Image: Fatemeh Bahrami/Anadolu/picture alliance
19-03-2026 الساعة 6 مساءً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | إبراهيم علي
يُلاحظ في المشهد الجهادي المعاصر أن تنظيم القاعدة لم يعد ذلك الهيكل المركزي الصلب الذي اتسم به خلال عهد أسامة بن لادن، بل تحوّل إلى شبكة من "الوكلاء المحليين" الذين يتأثرون بدرجة كبيرة بسياقات الدول التي ينشطون فيها، أو تلك التي تستضيف قياداتهم. وفي هذا الإطار، يبرز الدور الإيراني بوصفه عاملاً مؤثراً ممتداً عبر الزمن. فمنذ سنوات، استضافت طهران عدداً من قيادات الصف الأول في التنظيم، من بينهم سيف العدل، الذي يُعتقد على نطاق واسع أنه يدير التنظيم من داخل الأراضي الإيرانية.
ولا ترتبط العلاقة بين إيران وتنظيم القاعدة بالتطورات الراهنة المرتبطة بالحرب الإيرانية–الأمريكية أو الإسرائيلية، بل تعود جذورها إلى ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. ففي أعقاب سقوط نظام طالبان في أفغانستان، انتقل عدد من قيادات التنظيم وعائلاتهم إلى إيران.وتشير تقارير أمنية متعددة إلى أن بعض هؤلاء خضعوا لما وُصف لاحقاً بـ"الإقامة الجبرية المرنة"، وهي صيغة مكّنت طهران من إبقائهم تحت رقابة أمنية مشددة، دون قطع قنوات الاتصال معهم بشكل كامل. وفي المقابل، أعادت إيران بعض العناصر إلى بلدانهم، من بينهم زعيم الفرع اليمني الأسبق ناصر الوحيشي. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الشخصيات إلى ورقة ضغط بيد إيران، تستخدمها في صراعاتها غير المباشرة مع أطراف دولية وإقليمية، أو كأداة قابلة للتفعيل في لحظات التوتر. ولم يكن هذا التواجد، في أي مرحلة، ذا طابع إنساني بحت، بل اتخذ بعداً استراتيجياً مرتبطاً بحسابات النفوذ.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة الظهور المفاجئ لجماعة "أجناد بيت المقدس"، بالتزامن مع تصاعد الضغوط العسكرية على المحور الإيراني، بمعزل عن الحاجة الإيرانية إلى توسيع نطاق الاستهداف ضد القوات الأمريكية، ولكن عبر أدوات تحمل "بصمة" غير شيعية. تدرك طهران أن استهداف القواعد الأمريكية عبر وكلائها التقليديين في العراق أو اليمن أو غيرهما، قد يعرّضها لردود مباشرة ويمنح خصومها غطاءً دولياً لمحاسبتها. أما حين تصدر الهجمات عن تنظيمات سنية مثل القاعدة، فإن ذلك يربك الحسابات الأمريكية ويعقّد مسارات الرد. لذلك، يكتسب مفهوم "التخادم" الذي أشارت إليه صحيفة "النبأ" المقربة من تنظيم الدولة الإسلامية، دلالة تتجاوز التراشق الإعلامي بين التنظيمين. فبينما يرى تنظيم الدولة في براغماتية القاعدة تجاه إيران انحرافاً عن المنهج، تنظر القاعدة إلى هذا السلوك بوصفه خياراً ضرورياً للبقاء.
إن إعادة تفعيل ورقة القاعدة في هذا التوقيت يخدم إيران عبر ثلاثة مسارات رئيسية: تشتيت الجهد الاستخباري الأمريكي، وإيصال رسالة مفادها أن أي تصعيد ضدها قد يفتح المجال أمام انفجار طائفي أوسع، فضلاً عن خلق خصم غير مباشر يمكن التنصل منه لاحقاً. وفي هذا الإطار، قد لا تكون جماعة "أجناد بيت المقدس" سوى واجهة مؤقتة لأدوار عملياتية محددة، قابلة للاختفاء أو إعادة التشكل تحت مسميات مختلفة.
اليمن والساحات البديلة
عند تناول "فرع اليمن" (تنظيم القاعدة في جزيرة العرب)، فإن الحديث يدور حول أحد أكثر فروع التنظيم خبرة وقدرة على تنفيذ عمليات نوعية. وتوفر اليمن، في ظل تعقيداتها الأمنية، بيئة ملائمة لممارسة ضغوط متعددة المستويات. فمن جهة، تملك جماعة الحوثي نفوذاً على خطوط الملاحة في البحر الأحمر، ومن جهة أخرى، تتيح المناطق الخارجة عن سيطرتها المباشرة هامشاً لتحرك القاعدة، سواء بشكل مستقل أو عبر ترتيبات غير مباشرة قد تستهدف المصالح الغربية في خليج عدن والسواحل الجنوبية.
ويُضاف إلى ذلك عامل ميداني مهم يتمثل في التحولات التي شهدتها بعض محافظات الجنوب خلال الفترة الأخيرة. فقد كانت القوات الجنوبية خلال السنوات الماضية من أبرز الأطراف التي قادت عمليات ملاحقة تنظيم القاعدة واستنزفت قدراته بشكل ملحوظ. غير أن التطورات في حضرموت والمهرة، والتي ترافقت مع انتهاء الدور الإماراتي وتجميد أنشطة بعض التشكيلات المدعومة منها، أفضت إلى فراغ أمني نسبي في بعض المناطق. وقد يسهم هذا الفراغ في تقليص الضغط العملياتي على التنظيم، بما يتيح له إعادة ترتيب صفوفه أو توسيع نطاق تحركاته.
في المقابل، لا يمكن إغفال المعطيات التي كشفت عنها تقارير أممية وميدانية بشأن طبيعة العلاقة بين جماعة الحوثي وتنظيم القاعدة في اليمن. فبعيداً عن التصور التقليدي الذي يضع الطرفين في حالة عداء مطلق، أظهرت بعض الوقائع وجود مستويات متفاوتة من "التخادم" في مناطق معينة. وقد أشار فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة إلى حالات تضمنت تسهيل حركة عناصر من التنظيم، وتقديم رعاية طبية لجرحى، وربما إتاحة بعض أشكال الدعم اللوجستي. ورغم أن هذه المؤشرات لا ترقى إلى مستوى تحالف معلن، فإنها تعكس براغماتية ميدانية تفرضها ضرورات الصراع.
السؤال المحوري هنا يتمثل في ما إذا كانت إيران ستدفع باتجاه تفعيل هذا الفرع في المرحلة الراهنة. وتشير المعطيات إلى احتمال ذلك، ولكن ضمن حدود محسوبة. فطهران لا تسعى إلى تمكين تنظيم القاعدة بما يهدد نفوذ حلفائها، بقدر ما تهدف إلى إبقائه ضمن مستوى "وظيفي" يخدم أهدافاً محددة. وفي هذا الإطار، يمكن فهم إعادة تنشيط القاعدة في اليمن كرسالة غير مباشرة إلى واشنطن، مفادها أن أي تصعيد ضد إيران قد يؤدي إلى إعادة إحياء تهديدات الإرهاب العابر للحدود. وهي بذلك تستخدم التنظيم كأداة ضغط ضمن ما يمكن وصفه بـ"الابتزاز السياسي غير المباشر".
ويعزز هذا الطرح التزامن الملحوظ بين دعوات صادرة عن قيادة القاعدة لاستهداف المصالح الأمريكية، وبين تصاعد الحشود العسكرية في محيط إيران. وهو ما يوحي بأن القرار الاستراتيجي للتنظيم قد يتأثر بالبيئة التي تتحرك فيها قياداته. فإذا كانت بعض القيادات تقيم داخل إيران، فإن ذلك قد ينعكس على توجهات الفروع المختلفة، بما في ذلك فرع اليمن. وفي هذا السياق، يُلاحظ تراجع نسبي في حدة المواجهة بين القاعدة والحوثيين، مقابل تركيز أكبر على استهداف قوات مدعومة من التحالف أو التلويح بعمليات خارجية.
في المحصلة، تبدو إيران بصدد توظيف مجموعة متنوعة من الأدوات في صراعها الإقليمي، لا تقتصر على الميليشيات المرتبطة بها عقائدياً، بل تمتد لتشمل جماعات تتحرك بدوافع مصلحية، مثل بقايا تنظيم القاعدة. ويهدف هذا النهج إلى رفع كلفة المواجهة إلى أقصى حد، عبر توسيع نطاق التهديدات الأمنية. مع ذلك، لا تخلو هذه الاستراتيجية من مخاطر كامنة. فالاعتماد على جماعات جهادية سنية يطرح تحديات تتعلق بحدود السيطرة وإمكانية الانفلات. وقد تنقلب هذه الجماعات مستقبلاً على مصالح إيران، أو توظف المساحات التي أُتيحت لها في اتجاهات غير متوقعة.
كما أن أي هجمات تُنسب – ولو بشكل غير مباشر – إلى جماعات مرتبطة بإيران، قد توفر مبرراً لتوسيع العمليات العسكرية ضدها تحت شعار مكافحة الإرهاب، ما يضاعف كلفة المواجهة. وفي هذا السياق، قد لا تكون جماعة "أجناد بيت المقدس" سوى مؤشر أولي على نمط أوسع من التحركات المحتملة، في حال شعرت طهران بأن الضغوط المتصاعدة تهدد توازنها الاستراتيجي أو قدرتها على الاستمرار.
إبراهيم علي
خبير في مركز سوث24 في شؤون الجماعات المسلحة. أخفى هويته لأسباب أمنية.
السابق:
قبل 10 أيام
قبل 16 يوم