التحليلات

من معركة لاستعادة الدولة إلى حرب طائفية: مخاطر الزج بقوات سورية في اليمن

يشارك أفراد من لواء خالد، التابع لهيئة تحرير الشام، في عرض عسكري بدمشق، سوريا، 27 ديسمبر 2024، عقب الإطاحة ببشار الأسد. رويترز/أحمد جاد الله

12-10-2026 الساعة 8 مساءً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | فريدة أحمد


تتواصل العمليات العسكرية التي تقودها القوات الجنوبية وعلى رأسها ألوية العمالقة الجنوبية على امتداد الساحل الغربي وباب المندب بدعم جوي سعودي، وبمشاركة قوات من درع الوطن وهي مشاركة تكتسب أهمية مضاعفة في ظل الانسحاب الصادم لقوات المقاومة الوطنية بقيادة العميد طارق صالح من المنطقة في منتصف سبتمبر الماضي. غير أن هذا الزخم على الجبهة الغربية لم ينعكس على بقية محاور القتال؛ إذ لم تحقق القوات الحكومية حتى الآن تقدماً عسكرياً ملموساً في جبهات أخرى مثل مأرب والجوف. ويكشف هذا التباين عن تفاوت واضح في مستوى النشاط والفاعلية بين محاور العمليات، ويثير تساؤلات جدية حول قدرة القوات المناهضة للحوثيين على إدارة جبهات متزامنة وتحقيق اختراقات على أكثر من محور في آن واحد.


ويتزامن هذا التفاوت العسكري مع مؤشرات على أن المملكة العربية السعودية تدرس توسيع نطاقها وإشراك قوى جديدة فيها. فقد نقل موقع "أكسيوس" عن ثلاثة مسؤولين أمريكيين أن الرياض ودمشق تجريان محادثات حول احتمال إرسال قوات سورية إلى اليمن للمشاركة في الهجوم المضاد ضد الحوثيين. ورغم نفي الجانب الرسمي السوري وجود أي تحرك لقوات سورية باتجاه اليمن، إلا أنه أكد أن أي تعاون عسكري مع الدول الشريكة لن يتم إلا عبر القنوات الرسمية والأطر الثنائية القائمة.


تتناول هذه الورقة المخاطر المحتملة لمشاركة قوات سورية في الحرب الدائرة في اليمن، وفي مقدمتها احتمال إضفاء بُعد طائفي أو ديني على الصراع. فمن شأن هذه المشاركة أن تزيد المشهد اليمني تعقيداً، وأن تفتح الباب أمام مخاطر أمنية في جنوب اليمن تحديداً، بالنظر إلى وجود خلايا نائمة لتنظيمات "متطرفة" انخرطت في الصراع سابقا بسوريا، قد تجد في هذا التحول ذريعة لإعادة تنشيط حضورها في الساحة اليمنية. كما قد تمنح هذه الخطوة جماعة الحوثي أدوات إضافية لتعبئة أنصارها وتصوير المعركة باعتبارها مواجهة طائفية، بدلاً من كونها معركة عسكرية وسياسية تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة والمناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.


دوافع الرياض في البحث عن قوى خارجية


تطرح المؤشرات المتعلقة بسعي الرياض إلى توسيع دائرة المشاركين في العملية العسكرية تساؤلاً حول الدوافع الكامنة وراء هذا التوجه غير المعلن حتى الآن، ويمكن ردّها إلى جملة من الاعتبارات العملية والسياسية. فمن جهة، تبرز الحاجة إلى قوات برية إضافية قادرة على تعزيز الزخم العسكري وتثبيت المكاسب في الجبهات المفتوحة، لا سيما مع اتساع رقعة المواجهات وتعدد محاورها في أكثر من جبهة. ومن جهة أخرى، تحرص المملكة على تجنب الزج بقواتها البرية بشكل مباشر في المعارك، تفادياً للكلفة البشرية والسياسية التي قد تترتب على ذلك داخلياً وخارجياً. ويأتي هذا التوجه رغم أن القوات اليمنية المحلية تمتلك من القدرات ما يؤهلها لفتح جبهات متزامنة وإدارة معارك متعددة في آن واحد، متى ما توفر لها الدعم التسليحي اللازم والغطاء الجوي الكافي، وهو ما يشير إلى أن الرهان على أطراف خارجية لا يرتبط بعجز ميداني محلي بقدر ما يرتبط بحسابات مختلفة.


ولعل أحد أبرز هذه الحسابات يتمثل في تراجع ثقة الرياض ببعض الأطراف المحلية الفاعلة في جبهات أخرى، ولا سيما في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً في تعز ومأرب والجوف. إذ شهدت هذه الجبهات في مراحل سابقة انسحابات متكررة لوحدات من الجيش أمام الحوثيين، أدت إلى سقوط مناطق واسعة بيد الجماعة الدينية، وهو ما يغذي مخاوف سعودية من تكرار سيناريو الانسحاب والتسليم في حال الاعتماد على هذه القوات وحدها. وتُعد تجربة مديريات غرب شبوة الثلاث (عسيلان وبيحان وعين) مثالاً بارزاً على ذلك؛ إذ تعرضت لانتكاسة عسكرية كبرى في سبتمبر 2021، حين سقطت في قبضة جماعة الحوثي، وكانت آنذاك تحت هيمنة قيادات موالية لحزب الإصلاح المحسوب على جماعة "الإخوان المسلمين" في اليمن. ولم تُستعد هذه المديريات إلا بعد تدخل ألوية العمالقة الجنوبية مطلع عام 2022. كما شهدت بعض الجبهات في مأرب تراجعاً عسكرياً كبيراً وتطويق باتجاه الشمال مع الجوف في 2021، ووجهت اتهامات لقادتها في الحكومة المعترف بها بتسليمها للحوثيين. ويبدو أن مشاهد الانسحاب من مواقع استراتيجية تتكرر راهناً في جبهات تعز؛ وسط اتهامات مشابهة لقوات مرتبطة بحزب الإصلاح بفتح ثغرات ميدانية أمام ميليشيا الحوثي، خصوصا ما يعرف بمحور طور الباحة العسكري.


ويزداد هذا الاعتبار وضوحاً بالنظر إلى أن القوات الجنوبية هي التي تتصدر قيادة المعارك على الأرض في الجبهات الغربية حتى الآن، وقد حققت تقدماً فعلياً واستعادت كثيراً من المناطق التي سقطت مؤخراً بيد الحوثيين منها أجزاء واسعة من باب المندب ومناطق قريبة من جزيرة ميون. ويُضاف إلى ما سبق دافع أمني مباشر يتصل بالداخل السعودي، يتمثل في تصاعد المخاطر الناجمة عن الهجمات الصاروخية الحوثية على منشآت حيوية ذات أثر اقتصادي، مثل استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض مؤخراً، في تصعيد يُعد الأكبر من نوعه. هذا التطور قد يسهم في تقليص هامش الخيارات السياسية أمام الرياض، بحيث لم تعد العودة إلى هدنة أو تهدئة مع الجماعة الحوثية خياراً مقبولاً على المدى المنظور، ما يدفع نحو حسم عسكري شامل على أكثر من جبهة في اليمن.


كيف يمكن أن يُعاد تأطير الصراع في اليمن على أساس طائفي؟


بدون شك ستسعى الجماعة الحوثية إلى توظيف أي مشاركة لقوات سورية في المعارك، وتحويلها إلى مادة تعبوية لحشد السكان في مناطق سيطرتها تحت شعار مواجهة "الدواعش" و"الجماعات المتطرفة". وهو خطاب ليس بجديد على الجماعة، إذ دأبوا منذ سنوات على وصم خصومهم بهذه التسميات، غير أن حضور قوات قادمة من سوريا سيمنحهم، للمرة الأولى، شاهداً ملموساً يسهل تسويقه؛ لا سيما أن من بين الوحدات المطروحة للمشاركة "الفرقة 84"، التي تضم في صفوفها مقاتلين أجانب يتجاوزون الـ 20 ألف مقاتل، وتواجه اتهامات بارتكاب عنف وانتهاكات ذات طابع طائفي في الساحل السوري في مارس 2025، وفي السويداء في يوليو من العام ذاته.


ويترتب على ذلك خطر إعادة تأطير الصراع برمّته في اليمن، من معركة سياسية وعسكرية لاستعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي، إلى مواجهة مذهبية وطائفية. ومن شأن هذا التحول أن يمنح الحوثيين مكاسب على أكثر من مستوى: فعلى المستوى الداخلي، يتيح لهم توسيع قاعدة التجنيد واستقطاب فئات قبلية واجتماعية ظلت حتى الآن على الحياد أو مترددة في الانخراط في القتال، بذريعة الدفاع عن الأرض والعقيدة في مواجهة ما يسمونه "الغزو الخارجي". وعلى المستوى الإقليمي، يعزز رواية الجماعة الدينية وحلفائها في المحور الإيراني بأن ما يجري في اليمن امتداد لصراع إقليمي ذي طابع طائفي، لا حرب لاستعادة الدولة. كما قد يُضعف ذلك موقف الحكومة المعترف بها أمام الرأي العام المحلي والدولي، إذ يصبح من الصعب الدفاع عن عدالة المعركة حين يُنظر إليها كحرب طائفية تخوضها قوات أجنبية لديها خلفيات أيديولوجية جهادية مثيرة للجدل.


أمر آخر أكثر أهمية في تفسير هذه الخطوة، يتصل بالترتيبات الأمنية في جنوب سوريا. إذ تطالب إسرائيل منذ سقوط نظام الأسد بجعل الجنوب السوري منطقة منزوعة السلاح بالكامل، وتنظر إلى انتشار وحدات الجيش السوري الجديد قرب هضبة الجولان كتهديد مباشر لأمنها، لا سيما أن هذا الجيش تشكّل في جزء كبير منه فصائل جهادية. وفي ظل رفض دمشق العلني لهذا المطلب، قد يوفر إرسال قوات متمركزة في الجنوب السوري إلى اليمن مخرجاً يحقق عملياً ما ترفضه دمشق سياسياً، أي إخلاء الجنوب السوري من التشكيلات العسكرية، ولكن تحت غطاء مقبول عربياً يُقدم كدعم للمملكة العربية السعودية، لا استجابة للضغوط الإسرائيلية.


كما قد يشكل بقاء مقاتلين أجانب بخلفيات متطرفة في صفوف الجيش السوري الجديد، عبئاً كبيراً على السلطة في دمشق، بالنظر إلى افتقارهم إلى أي ولاء وطني للدولة السورية، وإلى ما يثيره وجودهم من حرج دولي في ظل الاتهامات الموجهة لبعض وحداتهم بارتكاب انتهاكات. ومن ثمّ، فإن نقلهم إلى جبهة بعيدة كاليمن قد يبدو حلاً مناسباً للنظام السوري، يتيح له التخلص من هذا العبء دون الدخول في مواجهة مباشرة معهم. ولا يبدو أن واشنطن تعارض هذا التوجه من حيث المبدأ، وفقاً لما اقترحه مسؤولين أمريكيين عن موقع "أكسيوس". كما أن من شأن إرسال قوات سورية للقتال إلى جانب المملكة أن يمنح دمشق حضوراً إقليمياً فاعلاً، ويقدمها كشريك أمني موثوق لدى الرياض وواشنطن، بما يعزز موقعها التفاوضي في ملفات أخرى، خاصة بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها، ما سيسمح بتدفق الاستثمارات الخليجية في إعادة الإعمار وغيرها.


من المهم الإشارة أيضاً لغياب موقف تركيا الرسمي من مقترح إرسال قوات سورية إلى اليمن، على الرغم من أن أنقرة كانت قد عارضت في وقت سابق من هذا العام فكرة إشراك الجيش السوري في مواجهة حزب الله في لبنان، التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرة أنها ستزيد الوضع اشتعالاً وتمنح إسرائيل مبرراً إضافياً لسياساتها التوسعية. ويمكن تفسير هذا الصمت إلى اعتبارات "اتفاق مكة للدفاع المشترك" الذي وقعته تركيا مع السعودية وباكستان في السابع من أغسطس 2026، والذي باتت أنقرة بموجبه شريكاً أمنياً للرياض، دون إرسال قوات عسكرية تركية لشن عمليات هجومية ضد الحوثيين، في ظل التزام يقتصر على الجوانب الدفاعية والتقنية والتدريب.


انعكاسات المشاركة على الداخل اليمني والإقليم


تحمل مشاركة قوات أجنبية ذات خلفيات أيديولوجية جهادية في معركة استعادة الدولة اليمنية، التي تخوضها الحكومة المعترف بها دولياً بدعم سعودي ضد ميليشيا الحوثيين، على مخاطر بعيدة المدى قد تتجاوز مكاسبها العسكرية الآنية. وتتمثل أولى هذه المخاطر في مصير هذه القوات بعد انتهاء مهمتها؛ إذ إنّ خروجها من سوريا قد يكون بلا عودة، لا سيما أنها تضم مقاتلين من جنسيات مختلفة لا تربطهم بالدولة السورية روابط وطنية، ولا ترغب دمشق، كما سبقت الإشارة، في استعادتهم. وبذلك، قد يجد اليمن نفسه أمام كتلة من المقاتلين المدربين ذوي التوجهات الجهادية والمتطرفة، المقيمين على أراضيه دون أفق واضح لمستقبلهم.


ويتصل بذلك خطر ثانٍ، يتمثل في احتمال التحام هذه العناصر بالخلايا النائمة لتنظيمي القاعدة وداعش في اليمن، بما قد يسهم في إعادة إحياء هذه التنظيمات وتنشيط دورها بعد سنوات من التراجع. ويكتسب هذا الخطر بُعداً خاصاً في محافظات جنوب اليمن، التي شكّلت منذ حرب 1994 بيئة رئيسية لنشاط هذه الجماعات رغم المعارك التي خاضتها ضدها القوات المسلحة الجنوبية لسنوات، ولا سيما أبين وشبوة وحضرموت، إذ تحضر في أدبيات هذه الجماعات مرجعيات دينية تمنح هذه المنطقة مكانة رمزية، كالرواية المنسوبة إلى النبي محمد: "يخرج من عدن أبين اثنا عشر ألفاً ينصرون الله ورسوله"، التي وظّفتها هذه التنظيمات لعقود في خطابها التعبوي.


ولن تقتصر تداعيات ذلك على الداخل اليمني، بل ستمتد مع الوقت لتشكل تهديداً مباشراً لدول الجوار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان، فضلاً عن تهديد أمن الملاحة في خليج عدن ومضيق باب المندب، وتعزيز احتمالات التواصل بين الجماعات المتطرفة على ضفتي البحر الأحمر في اليمن والقرن الأفريقي. وبذلك، قد تتحول خطوة يُراد بها حسم المعركة ضد الحوثيين إلى مصدر لتهديد إقليمي مزمن على مستويات متعددة.


في المحصّلة، تكشف المعطيات الراهنة أن مقترح الاستعانة بقوات سورية في الحرب ضد الحوثيين، الذي لم يُعلن عنه رسمياً حتى الآن، يحمل في طياته مخاطر تفوق بكثير مكاسبه الراهنة، فالقوات المطروحة للمشاركة لا تمثل جيشاً نظامياً بالمعنى التقليدي، بل تضم مقاتلين أجانب ذوي خلفيات جهادية متطرفة، تسعى دمشق إلى التخلص منهم، وتلاحقهم اتهامات بارتكاب انتهاكات. كما أن دوافع إرسالهم قد ترتبط بحسابات سورية داخلية وترتيبات أمنية إقليمية أكثر من ارتباطها بأولويات معركة استعادة الدولة في اليمن. وبذلك، فإن الأخيرة قد تتحمل وحدها كلفة هذا الأمر على المدى البعيد.


وتقع على الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً مسؤولية مباشرة في التعامل بحذر بالغ مع أي مقترحات من هذا النوع، سواء قُدمت أو فُرضت عليها، إذ إن قبولها سيمنح جماعة الحوثي فرصة نادرة لإعادة تأطير الصراع كمواجهة طائفية، ويقوّض الأساس السياسي والقانوني الذي تستند إليه الحكومة في معركتها لاستعادة الدولة. وتبقى محافظات جنوب اليمن الأكثر عرضة لتداعيات هذه الخطوة؛ فقد خاضت القوات المسلحة الجنوبية لسنوات معارك مكلفة ضد تنظيمي القاعدة وداعش، ونجحت في تقليص حضورهما بصورة كبيرة، وهو إنجاز قد يتبدد إذا ما استقرت على أراضيها كتلة من المقاتلين الأجانب، بلا وطن يعودون إليه ولا أفق لمستقبلهم.

 

لذا، لا بد من رفض إشراك أي قوات أجنبية جهادية في المعارك داخل اليمن، وإعلان موقف واضح من الحكومة المعترف بها والقوى الجنوبية السياسية والعسكرية بهذا الشأن قبل أن يتحول المقترح إلى أمر واقع. ومن المهم كذلك توجيه الدعم الإقليمي نحو القوات المحلية في الجنوب والشمال، عبر تعزيز تسليحها وتوفير الغطاء الجوي لها، بدلاً من البحث عن بدائل خارجية، إلى جانب إيضاح المخاطر بعيدة المدى لهذه الخطوة على أمن دول الجوار، وأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. إذ إن أي مكسب عسكري سريع يتحقق على حساب ذلك قد يتحول إلى عبء ثقيل يدفع اليمن، وجنوبه تحديداً، ثمنه لسنوات طويلة.


المديرة التنفيذية لمركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا