اعتصام جماهيري جنوبي في ساحة العروض بالعاصمة عدن، 07 يناير 2025 (مركز سوث24)
Last updated on: 13-01-2026 at 6 PM Aden Time
"في لحظة إقليمية ودولية تتكاثف فيها الضغوط لإعادة هندسة مسار السلام في اليمن، تبدو قضية الجنوب اليوم أكثر حضورًا من أي وقت مضى.."مركز سوث24 | عبد الله الشادلي
في الوقت الذي تكثّف فيه الأمم المتحدة جهودها لإعادة إطلاق مسار السلام في اليمن وخفض منسوب التصعيد العسكري، يتصاعد في جنوب اليمن مسار سياسي موازٍ يعكس تحوّل قضية الجنوب من ملف مؤجل إلى معادلة مركزية في مستقبل الاستقرار. فالحراك الشعبي المتسارع في مدن الجنوب، والمطالب المتصاعدة باستعادة الدولة، والتطورات العسكرية والأمنية الأخيرة في حضرموت والمهرة، كلها مؤشرات على أن تجاهل تطلعات الجنوبيين لم يعد خيارًا قابلًا للاستمرار في أي مقاربة دولية تبحث عن تسوية مستدامة.
هذا المشهد المعقّد يضع الجهود الأممية أمام اختبار حقيقي. فبين دعوات التهدئة والانخراط في مسار سياسي شامل، وبين واقع ميداني يتجه نحو إعادة رسم موازين القوى، تبرز مخاوف متزايدة من أن إدارة الأزمة تحركات بيانات دبلوماسية عامة أو ترتيبات مؤقتة لن تؤدي إلى سلام دائم، بل قد تعيد إنتاج دوائر الصراع في صيغة أكثر تعقيدًا.
اقرأ المزيد: خارطة تفاعلية أسبوعية: تطورات أمنية وعسكرية غير مسبوقة في اليمن
المشهد الراهن
لم يعد الحراك الجنوبي الشعبي في الأسابيع الأخيرة مجرد تعبير احتجاجي عابر، بل تحوّل إلى مشهد سياسي مكتمل الأركان بالتوازي مع متغيرات عسكرية متسارعة وغير مسبوقة. فمنذ مطلع ديسمبر، شهدت مدن رئيسية في جنوب اليمن موجة واسعة من الاعتصامات المفتوحة والوقفات الجماهيرية المتواصلة، امتدت من عدن إلى حضرموت والمهرة وسقطرى، بالتوازي مع تحركات مماثلة في عواصم خارجية، بموازاة قفزة في العمل السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي تأسس في 2017 كوريث للحراك الجنوبي.
وركزت الاعتصامات الجماهيرية على بناء حالة تضامن تاريخية خلف القوات المسلحة الجنوبية عقب تنفيذ عملية “المستقبل الواعد” في حضرموت والمهرة، إلى جانب تصاعد المطالب الشعبية المرفوعة في الساحات بإعلان استعادة دولة الجنوب العربي. قبل أن تشهد الساحة العسكرية حالة معكوسة انتهت بخروج القوات الجنوبية من المحافظتين تحت ضغط الغارات السعودية مع مطلع العام الحالي، وتراجع المجلس الانتقالي الجنوبي وصوًلا إلى إعلان حله من الرياض في 9 يناير الجاري من قبل وفد رفيع من قيادات المجلس.
اقرأ المزيد: جنوب اليمن عند مفترق التحولات: هندسة النفوذ ومآلات المرحلة
وبالتوازي مع الضربات الجوية السعودية ضد القوات الجنوبية، اتخذ رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي سلسلة قرارات من العاصمة السعودية الرياض، شملت إعلان حالة الطوارئ وفرض قيود على المنافذ والموانئ الجنوبية. وصولًا إلى إسقاط عضوية مجلس القيادة الرئاسي عن عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يعد على نطاق واسع رمزًا للنضال الجنوبي نحو الاستقلال واستعادة الدولة.
في المقابل، فتحت السعودية مسارًا لحوار جنوبي - جنوبي في الرياض، لمناقشة القضية الجنوبية والحلول العادلة لها. وهي خطوة متقدمة على مستوى دولي، لكنها أثارت المخاوف لدى الجنوبيين نظرًا للسياق الحالي المرتبط بتفكيك المجلس الانتقالي والقصف الجوي الذي أدى لمقتل وإصابة العشرات من أفراد القوات الجنوبية، بما في ذلك القصف الذي استهدف محافظة الضالع قبل أيام.
وتزامنت هذه التطورات مع تجدد الدعوات الأممية لخفض التصعيد وإحياء المسار السياسي. ففي 24 ديسمبر، جدّد مجلس الأمن الدولي دعمه لجهود المبعوث الخاص للأمم المتحدة، داعيًا الأطراف اليمنية إلى الانخراط في مسار سياسي يفضي إلى سلام دائم، ومؤكدًا أن استمرار التصعيد العسكري لا يفتح أفقًا حقيقيًا للحل.
بين المشروعية ومخاطر التجاهل
يظل جوهر الأزمة في الجنوب مرتبطًا بسؤال سياسي لم يُحسم منذ أكثر من ثلاثة عقود: ما هو مستقبل الجنوب، وما هو الحل لقضيته الناتجة عن فشل مشروع الوحدة الاندماجية وحرب 1994؟ ففي الوقت الذي يجري فيه اختزال هذه القضية أحيانًا في أبعاد معيشية أو حقوقية، يؤكد خبراء في القانون الدولي وسياسيون جنوبيون أن ما يجري على الأرض يعكس قضية تقرير مصير مكتملة الأركان، لا مجرد مظلومية إدارية أو أزمة تمثيل.
وترى الخبيرة في القانون الدولي رشا جرهوم أن المقاربات الدولية التي تتعامل مع القضية الجنوبية بوصفها ملفًا حقوقيًا أو معيشيًا فقط تمثل اختزالًا مخلًا بجوهرها السياسي والقانوني. وتؤكد أن “القضية الجنوبية ليست أزمة خدمات أو مطالب إدارية، بل قضية شعب له خصوصية تاريخية وقانونية يسعى لتحديد مستقبله السياسي وفق إرادته الحرة”.
وتوضح جرهوم لمركز سوث24 أن حق تقرير المصير “حق أصيل منصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان”، مشيرة إلى أن هذا الحق يمنح الشعوب حرية تحديد وضعها السياسي ومواصلة تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية دون إكراه أو وصاية. ووفقًا للفقه القانوني الدولي، فإن تقرير المصير لا يقتصر على الصيغ الداخلية مثل الحكم الذاتي أو الفيدرالية، بل يمتد إلى ما يُعرف بـ”تقرير المصير الخارجي” عندما تُغلق مسارات الحل الداخلي أو تقترن العلاقة السياسية بانتهاكات جسيمة وإقصاء ممنهج.
وفي هذا السياق، تشير جرهوم إلى أن القانون الدولي أقرّ ما يُعرف بـ”الانفصال العلاجي” بوصفه استثناءً مشروعًا عندما تفشل الدولة في تمكين شعب من ممارسة حقوقه السياسية، أو عندما تتحول العلاقة إلى عبء قهري لا يستند إلى الرضى المتبادل. وترى أن المعالجات السياسية التي طُرحت منذ عام 2009، مرورًا بوثيقة الإنقاذ الوطني ومؤتمر الحوار الوطني، لم تستوفِ الحد الأدنى من شروط تقرير المصير الداخلي، إذ جرى الاعتراف بوجود قضية جنوبية دون ترجمة ذلك إلى ضمانات دستورية ملزمة.
وتلفت إلى أن نموذج الدولة الاتحادية متعددة الأقاليم الذي طُرح في مسودة الدستور قُدّم كترتيب إداري عام، دون الاعتراف بالجنوب كوحدة سياسية ذات خصوصية تاريخية وقانونية، ودون تحصين صلاحياته بضمانات تحول دون التراجع عنها. كما أن تقسيم الجنوب إلى أكثر من إقليم أضعف قدرته على التعبير عن نفسه كجماعة سياسية واحدة، وأفرغ مفهوم تقرير المصير الداخلي من مضمونه عبر تحويله من حق سياسي جماعي إلى ترتيبات إدارية مجزأة.
من جانبه، يقدّم السياسي والمناضل الجنوبي د. عبده المعطري مقاربة تاريخية–سيادية للقضية الجنوبية، مؤكدًا لمركز سوث24 أن الجنوب لم يكن كيانًا طارئًا أو تجربة سياسية عابرة، بل دولة ذات سيادة كاملة وعضوًا في المنظمات الدولية قبل وحدة عام 1990. ويرى أن المطالبة باستعادة الدولة لا تستند إلى نزعة انفصالية مستحدثة، بل إلى واقع تاريخي وقانوني لدولة دخلت في وحدة فاشلة بين دولتين.
ويؤكد المعطري أن محاولات حصر القضية الجنوبية في إطار معيشي أو حقوقي تمثل تشويهًا متعمدًا لجوهرها السياسي، مشددًا على أن المطالب الشعبية المرفوعة اليوم في الساحات من عدن إلى المهرة وسقطرى ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لنضال سياسي بدأ منذ حرب 1994 وتكرّس مع انطلاق الحراك الجنوبي في عام 2007. وبرأيه، فإن الجنوب يعيش اليوم مرحلة إعداد وتهيئة لإعلان الدولة، في سياق تحولات إقليمية ودولية أوسع.
وتحذّر رشا جرهوم من أن تجاهل المطالب الجنوبية لا يهدد فقط فرص السلام، بل يكرّس حالة عدم الاستقرار ويُبقي اليمن رهينة نزاع مفتوح. وترى أن هناك فرصة حقيقية اليوم لتحقيق سلام مستدام عبر تخصيص مسار تفاوضي واضح لقضية الجنوب، يبدأ ضمن إطار الشرعية ثم يُدمج لاحقًا في مسار السلام الشامل.
وتؤكد جرهوم أن المعالجة السياسية العادلة لقضية الجنوب تمثل الطريق الأقصر للاستقرار، بدل إدارة الأزمة عبر ترتيبات مؤقتة تُستخدم لاحقًا كقرينة على انتهاء القضية.
سلام بلا جنوب؟
في لحظة إقليمية ودولية تتكاثف فيها الضغوط لإعادة هندسة مسار السلام في اليمن، تبدو قضية الجنوب اليوم أكثر حضورًا من أي وقت مضى، حيث تتزايد المؤشرات على أن الجنوب لم يعد يقف على هامش المشهد، بل في قلبه.
وإذا كانت الأمم المتحدة قد نجحت خلال السنوات الماضية في إدارة النزاع عبر صيغ احتواء مؤقتة، وعبر نافذة الانقلاب والشرعية، فإن المرحلة الراهنة تضعها أمام اختبار مختلف: الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها. فسلام يتجاهل تطلعات شعب يطالب بتحديد مستقبله السياسي لن يكون سوى هدنة هشة، قابلة للانهيار مع أول اهتزاز ميداني أو سياسي.
Previous article