التقارير الخاصة

لماذا همشت السعودية حلف قبائل حضرموت بقيادة بن حبريش؟

لقاء موسع لحلف قبائل حضرموت في منطقة الهضبة، 5 أكتوبر 2024 (مركز سوث24)

آخر تحديث في: 27-08-2026 الساعة 7 مساءً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | عبد الله الشادلي


دخلت العلاقة بين السعودية وحلف قبائل حضرموت، بقيادة الشيخ عمرو بن حبريش، واحدة من أكثر مراحلها توترًا وغموضًا، بعدما قال الحلف إن رئيسه مُنع، في 23 يوليو 2026، من العودة إلى حضرموت عبر الجانب السعودي من منفذ الوديعة. وحتى 27 أغسطس، لم تصدر عن الرياض أو مجلس القيادة الرئاسي أو السلطات المحلية رواية علنية تشرح أسباب تعطّل عودته، ما ترك المجال مفتوحًا أمام تفسيرات متباينة.


وكان بن حبريش قد غادر إلى الرياض في 25 يناير، تلبية لدعوة سعودية وفق رواية الحلف، عقب أسابيع مضطربة شهدت مواجهات وتحولات عسكرية في حضرموت خلال ديسمبر 2025 ويناير 2026. 


وسبقت أزمة العودة مؤشرات على إعادة تشكيل دوائر النفوذ داخل حضرموت. ففي 2 يوليو، أصدر محافظ حضرموت وعضو مجلس القيادة الرئاسي سالم الخنبشي قرارًا بتشكيل لجنة تحضيرية من 36 عضوًا لإنشاء «المجلس التنسيقي الأعلى للقوى السياسية والاجتماعية الحضرمية»، وكان بن حبريش من بين أعضائها. وبعد أيام، اعتذر عن عدم المشاركة، عازيًا قراره إلى «ظروف خاصة وقناعة شخصية»، مع تأكيد دعمه للمحافظ..


غير أن التطورات اللاحقة وضعت الرجل والحلف خارج الترتيبات المتسارعة داخل المحافظة. فبينما مضت السلطة المحلية نحو عقد المؤتمر التأسيسي للمجلس التنسيقي في 31 أغسطس، واصل بن حبريش إصدار قرارات تنظيمية من خارج حضرموت. وكان أبرزها تشكيل «اللجنة التنسيقية العليا لمشروع الحكم الذاتي لحضرموت» في 25 أغسطس، لتتولى استكمال المشروع والتحضير لخطوات إعلانه. 


وفي موازاة ذلك، اتسعت التحركات القبلية المطالبة بعودة بن حبريش. فقد أصدرت قبائل الحموم، في 23 أغسطس، بيانًا طالبت فيه بالسماح له ولمرافقيه بالعودة، ومنحت الجهات المعنية مهلة أسبوعًا قبل اللجوء إلى ما وصفته بـ«الخيارات المتاحة». كما أعلنت مجموعة شبابية وقبلية في منطقة العُليب، في 25 أغسطس، بدء منع مرور ناقلات الوقود، مع استثناء كميات محدودة لكهرباء ساحل حضرموت. 


ويبقى النفط في قلب هذا النزاع. ففي 20 يوليو، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي المقيم في الرياض رشاد العليمي العمل على استئناف تصدير النفط من حضرموت بعد توقف الصادرات لسنوات تحت ضغط الهجمات الحوثية على موانئ التصدير، بينما تمسكت السلطة المحلية بحصول حضرموت على حصة قدرها 20 في المئة من العائدات وتنفيذ الخطة المعلنة في 7 يناير (مصفوفة المعالجات لحضرموت).


وتتزامن الأزمة مع تنافس ثلاثة مشاريع على تمثيل حضرموت وتحديد موقعها السياسي: مجلس تنسيقي تقوده السلطة المحلية بوصفه مظلة مؤسسية للقوى الحضرمية؛ ومشروع للحكم الذاتي يدفع به بن حبريش وحلف القبائل؛ ومشروع المجلس الانتقالي الجنوبي الذي ينظر إلى حضرموت باعتبارها جزءًا من ترتيبات سياسية تشمل الجنوب كله. ويستعد المجلس الانتقالي لتنظيم فعالية جماهيرية في المكلا في الأول من سبتمبر، بعد يوم واحد من الموعد المحدد لانعقاد المؤتمر التأسيسي للمجلس التنسيقي. وكان مقر المجلس في المكلا قد تعرض للاقتحام من قبل السلطات الأمنية في 25 أغسطس.


وبين غياب تفسير رسمي لأزمة احتجاز بن حبريش، يبرز السؤال حول ما إذا كانت السعودية قد قررت تقليص دور حلف قبائل حضرموت بعد مرحلة من الاستفادة من ثقله القبلي لاستهداف المجلس الانتقالي الجنوبي خلال الفترة الماضية، أم أن ما يجري جزء من عملية أوسع لإعادة توزيع النفوذ واحتواء القوى المتنافسة قبل استئناف صادرات النفط وترتيب مستقبل حضرموت. ويبحث هذا التقرير في مسار العلاقة بين الحلف والرياض، ودور النفط في الخلاف، وحدود المشاريع المتنافسة، ومن يملك حق التحدث باسم حضرموت في المرحلة المقبلة.


احتدام العلاقة


لا يتعلق الخلاف الراهن، وفق بعض القراءات، بتعطّل عودة الشيخ عمرو بن حبريش وحدها، بل بطبيعة التفاهم الذي جمع حلف قبائل حضرموت بالسعودية، وما إذا كان قائمًا على شراكة سياسية طويلة المدى أم على حاجة أمنية مؤقتة انتهت بتغيّر الظروف الميدانية.


ورقة تحليلية: أحداث حضرموت أعادت تشكيل الأمن والتوازنات السياسية في جنوب اليمن


ويربط المحلل السياسي د. عمر عبد اللاه باعباد بداية التباعد بالخلاف حول المطالب المالية للقوات التي شكّلها بن حبريش (قوات حماية حضرموت). ويقول إن هذه القوات أُنشئت، بحسب تقديره، لمواجهة القوات الجنوبية وإدخال تشكيلات أخرى إلى حضرموت، بينها قوات الطوارئ التابعة للسعودية وقوات شمالية.


ويضع هذا التفسير الأزمة في إطار تفاهم أمني تعثّر عند مرحلة التمويل وتوزيع النفوذ. وقال باعباد لمركز سوث24 إن «تقليص الاستجابة لمطالب بن حبريش وعدم الوفاء بجميع ما طلبه أدى إلى انشقاق بعض القوات والشخصيات السياسية والإعلامية عنه، قبل أن تتعمق الأزمة مع انسحابه من المجلس التنسيقي الحضرمي.


وبحسب باعباد، استمرت بعض الشخصيات التي ابتعدت عن بن حبريش في العمل ضمن المجلس الجديد، بينما سعى الأخير إلى العودة لمعارضة تأسيسه. ويصف باعباد تعطّل عودته بأنه جاء بأوامر سعودية على خلفية الخلاف.


في المقابل، يقدم رئيس مركز المعرفة للدراسات د. عمر باجردانة قراءة مختلفة، إذ لا يرى أن العلاقة بين السعودية وحلف قبائل حضرموت تغيّرت في جوهرها. ويرجع التباين الحالي إلى غياب رؤية سعودية واضحة لإدارة الملف الحضرمي واليمني، والفراغ الذي تشكّل في حضرموت بعد أحداث يناير وتراجع حضور المجلس الانتقالي الجنوبي في ترتيبات السلطة داخل المحافظة.


وبحسب باجردانة، أتاح هذا الفراغ لقوى تراجع دورها خلال السنوات الماضية محاولة استعادة نفوذها واحتواء القوى المحلية والسيطرة على المشهد. وفي حديثه لمركز سوث24، يرى باجردانة أن بقاء بن حبريش قوة صاعدة وصوتًا حضرميًا بارزًا شكّل عائقًا أمام تحركات جماعة الإخوان المسلمين للتمسك بالسلطة المحلية والسيطرة على المجلس التنسيقي الحضرمي.


وقد حاول مركز سوث24 التواصل مع متحدث حلف قبائل حضرموت للحصول على إجابات بشأن هذه التطورات، إلا أننا لم نتلق أي رد حتى الآن.


إعادة ترتيب المشهد الحضرمي


تتجاوز أهمية المجلس التنسيقي الحضرمي إضافة مكوّن جديد إلى قائمة الكيانات المحلية، إذ يفتح تأسيسه الباب أمام نقل مركز التمثيل السياسي من الأطر التي تصدّرها المجلس الانتقالي الجنوبي وحلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع، إلى مظلة أوسع تقودها السلطة المحلية المدعومة من السعودية.


ويرى مدير إدارة الإعلام والثقافة بالمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت، عبد الله باوزير، أن السعودية استخدمت بن حبريش خلال مرحلة معينة لتحقيق أهدافها، وقدمت له الدعم وروجت لدوره، قبل أن تتغير المصالح.


وقال باوزير لمركز سوث24 إن المجلس الانتقالي حاول سابقا الوصول إلى تفاهمات مع حلف قبائل حضرموت، لكن بن حبريش رفض محاولات التقارب والوساطات، كما رفض، بحسب قوله، التقارب مع السلطة المحلية برئاسة المحافظ السابق مبخوت بن ماضي، مرجعا ذلك إلى توجيهات سعودية.


وأضاف باوزير أن الحلف تلقى وعودا بمنح بن حبريش دورا أوسع في حكم حضرموت، إلى جانب الحكم الذاتي وإصلاح قطاع الكهرباء، وهو ما عزز موقعه وأدخله في صراع النفوذ المحلي قبل أن يجد نفسه أمام واقع سياسي مختلف.


وتعكس رواية باوزير موقف طرف سياسي دخل في خصومة مع بن حبريش، ولذلك لا يمكن فصلها عن التنافس بين المجلس الانتقالي والحلف.


ويتفق المحلل السياسي عمر عبد اللاه باعباد مع جانب من هذا التفسير، إذ يعتبر أن تأسيس المجلس التنسيقي يستهدف إضعاف حلف قبائل حضرموت ومؤتمر حضرموت الجامع والمجلس الانتقالي، وإحلال إطار سياسي جديد محلها.


وقال إن «السعودية تدير هذا المسار عبر شخصيات حضرمية في السلطة المحلية وبعض الوزراء والسياسيين، بينهم شخصيات كانت قريبة في السابق من بن حبريش».


أما رئيس مركز المعرفة باجردانة فلا يرى أن تشكيل المجلس التنسيقي يمثل توجها سعوديا خالصا، وإنما مسارا إخوانيا مرتبطا بدوائر صنع القرار داخل اللجنة الخاصة السعودية المعنية بالملف اليمني، بهدف إعادة تشكيل المرجعية السياسية في حضرموت بما يتوافق مع توجهات الجماعة، متوقعا أن تشهد المرحلة المقبلة متغيرات تعيد تشكيل موازين القوى في المحافظة.


النفط في قلب الخلاف


لا يمثل النفط بالنسبة إلى حلف قبائل حضرموت موردًا اقتصاديًا فحسب، بل إحدى أهم أدواته للضغط السياسي. فمنذ عام 2024، استخدم الحلف المخيمات والنقاط القبلية والتحرك بالقرب من مناطق الإنتاج وطرق نقل الوقود لربط استمرار النشاط النفطي بالحصول على حصة أكبر من النفوذ السياسي والموارد وتحسين الكهرباء والخدمات.


وأتاح هذا الأسلوب للحلف تحويل ثقله القبلي إلى نفوذ مباشر في ملف تديره مؤسسات الدولة وشركة بترومسيلة


وازدادت أهمية هذه الورقة بعد توقف صادرات النفط اليمنية جراء هجمات الحوثيين على موانئ التصدير أواخر عام 2022. فخلال فترة التوقف، انتقل جزء من الصراع إلى كيفية التصرف في الإنتاج المحلي والمشتقات، والجهة التي تحدد الكميات المخصصة للكهرباء والسوق المحلية، ومدى استفادة حضرموت من الثروة المستخرجة من أراضيها.


ومع عودة ملف تصدير النفط إلى الواجهة مجددًا، وتصريحات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بشأن استخدام عائداته لصرف رواتب الموظفين في عموم اليمن، بمن فيهم المقيمون في مناطق سيطرة الحوثيين، مقابل رفض المجلس الانتقالي الجنوبي لهذه الخطة، يتسع نطاق الخلاف ليتجاوز حصة حضرموت من الإيرادات. وبات الصراع يشمل أيضًا الجهة القادرة على تأمين الحقول والمنشآت وطرق النقل، والطرف المخوّل بالتفاوض مع الحكومة والقوى الإقليمية بشأن إدارة الموارد وتوزيع عائداتها. 


وفي هذه المعادلة، يمنح حضور حلف قبائل حضرموت في مناطق الإنتاج بن حبريش ورقة تأثير قد تتعارض مع أي ترتيبات تسعى إلى إخضاع الملف النفطي لإدارة أكثر مركزية. وبالفعل كان مسؤول إعلامي في حلف قبائل حضرموت قد لمح لهذه الورقة ضمن التصعيد المتوقع حال استمرار منع عودة بن حبريش لحضرموت.


وفيما يتعلق بارتباط تحجيم بن حبريش بملف النفط، قال باجردانة إن التوقيت يرتبط بإعادة ترتيب النفوذ بين جماعة الإخوان المسلمين والحوثيين، والصراع على ثروة حضرموت واستئناف تصدير النفط، معتبرا أن هذه الملفات تقع في صلب الصراع الجاري في المحافظة.


من جانبه، يرى عبد الله باوزير أن السعودية قررت تحجيم نفوذ بن حبريش بسبب محاولاته العودة إلى حضرموت والتحكم في ملف النفط، مشيرا إلى أن المرحلة الحالية تشهد إعادة ترتيب للنفوذ بما يسمح بالسيطرة على موارد المحافظة وإدارة هذا الملف بعيدا عن الحلف.


من يملك حق تمثيل حضرموت؟


تكشف التطورات الأخيرة في حضرموت أن الصراع لا يدور على حلف القبائل بقيادة بن حبريش أو مستقبل المجلس التنسيقي أو المجلس الانتقالي الجنوبي وحسب، بل على المرجعية التي ستتحدث باسم حضرموت في أي مفاوضات تتعلق بالسلطة والثروة والأمن والتسوية السياسية المقبلة.


يمتلك كل طرف مصدرًا مختلفًا للشرعية. يستند حلف قبائل حضرموت إلى ثقله القبلي، ومخرجات مؤتمر حضرموت الجامع، وحضوره في مناطق إنتاج النفط. بينما يستمد المجلس التنسيقي شرعيته من السلطة المحلية وتعدد الشخصيات والمكونات المشاركة فيه. أما المجلس الانتقالي الجنوبي فيعتمد على حضوره التنظيمي والجماهيري، وعلى مشروع سياسي يعتبر حضرموت جزءًا من مشروع دولة جنوبية فيدرالية مستقلة.


ومن المرجح أن تتجنب السعودية منح هذا الموقع لطرف واحد. فتجربة صعود بن حبريش أظهرت أن دعم قوة محلية ومنحها مساحة واسعة للحركة قد يحولها لاحقًا إلى مركز نفوذ مستقل يمتلك مطالب وأدوات ضغط خاصة به. 


ويمكن القول إن السعودية قلّصت المساحة السياسية المتاحة لبن حبريش إلى الحد الأقصى، لكن المعطيات المتاحة لا تكفي للجزم بأنها اتخذت قرارًا نهائيًا بإقصائه أو تفكيك الحلف. 


وقد يكون الخلاف حول التمويل وحدود الدور والنفط جزءًا من تفسير التحول، لكن جوهره الأعمق يتعلق باستقلالية بن حبريش المتزايدة ورفضه الاكتفاء بالدور الذي رسمته له موازين القوى السابقة. 


ومع ذلك، لا يعني تراجع موقع بن حبريش أن المجلس التنسيقي سيصبح تلقائيًا المرجعية الجديدة للمحافظة. فالحلف لا يزال يمتلك امتدادًا قبليًا وقدرة على الضغط، والمجلس الانتقالي يحتفظ بحضور سياسي وتنظيمي هو الأقوى في المحافظة، فيما يحتاج المجلس الجديد إلى إثبات شرعيته خارج دوائر السلطة.


صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا