رضيع داخل حاضنة، إلى جانب حاضنات أخرى في مركز الطوارئ التوليدية الشاملة بمحافظة الضالع، اليمن، في 29 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
آخر تحديث في: 27-09-2026 الساعة 1 مساءً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | خديجة الجسري
لم تكن أم إلياس اليعيسي، البالغة 27 عامًا، تعرف على وجه الدقة ما إذا كانت قد أتمّت شهرها التاسع من الحمل. فمنذ بدايته، لم تتمكن من زيارة الطبيبة سوى مرة واحدة. وفي قريتها، جبل الشامي بمديرية قعطبة في محافظة الضالع، قد يستغرق الوصول إلى أقرب مرفق صحي في منطقة (عزاب) يومًا كاملًا سيرًا على الأقدام. أما كلفة استئجار سيارة، فلا تستطيع أسرتها تحملها كلما احتاجت إلى متابعة الحمل.
تقول أم إلياس إنها لم تمر بحمل من دون معاناة، وإن بُعد المرفق الصحي ومشقة الطريق وضيق الحال حرموها من زيارة الطبيبة وإجراء الفحوصات ومتابعة حملها كما ينبغي. وفي الأشهر الأخيرة، حين يصبح السير أشد صعوبة، لا تجد أمامها سوى البقاء في المنزل وانتظار موعد الولادة.
تكشف تجربتها فجوة لا يفسرها وجود المرافق الصحية أو غيابها وحده. فالمرأة قد تقطع طريقًا طويلًا للحصول على الرعاية، ثم تجد أن المرفق الذي وصلت إليه يفتقر إلى كادر متخصص أو دواء أو تجهيزات تكفي لعلاجها. وتمتد هذه الفجوة من متابعة الحمل والولادة إلى الرعاية بعد الولادة وتنظيم الأسرة، فيما تتحمل النساء وأسرهن كلفة الانتقال وتأخر العلاج.
وبحسب المسح العنقودي متعدد المؤشرات الذي أُجري في اليمن بين عامي 2022 و2023 الذي أجرته منظمة اليونيسيف، جرت أقل من نصف الولادات التي شملها المسح داخل مرافق صحية، ولم تحصل سوى نحو ثلث النساء على أربع زيارات على الأقل لمتابعة الحمل. وفي تقدير لعام 2026، يقول صندوق الأمم المتحدة للسكان إن 5.5 ملايين امرأة يحتجن إلى خدمات الصحة الإنجابية.

نساء على أسرّة وبجوارهن مرافقات، فيما تمرّ عاملة صحية داخل قسم رقود الحوامل بمركز الطوارئ التوليدية الشاملة في محافظة الضالع، في 29 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
يتتبع هذا التقرير تجارب نساء في عدد من المحافظات اليمنية، إلى جانب شهادات عاملين ومسؤولين صحيين في محافظات أخرى، لتقييم ما توفره خدمات الصحة الإنجابية فعلًا، والعوائق التي تحول دون الانتفاع بها، والتبعات الصحية والمالية حين تتأخر الرعاية، ومسؤولية الجهات الصحية والداعمين عن سد الفجوات القائمة.
احتياجات لا تلبيها المرافق
لا يكفي أن يكون المرفق الصحي مفتوحًا للحكم على قدرته على تقديم خدمات الصحة الإنجابية. فالمرأة التي تصل لمتابعة حملها تحتاج إلى فحوصات وكادر مؤهل، وقد تحتاج أثناء الولادة إلى دواء أو تدخل طارئ أو نقل إلى مستشفى أكثر تجهيزًا. ويختلف توفر هذه الخدمات بين المرافق، كما تختلف قدرة المرفق نفسه على تقديمها باستمرار.
وفقًا لرصد منظمة الصحة العالمية للمرافق الصحية حتى أغسطس 2025، كانت 3,264 وحدة لتقديم الخدمات الصحية تعمل بكامل طاقتها من أصل 5,503 وحدات شملها الرصد، بينما عملت 1,913 وحدة جزئيًا. ويُظهر التقرير تفاوتًا في توفر خدمات متابعة الحمل والولادة ورعاية ما بعد الولادة ووسائل تنظيم الأسرة والطوارئ التوليدية، ويرصد نقص الكوادر والمستلزمات والمعدات والتمويل ضمن العوائق التي تحد من تقديمها. وقدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان في 2025 أن منشأة واحدة فقط من كل خمس منشآت صحية عاملة تستطيع تقديم خدمات صحة الأم والطفل.
وقال مدير مركز الطوارئ التوليدية بمستشفى النصر في الضالع، د. مظهر عبدالله، لمركز سوث24، إن المركز يعاني نقصًا في الكادر والأجهزة والمعدات والأدوية والأسِرّة والديزل، فضلًا عن غياب موازنة تشغيلية له. وأضاف أن أكثر من 90% من العاملين في المستشفى يعملون بنظام التعاقد أو التعاون، وأن الطواقم تضطر إلى التعامل مع الحالات وفق الإمكانات المتاحة، بما في ذلك الحالات التي تحتاج إلى تجهيزات غير موجودة في المركز.

واجهة مركز الطوارئ التوليدية الشاملة بمحافظة الضالع، في 29 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
وفي المكلا، قالت مديرة مستشفى الأمومة والطفولة، د. منى رشيد باناجة، لمركز سوث24، إن المستشفى يواجه نقصًا في بعض أدوية التخدير والأدوية المستخدمة في العناية المركزة وعلاج التشنجات، إلى جانب نقص الكادر التمريضي. وأوضحت أن المستشفى يشتري أحيانًا أدوية للحالات الحرجة، أو يستعين بالمنظمات والمتبرعين لتوفيرها للمرضى الذين لا تستطيع أسرهم تحمل تكلفتها.
وأضافت باناجة أن المستشفى لا يوفر وسائل تنظيم الأسرة مباشرة، بل يحيل النساء الراغبات في الحصول عليها إلى مركز متخصص مجاور، حيث تقدم منظمة داعمة هذه الوسائل مجانًا. وبذلك تعتمد إتاحة الخدمة في هذه الحالة على استمرار عمل المركز وتوفر الوسائل فيه.
وقالت مديرة إدارة الأمومة الآمنة بوزارة الصحة، د. حنان أنور، لمركز سوث24، إن خدمات الصحة الإنجابية والطوارئ التوليدية يُفترض أن تتوفر في المستشفيات والمراكز والوحدات الصحية، بما في ذلك المناطق النائية. لكن الشهادات التي جمعها المركز في الضالع والمكلا تُظهر أن وجود المرفق، أو إدراج الخدمة ضمن مهامه، لا يضمن حصول المرأة عليها ما لم يتوفر الكادر والدواء والتجهيز اللازم لتقديمها.

عاملة في المختبر تستخدم جهاز تحليل مخبري داخل مركز الطوارئ التوليدية الشاملة بمحافظة الضالع، في 29 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
المسافة وكلفة الوصول
حتى عندما تتوفر الخدمة داخل المرفق الصحي، قد لا تتمكن المرأة من الحصول عليها.
وقالت مديرة مستشفى الأمومة والطفولة بالمكلا، د. منى رشيد باناجة إن بعض النساء في المناطق النائية بحضرموت يحتجن إلى ثلاثة أيام للوصول إلى مرفق صحي، سيرًا أو باستخدام الدواب، بسبب وعورة الطرق وغياب المواصلات. وقدّرت أن كلفة الوصول في بعض الحالات تتجاوز 250 ألف ريال يمني (160 دولار أمريكي).
ومن موقع عملها في عدن، قالت طبيبة النساء والولادة د. ريما يحيى لمركز سوث24 إن بعض النساء القادمات من أبين ولحج والضالع يقضين ما بين ست وثماني ساعات في الطريق إلى المرافق الصحية. وأضافت أن بعضهن يصلن وهن يعانين بالفعل من مضاعفات تحتاج إلى تدخل عاجل.
وفي الضالع، قالت العاملة بمركز الطوارئ التوليدية في مستشفى النصر، مكية أحمد، لمركز سوث24 إن المركز يستقبل حالات من مديريات مختلفة، بينها نساء يصلن متأخرات بسبب المسافة وصعوبة الطريق.
وتتكرر مشكلة الوصول خارج خدمات الحمل والولادة. فقد قالت فاطمة إسماعيل، وهي أم لستة أطفال من عزلة الدعيسة في تعز، لمركز سوث24 إنها قصدت مركزًا صحيًا قريبًا منها طلبًا لوسيلة لتنظيم الأسرة، وأُبلغت بعدم توفرها. وانتقلت بعدها بين مرافق في الحوبان ومدينة تعز حتى حصلت على الوسيلة المناسبة.
ويصف مدير مكتب الصحة بمديرية الشمايتين في تعز، د. عبدالله نعمان، في حديثه لمركز سوث24، تباعد التجمعات السكانية وصعوبة الوصول إلى بعضها بأنهما تحديان أمام تقديم خدمات الصحة الإنجابية، خصوصًا في حالات الولادة الطارئة.
وتعكس البيانات الوطنية اتساع الفارق في استخدام الخدمة: ففي المسح العنقودي الذي أُجري بين عامي 2022 و2023، بلغت نسبة الولادات داخل المرافق الصحية 65% في المدن، مقابل 40% في الريف. ولا يحدد هذا الفارق وحده سبب كل ولادة خارج المرفق، لكنه يبيّن أن مكان إقامة المرأة يؤثر في فرص حصولها على الرعاية.
التبعات صحية والمالية لتأخر الرعاية
قد تنتهي رحلة البحث عن الرعاية عند باب المرفق الصحي، لكن تبعاتها لا تنتهي هناك. فالولادة التي تتطلب تدخلًا عاجلًا قد تتبعها حاجة إلى نقل الدم أو علاج إضافي، فيما تجد الأسرة نفسها أمام تكاليف لم تكن قادرة على تحملها منذ البداية. وتُظهر الحالات التي وثقها مركز سوث24 كيف تمتد هذه الأعباء إلى ما بعد الولادة.

نساء برفقة أطفال عند شباك الاستقبال داخل مركز الطوارئ التوليدية الشاملة بمحافظة الضالع، في 29 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
في أرحب بصنعاء، تعسرت ولادة زهراء الورد، ثم تعرضت لتمزقات ونزيف استدعيا نقلها إلى مستشفى الجمهوري، وفق رواية ابن أخيها هاشم الورد لمركز سوث24. تواصل المركز مع زهراء، لكنها كانت متعبة ولم تتمكن من سرد تفاصيل ما حدث، فاستُكملت الرواية عبر هاشم. ويقول إن الأسرة بحثت عن فصيلة الدم التي احتاجتها حتى وفرت وحدتين، قبل إجراء التدخلات اللازمة لها. وبحسبه، استمر علاجها نحو ثلاثة أشهر، وتجاوزت تكاليف السيارات والعلاج 600 ألف ريال يمني (ما يعادل 1222 دولار أمريكي بسعر الصرف في صنعاء)، واضطرت والدتها إلى بيع أغنام للمساعدة في دفعها.
ولا تتيح هذه الرواية وحدها تحديد السبب الطبي لكل مضاعفة تعرضت لها زهراء، لكنها توثق ما تحملته أسرتها خلال رحلة العلاج.
أما فاطمة إسماعيل في تعز، فقالت لمركز سوث24 إن الوسيلة التي حصلت عليها لتنظيم الأسرة كانت مجانية، لكنها دفعت نحو 30 ألف ريال يمني طبعة قديمة (56 دولار أمريكي) ومئة ريال سعودي لتكاليف التنقل والمصاريف المرتبطة بالبحث عنها. وتوضح تجربتها أن مجانية الوسيلة لا تعني بالضرورة أن الحصول عليها بلا كلفة، خصوصًا إذا اضطرت المرأة إلى الانتقال بين عدة مرافق.
وقالت طبيبة النساء والولادة الدكتورة ريما يحيى إن تأخر وصول الحوامل إلى مرفق قادر على علاجهن قد يزيد خطر مضاعفات، منها النزيف وتسمم الحمل وتعسر الولادة. وتشير بيانات المسح العنقودي الذي أُجري بين عامي 2022 و2023 إلى فجوة تمتد لما بعد الوضع أيضًا: إذ تلقت 38% من الأمهات و36% من المواليد رعاية أو فحصًا خلال اليومين التاليين للولادة.

مولود حديث الولادة داخل حاضنة، موصول بأنبوب عبر الأنف، في مركز الطوارئ التوليدية الشاملة بمحافظة الضالع، في 29 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
سد فجوة الخدمات
لا تنحصر الفجوة التي يكشفها التقرير في مرفق صحي واحد. فاستمرار الخدمة يتطلب عاملين مؤهلين وأدوية وتجهيزات وتمويلًا للتشغيل، إلى جانب وسيلة لنقل الحالات التي لا يستطيع المرفق علاجها. وتتوزع مسؤولية توفير هذه العناصر بين الجهات الصحية التي تدير المرافق والجهات الداعمة لها، لكن كل نقص منها يظهر للمرأة في النهاية على هيئة خدمة لا تجدها حين تحتاج إليها.
وقالت مديرة إدارة الأمومة الآمنة بوزارة الصحة، د. حنان أنور إن خدمات الصحة الإنجابية والطوارئ التوليدية يفترض أن تتوفر في المستشفيات والمراكز والوحدات الصحية، بما فيها تلك الموجودة في المناطق النائية. وأوضحت أن صندوق الأمم المتحدة للسكان يدعم توفير جزء كبير من الأدوية والمستلزمات، بينها وسائل تنظيم الأسرة وأدوية الطوارئ التوليدية.

شاشة مراقبة حاضنة لحديثي الولادة تعرض قراءات درجة الحرارة وتشبع الأكسجين ومعدل النبض، داخل مركز الطوارئ التوليدية الشاملة بمحافظة الضالع، في 29 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
لكنها أشارت إلى تأخر نقل الأدوية من المخازن المركزية في عدن إلى المحافظات، وقالت إن معظم المحافظات باتت تطالب بتوفير احتياجاتها من الأدوية والمستلزمات. ولا تكشف شهادتها سبب التأخر أو المدة التي تستغرقها الإمدادات للوصول، وهما جانبان مهمان لتحديد موضع الخلل والمسؤولية عنه.
وفي تعز، قال مدير مكتب الصحة بمديرية الشمايتين، د. عبدالله نعمان إن تحسين الخدمة في المناطق البعيدة يحتاج إلى كوادر متخصصة وأدوية وتجهيزات، ومستشفيات محورية تخدم التجمعات المتباعدة، فضلًا عن سيارات إسعاف ونظام إحالة للحالات الطارئة.
ومن المكلا، قالت مديرة مستشفى الأمومة والطفولة، الدكتورة منى رشيد باناجة إن المستشفى، الذي يستقبل حالات من مناطق ومحافظات متعددة، يحتاج إلى التوسعة وتجهيز غرف العمليات والعناية المركزة والحضانات.
وقال صندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، في تصريح صحفي لمركز سوث24، إن دعمه يركز على توفير الأدوية والمستلزمات والمعدات الأساسية، ودعم الكوادر والقابلات والفرق والعيادات المتنقلة، وتحسين الإحالة وسلاسل الإمداد. غير أن قدرة هذا الدعم على سد الفجوة ترتبط باستمرار تمويله: فقد أعلن الصندوق أنه تلقى حتى يونيو 2026 نحو 12.8 مليون دولار من أصل 71.9 مليون دولار طلبها لاستجابته الإنسانية خلال العام، وهي استجابة تشمل الصحة الإنجابية وحماية النساء ومساعدات الطوارئ.

امرأة حامل تجلس في صالة الانتظار برفقة امرأة وطفل داخل مركز الطوارئ التوليدية الشاملة بمحافظة الضالع، في 29 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
وتُظهر هذه المعطيات أن دعم المرافق وحده لا يعالج مشكلة المرأة التي تعجز عن الوصول إليها، كما أن تمويل نقلها لا يكفي إذا افتقر المرفق إلى ما تحتاجه من رعاية. ويبدأ سد الفجوة بتحديد الخدمات التي يجب أن يقدمها كل مستوى من مستويات النظام الصحي، وضمان وصول الإمدادات والعاملين إليها، ووجود إحالة قادرة على نقل الحالات الطارئة. ويبقى تقييم ما أُنجز من ذلك مرهونًا ببيانات واضحة من الجهات الصحية عن توزيع الخدمات، وانتظام الإمدادات، وأسباب تعطلها.
قبل شهرين