قوارب قبالة ساحل باب المندب في اليمن، 2 أبريل 2026. (رويترز)
آخر تحديث في: 17-09-2026 الساعة 1 مساءً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | عبد الله الشادلي
غيّر التقدم الحوثي السريع على الساحل الغربي خلال سبتمبر خريطة التهديد عند باب المندب، بعدما انتقلت الجماعة من جنوب الحديدة وغرب تعز إلى مدينة المخا، ثم ذُباب وجزيرة ميون الجنوبية الواقعة في قلب المضيق.
ولا تكمن أهمية هذا التحول في المكاسب البرية وحدها، بل في اقتراب الحوثيين مباشرة من أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بعد سنوات اعتمدوا خلالها على الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق لاستهداف السفن من مواقع أبعد. كما تأتي السيطرة الجديدة في وقت ازدادت فيه أهمية البحر الأحمر لصادرات الطاقة، مع ارتفاع تدفقات النفط والمنتجات البترولية عبر باب المندب إلى نحو 8.1 ملايين برميل يوميًا في الربع الثاني من 2026.
ولا تعني السيطرة على المواقع المحيطة بالمضيق قدرة الحوثيين على إغلاقه أو التحكم الكامل بحركة الملاحة، لكنها تمنحهم خيارات أوسع للرصد والاستهداف، وتضع أمن لحج وعدن والموانئ وخطوط الإمداد الجنوبية أمام مستوى مختلف من الضغط.
وتثير هذه التطورات الجديدة أسئلة رئيسية: كيف ستتغير قدرة الحوثيين على تهديد السفن؟ وما الذي تعنيه لأمن الجنوب؟ وهل تفتح مجالًا أوسع للتهريب والتواصل مع شبكات في القرن الإفريقي؟ وكيف يمكن أن تنعكس هذه المكاسب على موقع الجماعة في أي مفاوضات سياسية مقبلة؟
تهديد أقرب للملاحة
لا تكمن أهمية التقدم الحوثي الأخير في إضافة أسلحة جديدة إلى ترسانة الجماعة بقدر ما تكمن في تقليص المسافة التي تفصل هذه الأسلحة عن السفن. فخلال السنوات الماضية، اعتمد الحوثيون على الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة لاستهداف أهداف بحرية من مواقع أبعد، بما يتطلب قدرًا أكبر من الرصد والتتبع والتوجيه.
ويقول الباحث الأمريكي المتخصص في الشأن اليمني نيك برومفيلد لمركز سوث24 إن السيطرة على مناطق محاذية لباب المندب تمثل تحولًا نوعيًا في قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة، إذ تصبح المدفعية والطائرات المسيّرة أكثر فاعلية في هذه الجغرافيا الضيقة.
وبحسب برومفيلد، فإن قرب المواقع الحوثية من خطوط العبور يتيح مراقبة السفن بوسائل أبسط، بما في ذلك الرصد البصري، ويزيد فرص إصابة الأهداف بسبب قصر المسافة. كما تصبح الزوارق المفخخة أكثر خطورة، إذ إن تشغيلها في ممر ضيق أسهل من استخدامها في المساحات المفتوحة للبحر الأحمر.
ولا يعني ذلك قدرة الحوثيين على إغلاق المضيق أو فرض سيطرة بحرية كاملة. فالقوات البحرية الدولية ما تزال حاضرة في البحر الأحمر وخليج عدن، ويمكنها التدخل لحماية الملاحة. لكن استمرار خطر الهجمات قد يكون كافيًا لرفع كلفة التأمين والحماية ودفع بعض شركات الشحن إلى تجنب الممر.
ويرى الخبير الأمريكي والعضو السابق في فريق خبراء اليمن التابع لمجلس الأمن فرناندو كارفاخال أن الأولوية الحوثية من السيطرة على المناطق المحيطة بالمضيق ترتبط أساسًا بزيادة الضغط على السفن، وخصوصًا السفن السعودية، أكثر من ارتباطها بمكاسب التهريب.
ويقول كارفاخال لمركز سوث24 إن غياب دوريات خفر السواحل التابعة لقوات طارق صالح يغير البيئة الأمنية المحيطة بالمضيق، لكنه يشير إلى أن وجود قوة مهام بحرية دولية على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن يظل عاملًا مقيدًا لأي محاولة حوثية لفرض سيطرة كاملة على حركة السفن.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية في جزيرة ميون، التابعة إداريًا لعدن، حيث كانت قوات جنوبية تتمركز في الجزيرة وتشارك في تأمين باب المندب. وكان المجلس الانتقالي الجنوبي قد قال في بيان في 9 يونيو إن القوات الجنوبية شكّلت لسنوات «حاجزًا واقيًا» أمام الحوثيين والتهريب في المضيق، معتبرًا أن قدراتها تراجعت بعد استهدافها بالطيران السعودي وما وصفه بـ«التفكيك الممنهج».
وبعد سيطرة الحوثيين على ميون، حمّل القيادي في المجلس عمرو البيض السعودية مسؤولية إضعاف القوات الجنوبية وإقصاء المجلس، وقال إن هذه القوات كانت منذ 2015 إحدى قوى الردع الرئيسية في مواجهة الحوثيين.
باب المندب وأمن الجنوب
يتجاوز أثر التقدم الحوثي عند باب المندب مسألة الملاحة إلى تغيير خط التماس مع الجنوب، بعدما انتقلت المواجهة إلى مناطق تتصل مباشرة بمحافظة لحج، عقب سنوات شكّل فيها الساحل الغربي حاجزًا يفصل مناطق سيطرة الجماعة عن هذه الجغرافيا.
ويقول الباحث السياسي والإعلامي أوسان بن سدة إن ما حدث في ميون ومحيط باب المندب يتجاوز سقوط مواقع عسكرية، ويعني انتقال الحوثيين إلى تماس مباشر مع الجغرافيا الجنوبية ومع أحد أهم مفاتيح أمن عدن ولحج.
وأضاف بن سدة لمركز سوث24 أن وجود الجماعة في ميون ومحيط المضيق يوسع قدرتها على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق، ويرفع المخاطر على الموانئ وخطوط الإمداد الجنوبية.
ويرى أن وصول الحوثيين إلى باب المندب يمنح وجودهم قيمة جيوسياسية مختلفة، لأن تأثيرهم يصبح أكثر اتصالًا بأمن الساحل الجنوبي والبحر الأحمر والتجارة والطاقة. وبحسب تقديره، يفرض ذلك إعادة ترتيب أولويات انتشار القوات الجنوبية نحو حماية لحج وعدن والساحل والموانئ وخطوط الإمداد.
ويتفق الصحفي سلمان المقرمي مع أن التحول يتجاوز الساحل نفسه، ويرى أن سيطرة الحوثيين على ذُباب والمواقع المطلة على المضيق تضع عدن، باعتبارها مقرًا للحكومة وأحد أهم المراكز السياسية والعسكرية المناهضة للجماعة، أمام ضغط متزايد.
وقال المقرمي لمركز سوث24 إن الحوثيين قد يحاولون الاستفادة من مكاسبهم للالتفاف على جبهات صمدت أمامهم لسنوات، مثل الضالع وتعز ومأرب، عبر السيطرة على مناطق تتيح لهم توسيع الضغط العسكري لاحقًا.
وفي هذا السياق، ينتقد بن سدة استمرار إبعاد قيادات عسكرية جنوبية راكمت خبرة طويلة في مواجهة الحوثيين، ويدعو إلى استعادة التنسيق العسكري والعملياتي مع الإمارات، التي يقول إنها راكمت منذ 2015 خبرة في القيادة والاستخبارات والإسناد الجوي واللوجستي في الجنوب والساحل الغربي.
ويرى أن سقوط المخا وميون كشف قصورًا في إدارة المعركة، وأن امتلاك الطائرات والمعلومات لا يكفي من دون منظومة تربط المعلومات بالقرار العسكري والإسناد بالقوات على الأرض.
التهريب والقرن الإفريقي
تمنح السيطرة على أجزاء أوسع من الساحل الحوثيين مساحة أكبر للاتصال بالضفة الإفريقية، لكنها لا تنشئ شبكات التهريب من الصفر. فقد وثقت تقارير أممية خلال السنوات الماضية مسارات لتهريب السلاح والأفراد والمكونات العسكرية بين اليمن والقرن الإفريقي، وخصوصًا الصومال.
ويرى فرناندو كارفاخال أن السيطرة على مناطق ساحلية إضافية توسع بطبيعتها مجال التهريب، ويمكن للطرف الجنوبي من تهامة أن يوفر للحوثيين خطوط اتصال أسهل مع حلفاء وشبكات في الصومال وجيبوتي، وربما السودان.
ومع ذلك، لا يتوقع كارفاخال أن يتحول باب المندب تلقائيًا إلى المسار الرئيسي لشحنات السلاح الإيرانية. وبرأيه، فإنه حتى مع احتمال محاولة الحوثيين وإيران توسيع عمليات التهريب واختبار قدرة القوات البحرية الدولية، يرجح أن يظل الجزء الأكبر من الإمدادات متجهًا عبر المسارات الأقرب إلى الحديدة وصنعاء.
أما ميناء المخا، فيمكن أن يكتسب، وفق تقديره، وظيفة لوجستية مختلفة من خلال دعم وإمداد القوات الحوثية المنتشرة حول تعز وعلى امتداد الساحل.
ولا تقتصر المخاطر على تهريب السلاح إلى الحوثيين، إذ قد يوسع الاتصال البحري مع القرن الإفريقي شبكات نقل السلاح أو المكونات التقنية أو الخبرات العسكرية في الاتجاهين، في ظل علاقات موثقة سابقًا بين شبكات يمنية وأخرى في الصومال.
لكن كارفاخال يضع هذه الاستخدامات في مرتبة ثانية في المرحلة الحالية، بعد الهدف الأكثر إلحاحًا المتمثل في الضغط على حركة الملاحة والسفن السعودية.
ورقة سياسية جديدة
لا تقتصر أهمية التقدم الحوثي عند باب المندب على المكاسب العسكرية، إذ يمنح احتفاظ الجماعة بالمخا وذُباب وميون ورقة إضافية في أي مفاوضات مقبلة، لارتباط هذه المناطق مباشرة بأمن ممر بحري دولي ومصالح إقليمية ودولية.
ويرى الصحفي سلمان المقرمي أن التقدم الأخير أحدث اختلالًا مهمًا في ميزان القوى، بعد سنوات لم يتمكن خلالها الحوثيون من تحقيق اختراق مماثل في عدد من الجبهات الرئيسية. وبحسب تقديره، ستقرأ الجماعة هذه المكاسب باعتبارها دليلًا على إمكانية فرض مطالب إضافية بالقوة.
ويشير المقرمي إلى أن مطالب الحوثيين كانت مرتفعة أصلًا، وشملت ملفات مرتبطة بالوجود السعودي، ويرى أن المكاسب الجديدة قد تدفعهم إلى رفع سقفهم في أي مفاوضات مقبلة.
ويزداد وزن هذه الورقة إذا تمكن الحوثيون من الاحتفاظ بالمخا وذُباب وميون لفترة طويلة، إذ ستواجه الحكومة المعترف بها دوليًا موقفًا تفاوضيًا أكثر صعوبة، بينما ستجد السعودية نفسها أمام معادلة تجمع بين استعادة الردع العسكري وتجنب اتساع الحرب إقليميًا.
ولا يرجح المقرمي أن تقود السيطرة الحالية إلى استقرار دائم، مستندًا إلى تجربة الصراع اليمني وعودة المواجهات بعد جولات متكررة من الحرب والتهدئة.
وفي المقابل، قد يدفع ارتباط هذه المناطق بأمن الملاحة القوى الدولية إلى التعامل مع باب المندب بصورة مختلفة عن بقية الجبهات، ما يجعل السيطرة الحوثية عليه ورقة تتجاوز الصراع الداخلي إلى حسابات التجارة والطاقة والأمن الإقليمي.
وفي مؤشر على تداخل المكاسب الميدانية مع المسار السياسي، التقى مسؤولون أمريكيون ممثلين عن الحوثيين في مسقط بعد أيام من تقدم الجماعة على الساحل الغربي، بحسب خمسة مصادر لرويترز. وأكد الحوثيون خلال اللقاء التزامهم بتفاهم وقف إطلاق النار مع واشنطن وعدم استهداف السفن الأمريكية، فيما امتنعت الخارجية الأمريكية عن تأكيد الاجتماع.
ويمنح استمرار هذا النوع من التفاهمات الحوثيين وزنًا سياسيًا إضافيًا. فواشنطن، رغم استمرار تعاملها مع الجماعة بوصفها حركة مدعومة من إيران وتصنيفها منظمة إرهابية أجنبية، تحتفظ معها بتفاهم منفصل بشأن أمن الملاحة، في وقت تخوض فيه حربًا مباشرة مع طهران. ومع وصول الحوثيين إلى باب المندب، تتعزز قدرتهم على فرض أنفسهم طرفًا مباشرًا في أي تفاوض يتعلق بأمن البحر الأحمر، بما يحول جزءًا من مكاسبهم العسكرية إلى نفوذ تفاوضي وسياسي.
وتعزز المواقف الأمريكية الأخيرة هذا المسار. فقد قال ترامب إن الحوثيين تواصلوا مع إدارته وأبلغوها أنهم لا يريدون انخراطًا أمريكيًا مباشرًا في الحرب، فيما أكد نائبه جي دي فانس وجود محادثات مباشرة مع الجماعة بالتوازي مع الاتصالات بالسعودية والإمارات. وفي المقابل، أفاد موقع «أكسيوس» بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من ترامب، خلال اتصالين، مشاركة أمريكية عسكرية ضد الحوثيين، إلا أن الرئيس الأمريكي رفض التدخل المباشر.
قبل 3 أشهر
قبل شهرين
قبل 3 أشهر