات إبراهام"، التي يُنظر إليها أحياناً كضمان للاستقرار الإقليمي، باتت مستهلكة في ظل غياب حلول جدية للقضية الفلسطينية. لذا، قد تتشكل تدريجياً ملامح بنية إقليمية جديدة تعكس تحولات القوى العربية والخليجية واتجاهاتها السياسية ومصالحها الاقتصادية في المنطقة نحو مسارات مختلفة. 

 

خامساً: تأثير القوى الإقليمية والدولية


في سياق الحرب الجارية في المنطقة، وعلى الرغم من دعوة الاتحاد الأوروبي وبريطانيا إلى احترام القانون الدولي، وتوجيه انتقادات للنظام الإيراني في الوقت نفسه، لم تتطور هذه المواقف بعد إلى استراتيجية مشتركة واضحة، إذ لا تزال الدول الأوروبية منقسمة بشأن الطريقة الأنسب للتعامل مع تداعيات الحرب. وعلى النقيض من ذلك، اتسمت المواقف الصينية والروسية بالدعوة إلى التهدئة ووقف التصعيد الفوري، وقد صوتتا بالحياد تجاه مشروع قرار قدمته مملكة البحرين باسم دول مجلس التعاون الخليجي لوقف جميع الهجمات الإيرانية. وهو ما يعكس بوضوح أنّ للخليج الحق في التنديد والرفض لهذه الاعتداءات، لكن من حق إيران أيضاً الرد على الاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية. 


في هذا الإطار، تحاول الدول الشرقية المحافظة على مصالحها النفطية والجيوسياسية في منطقة الخليج، وتجنب أي انخراط مباشر في الصراع، فالشاغل الأهم بالنسبة لبكين على سبيل المثال، يتمثل في حماية الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز والبحر الأحمر، الذي تمر منه تدفقات الطاقة إلى آسيا. أما موسكو، فهي تدرك جيداً أن أي تدخل مباشر منها إلى جانب إيران يعني مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مما يرفع احتمالات اندلاع صراع شامل في المنطقة.


من جانبها، تعارض الحكومة التركية بشدّة الحملة العسكرية الأمريكية - الإسرائيلية ضد إيران، وتسعى لفتح الطريق أمام الحلول الدبلوماسية. وهذا الأمر لا يعني اصطفافها سياسياً مع طهران، فعلى العكس، قد تُفضل أنقرة أن تبقى إيران أضعف وأكثر انكفاءً داخل حدودها. وهو موقف لا يختلف عن مصر، التي أدانت بشكل قاطع ورفضت بشكل مطلق استهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق، ورغم ذلك واجهت انتقادات إعلامية وأكاديمية خليجية واسعة، عن إمكانية اتخاذها لمواقف أكثر حزماً ودعماً لدول الخليج في هذه الأزمة.


خيارات الخليج بعد الحرب


بناءً على ما سبق من عرض للقضايا الأمنية، يبدو أن أمام دول الخليج الست خياران محتملان، وهما كالتالي:


الأول: تعزيز التحالفات الدفاعية والاستراتيجية


قد تدفع تداعيات الحرب دول الخليج إلى تعزيز تعاونها العسكري والأمني مع الولايات المتحدة وشركاء آخرين، مع التركيز على حماية أراضيها وممرات الطاقة الحيوية. هذا السيناريو أو الخيار؛ يتضمن تنويع الشراكات الاستراتيجية، تكثيف الاستثمارات الدفاعية، وتطوير منظومات الردع المشتركة، في محاولة لتفادي الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة فقط من أجل ضمان مستوى من الأمن الإقليمي المستدام.


الثاني: استمرار الانكفاء الإقليمي


في ظل عدم موثوقية الالتزامات الأمريكية وغياب أجندة سياسية واضحة، ستختار دول الخليج الاستمرار في الابتعاد عن أي انخراط مباشر في النزاع، مع التركيز على إدارة التداعيات الداخلية والخارجية بشكل مستقل. يتضمن هذا الخيار التعامل مع مخاطر إقليمية محتملة، مثل نشاط وكلاء إيران أو الجماعات المصنفة إرهابياً، والتخطيط لمواجهة أي تغييرات مفاجئة في النظام الإيراني بعد انتهاء الحرب، مع الحفاظ على مصالحها النفطية والاستقرار الاقتصادي. 


في المحصّلة، تتوفر لدول الخليج أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الحرب التي أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل تمس مباشرة مصالحها الاستراتيجية دون أي تشاور جدي معها. وفي ظل هذه المعطيات، تدرك حكومات الخليج أهمية الحفاظ على مسافة آمنة من الصراع، مع إدراكها أن مرحلة ما بعد الحرب ستفرض عليها مواجهة التداعيات الإقليمية بمفردها، في ظل مستقبل إيراني لا يزال يكتنفه الغموض وعدم اليقين.


فريدة أحمد
المديرة التنفيذية لمركز سوث24 للأخبار والدراسات

Shared Post
Subscribe

Read also