الافتتاحية

السعودية أمام فشل جديد في اليمن: هل حان وقت المراجعة؟

صورة مركبة - مركز سوث24

آخر تحديث في: 15-09-2026 الساعة 5 مساءً بتوقيت عدن

language-symbol

افتتاحية مركز سوث24


كشفت التحولات الميدانية الأخيرة في اليمن عن فشل واضح في أداء القوى المدعومة من الرياض على الساحل الغربي وباب المندب، وبالمجمل، في إدارة الملف اليمني بشكل عام، بالتوازي مع تصاعد هجمات الفصائل التي تدعمها إيران والتي تستهدف منشآت داخل المملكة وتهدد مصالحها الاقتصادية والأمنية. وفي لحظة "فادحة" كهذه، يفترض أن تتجه الأولوية السعودية نحو مراجعة أسباب الإخفاقات ومصادر الخلل في إدارة المشهد اليمني، بدلا من توسيع دائرة الخلاف مع قوى محلية تمتلك حضورا سياسيا وعسكريا مؤثرا في الجنوب.


والمشكلة هنا تتجاوز بعض الكتّاب أو الحسابات الإعلامية، إلى أنها تكشف عن خلل أعمق في الذهنية التي أدارت أجزاء واسعة من الملف اليمني، والتي اعتقدت، في مراحل مختلفة، أن المال قادر على صناعة الولاءات، وأن الحملات الإعلامية تستطيع تغيير الوقائع على الأرض، وأن إضعاف الحلفاء المحليين يمكن أن يتحول تلقائيا إلى مصدر قوة ونفوذ. والنتيجة كانت، في كثير من الأحيان، عكس ذلك تماما: شراء أصوات بلا وزن حقيقي، وصناعة خصوم جدد، وإضعاف قوى تمتلك حضورا فعليا على الأرض، ثم اكتشاف أن المساحات التي أُفرغت من الحلفاء لم تبقَ فارغة، بل ملأتها قوى أكثر استنزافا للسعودية وأكثر قدرة على استثمار الفوضى.


بهذا المعنى، فإن عقلية "شراء المهرجين" و"صناعة الخصوم" ليست مجرد وصف ساخر لسلوك إعلامي، وإنما اختزال لمشكلة سياسية أوسع: غياب معيار واضح يفرّق بين الحليف الذي يمتلك قاعدة اجتماعية وقوة عسكرية ومصلحة مشتركة، وبين النخب التي لا تملك من أدوات التأثير سوى قربها من دوائر التمويل أو قدرتها على ترديد الخطاب المطلوب في اللحظة المناسبة.


السعودية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مطالبة بإعادة تقييم نجاعة الأدوات السياسية والعسكرية والإعلامية التي اعتمدت عليها في اليمن. فبعد سنوات طويلة من التدخل المباشر وغير المباشر، يصعب التعامل مع ما جرى باعتباره مجرد تعثر ميداني يمكن تجاوزه بتغيير قائد أو إعادة توزيع بعض الوحدات أو ترديد بعض السرديات. ما يحدث أقرب إلى أزمة نموذج كامل في إدارة الملف؛ نموذج قاد إلى فشل استراتيجي جديد، ويضع الرياض في عنق زجاجة تضيق مساحته كلما طال أمد الأزمة وكلما تراجعت الخيارات المتاحة أمامها.


والأخطر أن هذا الفشل لا ينتج فراغا فقط، بل يخلق فرصا ثمينة أمام قوى الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة وشبكات المصالح والانقسامات المحلية والدينية، وقوى نفوذ من خارج المنطقة. كما أنه ساهم في تكوين نخبة يمنية واسعة شديدة الارتباط بالتمويل الخارجي، لكنها محدودة القدرة على إنتاج فعل سياسي أو عسكري فعّال. بعض هذه النخب أثبت خلال السنوات الماضية أن ولاءاته ليست مبنية بالضرورة على مشروع سياسي ثابت، بقدر ما ترتبط بموازين القوة ومصادر التمويل. ولهذا فإن افتراض بقاء هذه القوى في المعسكر نفسه إذا تغيرت الظروف هو افتراض محفوف بالمخاطر.


وقد ظهرت خطورة هذه المسألة حتى في تصريحات صدرت من داخل مؤسسات الحكومة اليمنية نفسها، حين صرح مسؤول كبير بوزارة الخارجية اليمنية المحسوبة على معسكر الشرعية نفسها، ومن على أهم منبر إعلامي سعودي "قناة العربية"، أنها قد تجد نفسها في ظروف معينة، أقرب إلى التفاهم مع مليشيا الحوثيين لمواجهة من وصفهم بـ "الانفصاليين" في الجنوب. وهذه ليست مسألة هامشية، بل سؤال أساسي يفترض أن يُشغل صانع القرار السعودي: ما قيمة الاستثمار السياسي والعسكري في قوة يمكن أن تنتقل، عند تغير المصالح أو موازين القوة، إلى المعسكر المقابل؟


السعودية تعرف هذه الحقيقة أكثر من غيرها. وتعرف أيضا أن جزءا كبيرا من البيئة المحيطة بالحرب في شمال اليمن بيئة رخوة، شديدة التداخل اجتماعيا وقبليا وجغرافيا مع مناطق سيطرة الحوثيين. فمن الصعب بناء جبهة حرب صلبة في وضع يُطلب فيه من المقاتل أن يواجه الحوثيين بينما تعيش أسرته أو أقاربه داخل مناطق نفوذهم، وتبقى مصالحه الاجتماعية والاقتصادية مرتبطة بتلك المناطق. هذه المعضلة ليست مخاوف عسكرية عابرة، وإنما أحد العوامل التي تحدد أصلا مدى قابلية أي قوة للاستمرار في القتال حين تتغير الظروف.


وهنا يظهر الفارق الجوهري بين الواقع في الشمال وفي الجنوب. ففي الجنوب توجد قوى محلية لديها قضية سياسية ووطنية مستقلة، وهوية ومصلحة مباشرة في منع الحوثيين من التقدم إلى مناطقها، فضلا عن امتلاكها حاضنة اجتماعية وجغرافية أكثر تماسكا، ورصيدا من النجاحات الأمنية والعسكرية. تجاهل هذه العوامل، أو التعامل مع هذه القوى باعتبارها مشكلة ينبغي تقليص نفوذها، كان واحدا من أكثر الأخطاء الاستراتيجية كلفة في إدارة الصراع في اليمن.


ومن هنا أيضا، فإن الرياض مطالبة بمراجعة ما يمكن وصفه بأخطاء يناير الكارثية في التعامل مع الجنوب ومع حليفتها الإقليمية الإمارات، وإصلاح نهجها "العدائي" حينها الذي قاد لمقتل وإصابة المئات من أفراد القوات الجنوبية والمدنيين. ذلك، لأن نتائج تلك المرحلة لم تتوقف عند حدود الخلاف السياسي، وإنما أعادت تشكيل ميزان القوى على الأرض، وأضعفت منظومة كانت تشكّل، رغم كل الاختلافات، حاجزا رئيسيا أمام تمدد الحوثيين باتجاه الساحل الغربي وباب المندب.


إعادة تصحيح تلك الأخطاء لا يمكن أن تتم بالأدوات نفسها وبالعقول نفسها التي ساهمت في إنتاجها ولا حتى بالشرعية نفسها. وإذا كانت الرياض تريد بالفعل مراجعة سياستها في اليمن، فمن المنطقي أن تبدأ بمراجعة أداء الأشخاص والدوائر السعودية ذاتها، التي أدارت الملف خلال الأشهر الماضية، ومساءلة الافتراضات التي بُنيت عليها قراراتها: من هو الحليف؟ من هو الخصم؟ ما القوى التي تمتلك وزنا حقيقيا؟ وما القوى التي لا تعيش إلا داخل الفنادق والاستديوهات ومنصات التواصل؟


كما أن السعودية بحاجة جدية إلى البحث عن خيارات خارج صندوق "اللجنة الخاصة" وشبكات العلاقات التقليدية التي حكمت مقاربتها لليمن لعقود. اليمن الذي تتعامل معه الرياض اليوم ليس اليمن الذي عرفته في ثمانينيات أو تسعينيات القرن الماضي. مراكز القوة تغيرت، والبنية الاجتماعية والسياسية تبدلت، والجنوب أعاد تشكيل نفسه سياسيا وعسكريا، فيما أنتجت الحرب في الشمال واقعا أكثر تعقيدا من أن تتم إدارته عبر المشايخ والوسطاء وقوائم المخصصات المالية وحسب.


لهذا فإن ارتباط ما حدث في الساحل الغربي وباب المندب بما سبق أن حدث في حضرموت والجنوب، ليس جدالا إعلاميا، بل نتيجة مؤسفة لتقديرات خاطئة وقعت بها الرياض. ويمكن التساؤل ببساطة: هل أدى إضعاف القوى الجنوبية وإعادة ترتيب موازين القوة ضدها إلى إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين ككل؟ وهل كان الضغط على شركاء لديهم مصلحة حقيقية في مواجهة الحوثيين جزءا من سلسلة قرارات انتهت إلى توفير ظروف أكثر ملاءمة لتقدم الجماعة في قلب مضيق باب المندب وشريان الملاحة الدولي؟


هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بحملات إعلامية ضد المجلس الانتقالي، ولا باتهام كل صوت جنوبي ينتقد السياسة السعودية بأنه خصم للمملكة. على العكس، المصلحة السعودية تقتضي اليوم التمييز بين الخلاف السياسي وبين العداء الاستراتيجي. يمكن للرياض أن تختلف مع المجلس الانتقالي حول مستقبل الجنوب وترتيبات الدولة وشكل التسوية النهائية، لكن تحويل هذا الخلاف إلى سياسة لإضعاف القوى الجنوبية بينما يخوض الحوثيون حربا مباشرة على المملكة هو خلط خطير بين الأولويات.


أما مجلس القيادة الرئاسي بصيغته الحالية، فقد أصبح هو الآخر بحاجة إلى مراجعة جذرية. فصيغة تجمع قوى متناقضة في الرؤية والمصالح والجغرافيا داخل إطار واحد لم تنتج قيادة حرب متماسكة ولا سلطة سياسية فعالة. وكلما احتدمت المعركة، ظهرت التناقضات بصورة أوضح، وتحولت عملية اتخاذ القرار إلى مساومات داخلية بدل أن تكون أداة لإدارة مواجهة وجودية.


لذلك قد يكون من الضروري التفكير خارج الصيغة القائمة نفسها، بما في ذلك تجميد عمل مجلس القيادة الرئاسي بصورته الحالية، والدفع نحو ترتيبات أكثر واقعية تعترف بالتمايز السياسي والعسكري بين الشمال والجنوب: حكومة خاصة بالجنوب تتولى إدارة شؤونه ومؤسساته وأمنه، وفي المقابل حكومة حرب للشمال تكون مهمتها واضحة ومحددة في إدارة المواجهة مع الحوثيين وتوحيد القوى الراغبة فعليا في خوضها.


مثل هذا الخيار لن يحل كل تعقيدات اليمن، لكنه على الأقل سينقل التعامل مع الواقع من محاولة إنكاره إلى محاولة تنظيمه. فالمشكلة الكبرى خلال السنوات الماضية كانت الإصرار على إدارة اليمن وفق هياكل سياسية لا تعكس موازين القوة الحقيقية على الأرض، ثم انتظار نتائج مختلفة في كل مرة.


السعودية لا تحتاج اليوم إلى مزيد من المصفقين، ولا إلى مزيد من الحملات الإعلامية ضد شركاء محتملين وإلى تكرار تجربة أدوات الفشل. تحتاج إلى مراجعة استراتيجية شجاعة تعترف بالأخطاء قبل البحث عن المسؤولين عنها خارجها، وتعيد ترتيب الأولويات بناء على سؤال بسيط: من يهدد أمن المملكة فعليا، ومن يمتلك على الأرض القدرة والمصلحة لمواجهة هذا التهديد؟


إذا كانت الإجابة عن هذا السؤال واضحة، فإن إعادة بناء العلاقة مع جنوب اليمن، وتصحيح الخلل مع القوى الجنوبية وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي وإقليميا مع دولة الإمارات، وإعادة تعريف طبيعة الحرب في الشمال، لم تعد خيارات تكتيكية يمكن تأجيلها، وإنما قد تكون من الشروط الأساسية لمنع الفشل الحالي من التحول إلى واقع استراتيجي دائم يصعب تغييره لاحقا.



- مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا