القوات المسلحة الجنوبية (درع الجنوب)
آخر تحديث في: 18-04-2026 الساعة 10 مساءً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | عبد الله الشادلي
منذ مطلع ديسمبر 2025، بدأت ملامح مشهد أمني جديد تتشكل في جنوب اليمن، على وقع سلسلة من التحولات المتسارعة التي لم تقتصر على إعادة توزيع الانتشار العسكري، بل مست بصورة مباشرة واحدة من أكثر الملفات حساسية خلال العقد الماضي: ملف مكافحة الإرهاب. ففي 3 ديسمبر، دخلت القوات الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي إلى وادي حضرموت ضمن عملية “المستقبل الواعد”، في خطوة بدت آنذاك امتدادًا طبيعيًا لمسار طويل من العمليات التي قادتها هذه القوات، بدعم إقليمي، وأسهمت في تقليص نفوذ تنظيم القاعدة وإضعاف بنيته الميدانية في محافظات رئيسية مثل أبين وشبوة وحضرموت.
وخلال هذا الانتشار، بدأت القوات الجنوبية عملية ضبط بعض مصادر التمويل غير القانونية المرتبطة بشبكات التهريب والجماعات المسلحة، حيث أعلنت قوات اللواء الخامس دعم وإسناد، في 24 ديسمبر، ضبط أربع محطات غير قانونية لتكرير النفط في منطقة الخشعة بوادي حضرموت، في عملية وُصفت بأنها استهدفت شبكات تعمل خارج الأطر الرسمية، مع اتهامات بأنها كانت تمثل أحد روافد التمويل لجماعات متشددة، إلى جانب ارتباطات محتملة بعمليات تهريب أوسع.
غير أن هذا التقدم الميداني لم يستمر طويلًا، إذ شهدت بداية يناير 2026 تحولًا حادًا في مسار الأحداث، مع تعرض مواقع القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة لغارات جوية سعودية، تزامنت مع تحركات لقوات مدعومة من الرياض، ما أدى لاحقًا إلى انسحاب القوات الجنوبية من مناطق انتشارها بعد حضور لم يتجاوز شهرًا واحدًا.
وتزامن هذا التحول مع إعادة تشكيل أوسع في بنية الإشراف الإقليمي على الملف الأمني، حيث انسحبت الفرق الإماراتية من مواقع كانت تُعد من أكثر النقاط حساسية في عمليات مكافحة الإرهاب، بما في ذلك قاعدة “مرة” في محافظة شبوة، ومطار الريان الدولي في المكلا، اللذان شكّلا خلال السنوات الماضية مركزين رئيسيين لإدارة العمليات الأمنية والاستخبارية ضد تنظيم القاعدة، وذلك بطلب من الحكومة اليمنية وبضغط سعودي. في المقابل، برز صعود الدور السعودي في إعادة ترتيب الانتشار العسكري، مع دخول قوات “درع الوطن” وقوات الطوارئ اليمنية إلى وادي حضرموت والمهرة خلال الأيام الأولى من يناير.
مُتعلق: لماذا تنفّس تنظيم القاعدة الصعداء بعد خروج القوات الجنوبية من حضرموت؟
مُتعلق: السعودية بعد الإمارات: اختبار مكافحة الإرهاب في اليمن
وفي خضم هذا التحول السريع، بدأت ملامح فراغ أمني بالظهور بشكل شبه فوري. ففي 4 يناير 2026، شهدت مدينة المكلا ومحيط مطار الريان الدولي أعمال نهب وفوضى طالت معسكرات ومخازن أسلحة ومواقع عسكرية حساسة، وسط تقارير محلية عن مشاركة مسلحين قادمين من مأرب إلى جانب مجاميع قبلية ومواطنين في الاستيلاء على كميات من الأسلحة والمعدات. وبحسب مصادر مطلعة تحدثت لمركز سوث24، فإن جزءًا من هذه الأسلحة يُعتقد أنه انتقل لاحقًا إلى معاقل لتنظيم القاعدة في وادي عبيدة بمحافظة مأرب، عبر وسطاء قبليين وشبكات تهريب، في تطور أعاد إلى الواجهة مخاوف انتشار السلاح خارج سيطرة الدولة، واحتمال إعادة توظيفه في أنشطة متشددة.
كما استهدفت إجراءات تبناها عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، بالتعاون مع وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي، مئات الجنود من لواء بارشيد في المكلا، أحد أقوى ألوية النخبة الحضرمية التي هزمت تنظيم القاعدة في 2016 وطردته من ساحل حضرموت. وشملت الإجراءات تسريح نحو 1500 ضابط وجندي من اللواء من أبناء محافظات الجنوب، كما امتدت لتشمل أيضًا كتيبة الدعم الأمني التي كانت أيضًا تنتشر في المكلا.
وبالتوازي مع ذلك، اتسعت المؤشرات الأمنية لتشمل مناطق أخرى، إذ شهدت محافظة المهرة، خلال يناير نفسه، ضربة بطائرة مسيّرة استهدفت شخصًا يحمل الجنسية الصومالية يُعتقد بانتمائه إلى حركة الشباب (فرع تنظيم القاعدة في الصومال)، في حادثة نادرة نسبيًا في المحافظة، عكست مخاوف متزايدة من تحول هذه المناطق إلى ممرات عبور لعناصر وشبكات عابرة للحدود، خصوصًا في ظل الطبيعة الجغرافية المفتوحة للسواحل والمنافذ البرية.
كما عادت محافظة أبين، التي شكّلت لسنوات إحدى أبرز ساحات المواجهة مع تنظيم القاعدة، إلى واجهة التطورات الأمنية، بعد تعرض رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في مديرية مودية، حسين الميسري، لمحاولة اغتيال مطلع أبريل، قبل أن يتوفى لاحقًا متأثرًا بجراحه، في حادثة أعادت تسليط الضوء على هشاشة الوضع الأمني في بعض المناطق التي كانت قد شهدت تراجعًا ملحوظًا لنشاط التنظيم خلال السنوات الماضية.
في هذا السياق المتداخل، لم تعد هذه الوقائع تُقرأ بوصفها أحداثًا منفصلة، بل كسلسلة مترابطة تعكس تحولًا أعمق في البيئة الأمنية جنوب اليمن. فبين تقدم عسكري سريع أعقبه انسحاب مفاجئ، وتغير في موازين الإشراف الإقليمي، وانسحاب قوى كانت تمثل عمودًا أساسيًا في عمليات مكافحة الإرهاب، وظهور فراغات أمنية في نقاط حساسة، تتشكل صورة مركبة توحي بأن منظومة الضغط التي حدّت من نشاط تنظيم القاعدة خلال السنوات الماضية لم تعد تعمل بالكفاءة نفسها. ومع تزايد هذه المؤشرات، يبرز سؤال جوهري: هل يشهد جنوب اليمن مرحلة إعادة تموضع مؤقتة ضمن صراع أوسع على النفوذ، أم أن ما يجري يمثل بداية تآكل فعلي في بنية مكافحة الإرهاب التي تشكلت على مدى عقد كامل؟
”إعادة البناء الصامت”
تتجاوز قراءة وضع تنظيم القاعدة في جنوب اليمن ثنائية “الضعف” أو “العودة”، لتكشف — وفق مداخلات الخبراء — عن مرحلة أكثر تعقيدًا، يمكن وصفها بأنها انتقال من حالة الاستنزاف المستمر إلى “إعادة بناء صامتة” تستفيد من التحولات الأخيرة.
فخلال السنوات الماضية، تعرض التنظيم لسلسلة من الضربات التي وصفها الصحفي والباحث المتخصص في شؤون الجماعات الجهادية، عاصم الصبري، بأنها “فادحة”، خصوصًا تلك التي استهدفت قياداته العسكرية والميدانية، إلى جانب العمليات التي نفذتها القوات الجنوبية بدعم إماراتي في أبين وشبوة، والتي أدت إلى إضعاف بنيته بشكل كبير، وأدخلته في أزمات متعددة، شملت اختراقات أمنية ومشكلات مالية.
غير أن هذه الحالة من الضعف لم تكن، بحسب الصبري، نهاية لمسار التنظيم، بل مقدمة لتحول في سلوكه، حيث وجد في التطورات التي شهدها جنوب اليمن منذ ديسمبر 2025 “فرصة لإعادة ترتيب صفوفه والتقاط أنفاسه”، مستفيدًا من تراجع الضغط الأمني وانشغال الأطراف المختلفة بصراعات سياسية وعسكرية موازية. ويضيف لمركز سوث24 أن هذا التحول لم ينعكس فقط في استعادة التماسك التنظيمي، بل أيضًا في إعادة تنشيط محاولات الاستقطاب، خصوصًا في مناطق مثل شبوة وأبين ومأرب والبيضاء.
هذه القراءة تتقاطع مع تقييم باحث متخصص في شؤون الجماعات المسلحة، طلب عدم كشف هويته لحساسية الملف، يرى أن الضربات التي تعرض لها التنظيم خلال السنوات الماضية لم تؤدِّ إلى تفكيكه بالكامل، بل إلى إعادة تشكيل نمط عمله. فالتنظيم، تحت ضغط العمليات المستمرة، اضطر إلى تقليص ظهوره الميداني والاعتماد على تحركات أكثر حذرًا، ما أدى إلى انكشاف بعض قياداته واستهدافها.
وأشار الباحث إلى أن الدور الذي لعبته القوات المحلية في جنوب اليمن لم يكن هامشيًا، بل “أسهم بشكل مباشر في استنزاف التنظيم وكشف تحركاته”، كما عزز من فعالية الغارات الجوية الأمريكية التي اعتمدت بدرجة كبيرة على هذا الضغط الأرضي. غير أن الإشكالية، وفقًا له، تكمن في أن هذه المنظومة لم تتعرض فقط لتغير في الانتشار، بل لتراجع في وتيرة العمليات، وهو ما يخلق فجوة زمنية حساسة يمكن أن يستفيد منها التنظيم.
وفي هذا السياق، يحذر الباحث من أن “توقف الحملات العسكرية والأمنية وتجميدها خلال الفترة الأخيرة يمنح التنظيم فرصة ثمينة لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة جزء من قدراته”، مؤكدًا أن الخطر لا يكمن في عودة فورية للنشاط، بل في إعادة بناء تدريجية قد تمر دون ملاحظة في مراحلها الأولى.
ومن زاوية أكثر دقة، يكشف الصبري أن التنظيم لا يتحرك حاليًا بدافع العجز، بل وفق حسابات تكتيكية واضحة، مشيرًا إلى أن لدى القاعدة “قائمة أهداف وقيادات لتنفيذ عمليات ضد شخصيات أمنية وعسكرية”، إلا أن هذه العمليات لم تُنفذ حتى الآن، ليس بسبب فقدان القدرة، بل نتيجة اعتبارات داخلية، من بينها تجنب لفت الانتباه أو الدخول في مواجهة مباشرة في توقيت غير مناسب.
ويضيف الصبري أن التنظيم “لا يرغب في خلق أزمة مباشرة مع السعودية في هذه المرحلة”، وهو ما يعكس — في نظره — تحولًا في سلوك التنظيم نحو إدارة أكثر حذرًا لمواجهة الخصوم، بدل الانخراط في صدامات مفتوحة قد تعرقل عملية إعادة البناء.
في المقابل، يشير الباحث المتخصص إلى أن التنظيم بدأ بالفعل استثمار هذه المرحلة في تطوير قدراته، خصوصًا في مجالات التدريب والتأهيل، بما في ذلك التقنيات المرتبطة بالمتفجرات والإلكترونيات، استنادًا إلى معطيات تفيد ببدء تنفيذ دورات تدريبية في بعض هذه المجالات. وهو ما يعكس انتقالًا تدريجيًا من مرحلة “البقاء” إلى مرحلة “الاستعداد”.
ولا يقف التحذير عند هذا الحد، إذ يلفت الباحث إلى أن أخطر ما في هذه المرحلة هو تداخل العوامل الأمنية مع الحسابات السياسية، محذرًا من أن “انعكاس الخلافات السياسية أو الاقتصادية على تجميد جهود مكافحة الإرهاب يمثل مسألة شديدة الخطورة”.
ويعزز هذا التحذير باستدعاء تجربة سابقة في اليمن، مشيرًا إلى أن “ما بدأ في السابق كمجموعات محدودة خارج القانون في جبال صعدة، انتهى إلى واقع تسيطر فيه جماعة الحوثيين على شمال اليمن وتهدد أمن الملاحة الدولية”، في مقارنة تحمل دلالة واضحة على مخاطر التقليل من شأن المراحل الانتقالية في تطور الجماعات المسلحة.
وفي السياق ذاته، يلفت الباحث الذي فضل عدم ذكر اسمه إلى وجود “مخاوف متزايدة من تقاطعات أو بيئات دعم غير مباشرة” قد تشمل الحوثيين وبعض التنظيمات المتشددة في الإقليم، بما في ذلك القاعدة وحركة الشباب، وهو ما يضيف بعدًا إقليميًا للمخاطر المحتملة، حتى وإن ظل هذا التقاطع في حدوده غير المباشرة.
التشابك الإقليمي
لا تقف المخاوف المرتبطة بمستقبل مكافحة الإرهاب في جنوب اليمن عند حدود التراجع الميداني المحلي، بل تتقاطع مع قراءات حديثة صادرة عن جهات بحثية وتحليلية متعددة، ترى أن التحولات التي شهدها الجنوب منذ ديسمبر 2025 قد تفتح المجال أمام نمط أكثر تعقيدًا من التهديد، يتجاوز فكرة “عودة القاعدة” بصورتها التقليدية.
في هذا السياق، لفت تقرير شبكة بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED الصادر في 15 يناير 2026 حول جنوب اليمن إلى أن ما جرى في حضرموت والمهرة لم يكن مجرد تغير ميداني محدود، بل جزء من أزمة أوسع أعادت خلط موازين القوة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بما في ذلك المناطق التي ارتبطت سابقًا بجهود مكافحة الإرهاب. وتنبع أهمية هذا التوصيف من أنه يضع التغيرات الأخيرة في إطار بنيوي: أي أن المسألة لا تتعلق فقط بانسحاب قوة وتقدم أخرى، بل باهتزاز البيئة الأمنية التي كانت تُقيّد حركة التنظيمات المتشددة.
ويكتسب هذا المعنى وزنًا أكبر عند وضعه بجانب تقرير ACLED الآخر عن “الوضع الطبيعي الجديد” للقاعدة في اليمن، والذي يخلص إلى أن التنظيم لم يُهزم بصورة نهائية، بل أظهر استمرارية استراتيجية وقدرة على التكيّف، مع انتقاله إلى نمط أقل صخبًا وأكثر مرونة، يستفيد من التوترات المحلية والفراغات الأمنية بدل المواجهة المفتوحة المباشرة.
ومن زاوية أكثر اتساعًا، يضيف تقرير Jamestown Foundation المنشور في 17 أبريل طبقة جديدة من التحليل، إذ يربط بين التحولات داخل اليمن وبين تنامي علاقات براغماتية بين الحوثيين وتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، إلى جانب صلات مع حركة الشباب في الصومال. وبحسب التقرير، فإن هذا التقاطع لا يقوم على تحالف أيديولوجي، بل على تبادل مصالح يشمل السلاح، ومسارات التهريب، والتدريب، ومكونات الطائرات المسيّرة، وهو ما ينقل النقاش من مجرد “فراغ أمني محلي” إلى احتمال اندماج بعض الفاعلين المسلحين في شبكة إقليمية أكثر تعقيدًا عبر خليج عدن والقرن الإفريقي.
وتزداد أهمية هذا البعد عند ربطه بجغرافيا شرق جنوب اليمن، ولا سيما المهرة وحضرموت وشبوة. فهذه المناطق لا تظهر هنا فقط كساحات رخوة أمنيًا، بل كممرات محتملة ضمن بيئة تهريب عابرة للحدود. وكان تقرير فريق خبراء مجلس الأمن الدولي قد أشار لهذه الأنشطة في حضرموت.
أما موقع Just Security، وهو منصة تحليلية متخصصة في قضايا الأمن القومي والقانون الدولي مقرها الولايات المتحدة، فقد تناول في تقرير نُشر في فبراير 2026 مسألة الضربات الجوية ضد تنظيم القاعدة في اليمن من زاوية مختلفة، مشيرًا إلى أن هذه العمليات يُرجح أنها مستمرة، لكن في إطار يتسم بقدر ملحوظ من الغموض الرسمي وغياب التأكيدات العلنية المنتظمة كما كان الحال في فترات سابقة. وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها في كونها تعكس تحولًا في نمط إدارة هذا الملف دوليًا؛ إذ لا يبدو أن مكافحة التنظيم قد تراجعت من حيث الأولوية، لكنها باتت تُدار ضمن بيئة أقل شفافية وأضعف اتساقًا من حيث التنسيق المعلن، سواء على مستوى الشركاء المحليين أو في ما يتعلق بطبيعة الإسناد الخارجي، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد العام لجهود مكافحة الإرهاب في اليمن.
قبل شهرين
قبل 3 أشهر