مقاتل جنوبي من أبناء قبائل الصبيحة يشارك في معارك التصدي للحوثيين على حدود محافظة لحج (صورة متداولة عبر الإنترنت، محسنة بواسطة الذكاء الاصطناعي)
آخر تحديث في: 01-10-2026 الساعة 6 مساءً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | عبد الله الشادلي
أعادت المواجهات الأخيرة في لحج ومحيط باب المندب طرح السؤال بشأن موقع القوات الجنوبية في معادلة الحرب والسياسة في اليمن. فبعد تقدم الحوثيين في الساحل الغربي وتراجع القوات الموالية للحكومة اليمنية، وجدت القوات الجنوبية نفسها مجددًا أمام مسؤولية وقف تقدم الجماعة وحماية الجنوب، فيما تخدم نتائج قتالها أيضًا موقع الحكومة المعترف بها دوليًا ومصالح السعودية في مواجهة الحوثيين.
هذه ليست المرة الأولى التي يتجاوز فيها أثر القتال الجنوبي حدود الدفاع المباشر عن مناطقه. فمنذ 2015، استطاعت المقاومة الجنوبية، التي مثلت نواة القوات الجنوبية لاحقًا، طرد الحوثيين وقوات علي عبد الله صالح المتحالفة معهم من محافظات الجنوب، ثم شاركت في معارك خارج حدوده، وأصبحت من أبرز القوى العسكرية في المعسكر المناهض للجماعة. لكن هذا الدور، وما رافقه من تضحيات، لم ينتج نفوذًا سياسيًا موازيًا بصورة مستقرة، وظلت هناك فجوة بين القوة الموجودة على الأرض والقدرة على التأثير في قرارات الحرب والتفاوض وترتيبات مستقبل الجنوب.
وقد أتاح دخول المجلس الانتقالي الجنوبي، بعد اتفاق الرياض (2019) ومشاورات الرياض (2022)، إلى الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي تقدمًا محدودًا في النفوذ الجنوبي داخل مؤسسات السلطة، من دون أن تتحول تلك المشاركة إلى شراكة متكافئة في صناعة القرار. ومع التحولات التي شهدتها السلطة مطلع عام 2026 وإخراج رئيس المجلس عيدروس الزبيدي ونائبه فرج البحسني من مجلس القيادة الرئاسي، وإقالة وزراء محسوبين على المجلس، تراجع حتى ذلك النفوذ المحدود، فيما استمرت القوات الجنوبية في تحمل أعباء المواجهة في الميدان.
ولا يجعل دفاع هذه القوات عن أرضها علاقتها بالحكومة أو السعودية قائمة على الامتنان، لكنه يطرح سؤالًا بشأن استمرار استفادة أطراف أخرى من نتائج قتالها، بينما يبقى تأثير القوى الجنوبية محدودًا في تحديد أهداف الحرب وصياغة التسويات.
يناقش هذا التقرير أسباب الفجوة بين الثقل العسكري الجنوبي والنفوذ السياسي، ومن يستفيد من استمرارها، وما الذي تحتاجه القوى الجنوبية لتحويل حضورها في الميدان إلى مشاركة فعلية في القرار، تضمن لها التأثير في مسار الحرب والتفاوض والترتيبات التي ستحدد مستقبل الجنوب.
دور مزدوج
تمثل معارك كهبوب والمضاربة في لحج مؤخرًا نموذجًا واضحًا لتداخل المصلحة الجنوبية مع مصلحة الحكومة والسعودية. فالدافع المباشر للقوات الموجودة هناك هو منع الحوثيين من التقدم نحو الجنوب، لكن نجاحها في ذلك يمنع الجماعة أيضًا من توسيع مكاسبها على حساب المعسكر المناهض لها، ويحدّ من التداعيات الأمنية والاستراتيجية لتقدمها بالقرب من باب المندب. وهكذا، يتجاوز أثر الدفاع عن الجنوب حماية مناطقه إلى تثبيت موقع الحكومة التي تراجعت قوات موالية لها في الساحل الغربي.
ويعود هذا الدور إلى السنوات الأولى للحرب. فقد تشكلت غالبية القوات الجنوبية في سياق مواجهة الحوثيين والتنظيمات المتطرفة، ثم توسعت مشاركتها خارج نطاق محافظاتها في مراحل مختلفة. وبرز ذلك خصوصًا في الساحل الغربي، حيث دفعت ألوية العمالقة أثمانًا بشرية كبيرة في معارك امتدت حتى أطراف الحديدة. وفي كل مرة، كانت نتائج القتال تعزز موقع المعسكر المناهض للحوثيين، بينما بقي تحويلها إلى نفوذ سياسي جنوبي مرتبطًا بترتيبات السلطة ومواقف الشركاء المحليين والإقليميين.
ويقول الخبير العسكري العقيد محسن ناجي مسعد لمركز سوث24 إن المعارك الأخيرة أثبتت أن القوات الجنوبية لم تعد تشكيلات أمنية محلية أو قوة هامشية، وإنما أصبحت تمثل وزنًا عسكريًا حقيقيًا في معادلة الصراع، خصوصًا في المواجهة الممتدة من لحج إلى تخوم باب المندب.
وأشار إلى أن ألوية العمالقة ودرع الوطن وتشكيلات أخرى تتحمل بصورة مباشرة عبء الدفاع عن مواقع استراتيجية وصد الهجمات الحوثية ومنع تقدمها، وهو ما تستفيد منه الحكومة عسكريًا حتى عندما يكون الدافع الأساسي لهذه القوات حماية الجنوب.
ومع استمرار المواجهات، بدأت التعبئة الجنوبية تتجاوز القوات النظامية الموجودة في الجبهات. ففي 29 سبتمبر، أعلن اتحاد قبائل الجنوب العربي إقرار تشكيل ثماني كتائب مقاومة من مديريات عدن لدعم الجبهات، بالتزامن مع مطالبته بتزويد جبهات الصبيحة بالأسلحة الثقيلة والإمدادات وربطها بغرفة عمليات مشتركة.
وتكشف هذه المطالب جانبًا من العلاقة بين العبء الذي تتحمله القوات والمجتمعات المحلية وبين الجهات المسؤولة عن الإمداد وإدارة العمليات. فالحاجة إلى حشد المقاتلين والدعم المجتمعي تتزامن مع مطالب بتوفير متطلبات القتال والتنسيق.
لماذا لا يوازي النفوذ السياسي الثقل العسكري؟
دخلت القوى الجنوبية خلال سنوات الحرب إلى مؤسسات الدولة، ووصل المجلس الانتقالي إلى الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي. وأتاح ذلك تقدمًا محدودًا في النفوذ الجنوبي، لكنه لم يؤسس لشراكة مستقرة توازي حجم الحضور العسكري والتضحيات. ثم جاءت تحولات مطلع عام 2026 لتقلص حتى تلك المكاسب.
ولم يؤدِّ تراجع موقع المجلس في السلطة إلى انتهاء حضور القوى الجنوبية في الميدان أو زوال مطالبها السياسية، لكنه أدى إلى زيادة نفوذ الأحزاب والقوى الشمالية داخل جسد الشرعية المعترف بها دوليًا رغم أنها فشلت في مقاومة مشروع الحوثيين في الشمال، حيث يسيطر الحوثيون على معظم جغرافيته اليوم باستثناء بعض المديريات في مأرب وتعز.
ويرى العقيد مسعد أن جزءًا من المشكلة يعود إلى أن القوات الجنوبية نفسها ظلت موزعة بين تشكيلات متعددة، ولم تتحول بصورة كاملة إلى مؤسسة عسكرية موحدة ذات تمثيل واضح في منظومة القرار.
وتختلف المرجعيات الرسمية لبعض التشكيلات العسكرية الجنوبية مثل قوات درع الوطن، فقرار إنشاء قوات درع الوطن عام 2023 جعلها احتياطيًا تحت إمرة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، ومنحه صلاحية تحديد مهامها ومسرح عملياتها. وقد استغلت السعودية تمويلها ونفوذها داخل قوات درع الوطن للدفع بها نحو حضرموت مطلع العام الجاري ضد القوات الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي، وسط معارضة قائد قوات درع الوطن بشير الصبيحي الذي أقيل لاحقًا من منصبه.
وقال المحلل السياسي الجنوبي نصر العيسائي لمركز سوث24 إن القوة العسكرية، مهما بلغت فاعليتها، لا تتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي، ما لم تستند إلى مشروع موحد ومؤسسات تفاوضية تستطيع ترجمة الواقع العسكري إلى نتائج سياسية.
وبحسب العيسائي، حققت القوات الجنوبية حضورًا أمنيًا وعسكريًا مهمًا، لكن تعدد القوى السياسية الجنوبية وتباين أولوياتها، إلى جانب ترتيبات السلطة والتحالفات الإقليمية، جعل تحويل هذا الحضور إلى نفوذ متناسب أكثر تعقيدًا.
وتظهر المفارقة أيضًا في الحكومة والمناصب العليا والسلك الدبلوماسي. ويرى العيسائي أنه يصعب اعتبار التمثيل الحالي انعكاسًا لموازين القوة السياسية والعسكرية على الأرض، مع تأكيده أن وزن أي مشروع سياسي لا ينبغي اختزاله في عدد الحقائب أو الوظائف التي يحصل عليها.
فالحكومة التي تشكلت في فبراير 2026 تضم مسؤولين جنوبيين، ويتولى شائع الزنداني الجنوبي فيها رئاسة الوزراء. لكن وجود شخصيات جنوبية في المناصب لا يكفي وحده لإثبات تمثيل المشروع السياسي الجنوبي أو ضمان تأثيره في القرار، خصوصًا أن كثيرًا من الجنوبيين في السلطة من خلفيات حزبية شمالية تعارض المشروع الوطني الجنوبي.
ويربط الصحفي والمحلل السياسي صلاح السقلدي هذه الفجوة أيضًا بأداء القوى الجنوبية نفسها. وقال لمركز سوث24 إن ترجمة الانتصارات العسكرية تتطلب فعلًا سياسيًا نشطًا ومتحررًا من ضغوط الحليف الإقليمي وترغيبه، محذرًا من أن عدم استثمار التضحيات سياسيًا يمكن أن يؤدي إلى تراجع قضية الجنوب رغم استمرار حضور قواتها في الميدان.
ويرى السقلدي أن تجربة المشاركة السابقة أظهرت مكاسب وإخفاقات ينبغي مراجعتها، ومن بينها القبول بما وصفه بـ«خديعة المناصفة» في ترتيبات تقاسم السلطة الناتجة عن حوارات الرياض. وقال إن المناصفة قامت على أساس جغرافي ولم تمثل المشاريع السياسية، ولذلك لم تجعل مشروع استعادة دولة الجنوب حاضرًا بما يتناسب مع أهداف القوى التي دخلت تلك الشراكة.
وكان اتفاق الرياض لعام 2019 قد نص على توزيع الحقائب الوزارية بالتساوي بين الجنوب والشمال، وعلى مشاركة المجلس الانتقالي في وفد الحكومة إلى مشاورات الحل السياسي النهائي.
كيف تتحول المكاسب العسكرية إلى مكاسب سياسية؟
يبدأ التحول من الميدان إلى السياسة، وفق آراء الضيوف الذين تحدثوا لمركز سوث24، بتحديد ما يريده الجنوب من مشاركته في الحرب، ثم بناء مؤسسات قادرة على التفاوض حول هذه الأهداف بدل انتظار ترجمة الآخرين لنتائج المعارك.
وتمنح تجربة المشاركة السابقة هذا النقاش أهمية إضافية، بعدما أظهرت أن دخول مؤسسات السلطة لا يضمن وحده استمرار النفوذ أو حماية المكاسب السياسية.
ويقول العيسائي إن القوى الجنوبية تحتاج إلى الانتقال من امتلاك قوة عسكرية إلى بناء قوة سياسية ومؤسسية، عبر توحيد الرؤية بشأن القضايا الأساسية، وإنشاء مؤسسات تنتج السياسات والوثائق والرؤى التفاوضية، وتطوير خطاب يخاطب المجتمعين الإقليمي والدولي بلغة المصالح والقانون والحقوق.
ويضيف أن المطلوب يتضمن رؤية واضحة لمرحلة ما بعد الحرب: شكل الدولة، وإدارة الموارد، والضمانات السياسية والأمنية، والتمثيل، وترتيبات المرحلة الانتقالية. فالقوة العسكرية تستطيع منح الجنوب مقعدًا على طاولة المفاوضات، لكن المشروع السياسي هو الذي يحدد حجم تأثيره على الطاولة.
ولا يبدأ هذا المسار من فراغ. فقد نص البيان الختامي لمشاورات الرياض في أبريل 2022 على إدراج قضية شعب الجنوب في أجندة مفاوضات وقف الحرب، لوضع إطار تفاوضي خاص لها ضمن عملية السلام الشاملة. ويتيح هذا التعهد مرجعًا للمطالبة بآلية واضحة تحدد كيفية مناقشة القضية، ومن يمثلها، وكيف ترتبط نتائج التفاوض بشأنها بالتسوية النهائية.
ويضع مسعد شرطًا آخر يتعلق بطبيعة المشاركة العسكرية نفسها. فالقوة التي تتحمل كلفة الحرب، بحسب قوله، ينبغي أن تشارك في تحديد غاياتها ونتائجها السياسية من خلال مؤسسات وقرارات واضحة، بدل مطالبتها بالقتال ثم استبعادها عند الانتقال إلى التفاوض.
ولا يعتبر مسعد هذا الأمر «مكافأة سياسية» مقابل التضحيات، وإنما إعادة تعريف للعلاقة بين القوة العسكرية والقرار السياسي. ويرى أن الاستقرار لا يمكن أن يقوم على معادلة تقاتل فيها قوة بينما تقرر قوة أخرى مستقبل الحرب وما بعدها.
أما السقلدي فيرى أن أي مشاركة جنوبية جديدة في ترتيبات السلطة تحتاج إلى مراجعة شاملة للتجارب السابقة وصياغة أسس أكثر وضوحًا للشراكة. وقال إن «الضمانات لا توهب، بل تنتزع»، معتبرًا أن الدخول في أي شراكة مقبلة ينبغي أن تسبقه اتفاقات وضمانات صريحة، خصوصًا بعد تراجع الثقة بالشركاء المحليين والإقليميين.
ويشير إلى أن تجربة المجلس الانتقالي في السلطة، بما حملته من مكاسب وخسائر، ينبغي أن تصبح مرجعًا لأي قوة جنوبية تتصدر المشهد مستقبلًا، وأن تستمد هذه القوة وزنها التفاوضي من حضورها الجماهيري ومن الواقع الذي تصنعه قواتها على الأرض.
ويتفق العيسائي مع ضرورة الاستفادة من تلك التجربة. فالمجلس الانتقالي استطاع الانتقال من المعارضة إلى المشاركة في مؤسسات السلطة، بما فيها مجلس القيادة الرئاسي، لكن هذا الحضور لم يتحول بصورة كاملة إلى معالجة سياسية نهائية للقضية الجنوبية، فيما جعل تراجع نفوذه لاحقًا الفارق بين الدور العسكري والعائد السياسي أكثر وضوحًا.
ولهذا يرى العيسائي أن الحل لا يكمن في استعادة حصص سابقة أو زيادة عدد المناصب، وإنما في تحويل التضحيات إلى وزن تفاوضي مؤسسي، والدخول في أي مفاوضات برؤية موحدة وملف سياسي متكامل وشرعية تستند إلى الواقع على الأرض.
وبعد أكثر من عقد من الحرب، تعيد المواجهات الأخيرة إظهار الفجوة بين الدور الذي تؤديه القوات الجنوبية في الميدان وحجم تأثير القوى الجنوبية في القرار السياسي والعسكري. وسيبقى هذا الاختلال قائمًا ما لم يقترن الحضور العسكري بمشاركة فعلية في تحديد أهداف الحرب ومسار التفاوض والترتيبات التي ستحدد مستقبل الجنوب بعد انتهائها.
قبل 3 أشهر