رجل يستريح في ظل شجرة على رصيف أحد شوارع مديرية الشيخ عثمان في عدن، 24 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
آخر تحديث في: 31-08-2026 الساعة 8 مساءً بتوقيت عدن
أفراح بورجي | مركز سوث24
من خلال صور الأقمار الاصطناعية المتاحة والصور الجوية، تبدو أجزاء واسعة من المدن اليمنية ككتل إسمنتية متصلة، تتخللها مساحات محدودة ومتفرقة من الأشجار. وعلى الأرض، تفتقر شوارع وأحياء سكنية كثيرة إلى الظل والمساحات العامة الخضراء، بينما تواصل المباني والطرق المعبدة تمددها في مدن بات سكانها أكثر تعرضاً للحرارة والظواهر المناخية المتطرفة.

مشهد جوي لمدينة عدن، يظهر كثافة المباني ومحدودية الغطاء الشجري، 28 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
ولا يمثل غياب الأشجار مشكلة جمالية فحسب؛ فالغطاء الشجري جزء من البنية الحضرية التي تساعد على تلطيف الحرارة، وتوفير الظل، وتحسين الصحة العامة، وامتصاص جزء من مياه الأمطار. وتزداد أهمية هذه الوظائف في مدن مثل عدن وتعز، رغم اختلاف مناخهما وطبيعتهما الجغرافية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وضيق المساحات المفتوحة وشح المياه.
ففي تعز، أظهرت دراسة محكّمة نُشرت عام 2024 أن المساحة المبنية ارتفعت من نحو 6.2 كيلومتر مربع عام 1981 إلى 34 كيلومتراً مربعاً عام 2022، أي إلى قرابة خمسة أضعاف ونصف، بينما تقلصت الأراضي الزراعية من 18 إلى 4.2 كيلومتر مربع، بانخفاض بلغ 77%.

مشهد جوي لقلعة القاهرة وسط الامتداد العمراني الكثيف ومحدودية المساحات الخضراء في مدينة تعز. (تصوير: رأفت علي الأكحلي)
أما في عدن، فتواجه مشروعات الحدائق والتشجير تحديات تتعلق بالتمويل والمياه وحماية الأراضي المخصصة للمنافع العامة، رغم وجود خطط ومشروعات أُعدت خلال سنوات سابقة.
وبين حملات غرس محدودة وخطط لم تجد طريقها إلى التنفيذ، ظل التشجير في المدينتين أقرب إلى تدخلات متفرقة منه إلى سياسة حضرية متكاملة. يبحث هذا التقرير في أسباب غياب التخطيط الشجري عن المدن اليمنية، وما إذا كانت المشكلة تبدأ من نقص التمويل والمياه، أم من التوسع العمراني والتعدي على أراضي الحدائق، أم من غياب الصيانة والتنسيق بين الجهات المسؤولة. كما يناقش الدور الذي يمكن أن تؤديه الأشجار في مواجهة الحرارة، والشروط اللازمة لتحويلها من عنصر لتجميل الشوارع إلى جزء دائم من تخطيط المدينة وحياة سكانها.
ويتخذ التقرير من عدن الساحلية وتعز الجبلية نموذجين لرصد تراجع الغطاء الشجري في بيئتين متباينتين مناخياً وجغرافياً، والوقوف على التحديات المشتركة التي تواجه التشجير الحضري فيهما.
مدن تفتقد الظل
رغم اختلاف الطبيعة الجغرافية بين عدن الساحلية وتعز الجبلية، تتشابه المدينتان في محدودية المساحات الخضراء وتركّز معظم أعمال التشجير في الطرق الرئيسية والجولات، من دون امتداد منظم إلى الأحياء السكنية والفراغات العامة.

وتصف د. ذكرى محمد قائد الشرفي، أستاذة مساعدة في البيئة الحضرية بجامعة صنعاء، التخطيط الشجري في المدن اليمنية بأنه «شبه غائب». وتوضح أن التشجير القائم يتركز غالباً داخل المرافق الحكومية وعلى بعض الطرق الرئيسية، بينما تغيب الرؤية الشاملة لتوزيع الأشجار داخل الأحياء السكنية وعلى أطراف المدن.
ولفتت الشرفي في حديثها لمركز سوث24 إلى أن غياب الأحزمة الشجرية حول المدن يتركها أكثر عرضة للرياح وحركة الكثبان الرملية، خصوصاً في المناطق الساحلية، في وقت لا يحظى فيه هذا النوع من التخطيط بالأولوية ضمن مشاريع التوسع الحضري.
في عدن، يقول مدير إدارة الحدائق والتشجير صالح الرداعي لمركز سوث24 إن الصراع الذي شهدته المدينة عام 2015 تسبب في فقدان معظم المساحات الخضراء والأشجار التي زُرعت خلال الفترات السابقة، ما اضطر الإدارة إلى استئناف عملها «من نقطة الصفر». وبحسبه، أُعيد تقييم المواقع والخطوط الزراعية قبل البدء بإحيائها من جديد.

شجيرات وأشجار تظهر على بعضها آثار الجفاف بمحاذاة أحد الطرق في مديرية المعلا، عدن، 25 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
ويضيف الرداعي أن العمل لم يقتصر على إعادة تأهيل المواقع السابقة، بل شمل التوسع في عدد من الشوارع والطرقات الطويلة، مع استخدام القص والتشكيل في تنظيم الأشجار والشجيرات. وتركزت الأعمال، وفقاً له، في خط الملاح، وكورنيش قحطان الشعبي، وخط عدن–تعز، وخط الرباط، إلى جانب عدد من المواقع في القطاعين الأول والثاني من المدينة.
أما في تعز، فقال نائب مدير عام صندوق النظافة والتحسين للشؤون الفنية والبيئية، المهندس طارق المقطري، إن واقع التشجير «ليس بالمستوى المأمول»، رغم أن المدينة كانت من المدن السباقة في هذا المجال قبل أن تغير سنوات الصراع إمكانات العمل وأولوياته.
وأضاف المقطري لمركز سوث24: «ما نقوم به حالياً هو الحفاظ على الموجود من التدهور عبر الأعمال الزراعية اليومية، كالتعشيب وقلب التربة وتهويتها، والتحويض حول الأشجار للاستفادة من مياه الأمطار، إلى جانب القص والتشذيب وبعض التدخلات البسيطة بالزراعة الجديدة، وهو ما يمكن وصفه بتطبيع الحياة في المدينة».

أشجار تصطف على جانبي أحد شوارع مدينة تعز، في لقطة من فيديو صُوّر بين أحياء عصيفرة والروضة والتحرير، 6 سبتمبر 2020. (أنس الحاج/فيسبوك)
لماذا غاب التخطيط الشجري؟
يرتبط تراجع التشجير في المدن اليمنية بتعدد الجهات المسؤولة، وضعف التمويل والصيانة، وشح مياه الري، والتوسع العمراني على حساب المساحات المفتوحة. ورغم أن اللائحة التنفيذية لقانون التخطيط الحضري تُدرج الحدائق والمساحات الخضراء ضمن المخططات، وتنص مادتها الـ88 على استخدام أراضي الدولة للحدائق والخدمات العامة متى أمكن فنياً، فإن ذلك لم يضمن حماية الأراضي أو تنفيذ المشروعات.
ويقول صالح الرداعي إن المسؤولية تتوزع بين وزارة الأشغال ومصلحة أراضي وعقارات الدولة والسلطات المحلية وجهات التمويل. وبحسبه، أعد صندوق النظافة والتحسين خطة للتشجير حتى عام 2030، لكن العجز المالي يعرقل تنفيذها. كما أُنجزت دراسات وتصاميم «حديقة عدن الكبرى» بميزانية قُدرت عام 2008 بملياري ريال، إلا أن التمويل لم يتوفر. ووفقاً لروايته، اقتطعت وزارة الصحة جزءاً من أرض المشروع لإنشاء مركز لطب الأسنان ومرافق أخرى، قبل منح المساحة المتبقية لمستثمر بهدف الحفاظ عليها.

مساحة خضراء وأشجار في إحدى الجولات المرورية وسط المباني بمديرية المعلا بمدينة عدن، 25 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
ويحذر الرداعي أيضاً من فقدان ما تبقى من حديقة العريش، التي يقدر الرداعي مساحتها الأصلية بأكثر من مليون متر مربع، بعدما صُرفت أجزاء منها لمخازن ومساكن وظلت المساحة المتبقية بلا تسوير.
وفي تعز، أشار طارق المقطري إلى أن نقص الموارد ونزوح العمال وتدني المرتبات وغياب ناقلات المياه حدّت من برامج التشجير. وأضاف أن معدات للري دُمرت أو نُقلت إلى الحوبان (خاضعة لسيطرة الحوثيين)، كما دُمر المشتل الذي كان يحتوي، بحسب تقديره، على نحو 20 ألف شتلة. ويشير كذلك إلى تكسير أحواض الأشجار، ورمي المخلفات فيها، وقطع الجذور أثناء أعمال الحفر، فضلاً عن قيام بعض أقسام الشرطة بقطع أشجار بحجة حجبها كاميرات المراقبة.
ورغم ذلك، لفت المقطري إلى تنفيذ تشجير سابق في شارع جمال، والتنسيق لتشجير مدخل تعز من نقطة الهنجر حتى جولة الصقر، لكن المشروع «شبه معتمد» ولم تُرصد موازنته. ويلخص المعضلة بقوله: «كيف أزرع شجرة ولا أستطيع الحفاظ عليها بالسقاية؟».

افتهان المشهري، مديرة صندوق النظافة والتحسين في تعز آنذاك، خلال مشاركتها في تشجير المدخل الشرقي لشارع جامعة تعز، 3 ديسمبر 2024. وقُتلت المشهري في سبتمبر 2025 برصاص مسلحين. (صندوق النظافة والتحسين/تعز)
الأشجار ليست رفاهية
يؤكد خبير المناخ والبيئة د. جمال باوزير، في حديثه لمركز سوث24، أن غياب الأشجار من مدينة ساحلية مثل عدن يعني خسارة ما يصفه بـ«نظام تكييف طبيعي». فالأشجار تظلل الأسطح الإسفلتية والخرسانية التي تخزن الحرارة نهاراً وتطلقها مساءً، كما تساعد عملية النتح على تبريد الهواء المحيط. ويرى باوزير أن كثافة المباني والأسطح المعبدة وقلة الظل أسهمت في تكوّن ما يُعرف بـ«الجزيرة الحرارية الحضرية» في بعض أحياء المدينة.

مشهد جوي لمدينة عدن، يظهر كثافة المباني ومحدودية الغطاء الشجري، 28 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
وتدعم الأدلة العلمية هذا الدور من دون رقم ثابت لكل مدينة؛ فقد وجدت مراجعة منهجية أن الحدائق كانت أبرد من المناطق المبنية المحيطة بها بمتوسط 0.94 درجة مئوية نهاراً و1.15 درجة ليلاً. وقد يخفض ظل الأشجار حرارة الأسطح بأكثر من عشر درجات في ظروف معينة، لكن ذلك لا يعني انخفاض حرارة الهواء بالمقدار نفسه، إذ يتغير الأثر وفق حجم التاج والموقع والمياه والرياح وطبيعة الشارع.
وقالت د. ابتسام شيكو، المتخصصة في علوم البيئة والنبات بجامعة عدن، لمركز سوث24 إن الأشجار تساعد على التقاط بعض الجسيمات والملوثات، وامتصاص مياه الأمطار وتقليل الضوضاء، وتوفر موائل للكائنات الحية.
كما يرتبط غياب المساحات الخضراء بزيادة التعرض للحرارة والتلوث والتوتر. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن هذه المساحات تدعم النشاط البدني والصحة النفسية والتماسك الاجتماعي.

غير أن الأشجار لا تحسن الهواء في كل موقع تلقائياً؛ فالتيجان الكثيفة قد تعيق التهوية في الشوارع الضيقة وتزيد تراكم العوادم قرب المشاة. لذلك يعتمد الأثر على التصميم والموقع والكثافة. كما لا تصلح أرقام عامة لامتصاص الكربون، إذ تختلف باختلاف النوع والعمر والحجم والمناخ.
ويشدد طارق المقطري على قيمة الأشجار في حماية التربة وتنظيم المناخ وتخزين الكربون ودعم سبل العيش والتنوع الحيوي، داعياً إلى الحد من قطعها والاحتطاب الجائر.

مشهد جوي للغطاء الأخضر المحدود في محيط مدينة تعز، 18 أغسطس 2026 (عائشة حسن)
هل يمكن استعادة المدن الخضراء؟
يرى الخبراء أن استعادة الغطاء الشجري ممكنة إذا حددت الخطط الأراضي ومصادر المياه والأنواع المناسبة ومسؤولية الصيانة. ويقول د. جمال باوزير إن التشجير أداة للتكيف مع تغير المناخ، إذ يوفر الظل والتبريد، ويساعد على اعتراض جزء من مياه الأمطار وزيادة تسربها إلى التربة والحد من جريانها السطحي، ويشكل مصدات للرياح والغبار، خصوصاً في عدن التي تتأثر موسمياً برياح «الغوبة».
ويقترح باوزير استخدام المياه الرمادية، ومنها مياه الوضوء في المساجد، مع فصلها عن مياه الصرف ومعالجتها وفحصها. وتشترط منظمة الصحة العالمية إدارة المخاطر الصحية ومراقبة جودة المياه والتربة. كما بحثت دراسة منشورة عام 2006 استخدام مياه أحواض المعالجة في عدن للري، لكنها لا تثبت جاهزية المنظومة الحالية بعد عقدين وسنوات من الصراع.
وأوضح مدير إدارة الحدائق والتشجير بعدن صالح الرداعي أن الإدارة تعتمد حالياً على 23 صهريجاً لري النباتات في الطرق والتقاطعات، إلى جانب مواقع مرتبطة بشبكات ري مباشرة، وإن تعطل الآليات أو تأخر السقاية يؤثر سريعاً في النباتات. كما أعدت الإدارة دراسات لتشجير مواقع جديدة في المنطقة الثانية، التي تضم الشيخ عثمان والمنصورة ودار سعد والبريقة، لكن التنفيذ ينتظر التمويل.
ويتطلب نجاح هذه الخطط حماية أراضي الحدائق، وتوجيه الأشجار إلى الأماكن الأكثر حاجة للظل، مثل المدارس والمستشفيات والأسواق ومحطات النقل والأحياء المكتظة، بالاستناد إلى خريطة تحدد المواقع الأشد تعرضاً للشمس.

أشجار مشذبة على الجزيرة الوسطية لأحد الشوارع الرئيسية في مديرية المنصورة بمدينة عدن، 24 أغسطس 2026. (مركز سوث24)
وفي إسقاط على تجارب دول أخرى نجحت في استعادة غطائها النباتي بعد مراحل من التدهور، ترى المهندسة الحضرية علا عقربي أن فقدان الأشجار ليس مساراً لا رجعة فيه، شريطة أن يتحول التشجير إلى مشروع عام طويل الأمد تتبناه الدولة ويشارك المجتمع في تنفيذه وحمايته، بدلاً من بقائه في إطار حملات موسمية ومتفرقة.
وتستحضر عقربي تجربة كوريا الجنوبية، التي عانت تدهوراً واسعاً لغاباتها بفعل الاستغلال خلال الحكم الاستعماري الياباني والحرب الكورية والظروف الاقتصادية التي أعقبتهما. ومنذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، أطلقت الدولة خططاً وطنية شارك فيها المواطنون، وزُرعت خلالها مليارات الشتلات، ما أسهم في استعادة الغطاء الغابي على مدى عقود. ورغم أن التجربة تتعلق باستعادة الغابات على المستوى الوطني، فإنها تقدم، بحسب عقربي، دروساً مهمة للتشجير الحضري في التخطيط والاستمرارية والمشاركة المجتمعية.

وترى عقربي أن الدرس الأهم لليمن يبدأ بتبني الحكومة رؤية واضحة، تحدد الأراضي المخصصة للتشجير وتوفر التمويل ومصادر الري والصيانة، ثم إشراك السكان في الزراعة وحماية الأشجار من العبث والقطع. فالحفاظ على الغطاء الأخضر مسؤولية جماعية، لكن مشاركة المجتمع لا تعفي السلطات من مسؤوليتها الأساسية عن التخطيط والتمويل وضمان استمرار المشروعات بعد انتهاء حملات الغرس.
قبل شهرين
قبل شهرين
قبل شهرين