عربي

مستقبل ومحددات التحالفات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط

Thefintechtimes

آخر تحديث في: 28-02-2026 الساعة 5 مساءً بتوقيت عدن

تكشف كافة المؤشرات السابق الإشارة إليها، عن أنّ الشرق الأوسط يشهد تحولاً في طبيعة التحالفات من علاقات قائمة على الانقسامات الأيديولوجية التقليدية إلى تحالفات مرنة 

مركز سوث24 | محمد فوزي


على عكس السردية التي كانت تستقر عليها العديد من الأدبيات والكتابات السياسية والتي تُشير إلى أن منظومة التحالفات في منطقة الشرق الأوسط تتسم بدرجة عالية من الثبات والاستمرارية، فإن الهجمات التي نفذتها الفصائل الفلسطينية في 7 أكتوبر 2023 ضد إسرائيل في إطار ما عُرف بعملية "طوفان الأقصى" وما أتبعها من تداعيات حتى اليوم، بما في ذلك فتح العديد من الجبهات الصراعية والتصعيدية، كلها تطورات أدت إجمالاً إلى تغيرات جذرية ونوعية في أنساق التعاون والصراع وشبكة التحالفات في المنطقة. وعلى وقع ذلك شهدت الأشهر الأخيرة نتائج مهمة خاصة بهذه التغيرات وظهور الإفرازات الأولية لشبكة جديدة من التحالفات في المنطقة، وهي التحالفات التي يمكن وصفها في المرحلة الراهنة بأنها قيد "التشكل والنضج". ولعل تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" الأخيرة والتي أشار فيها إلى "العمل على تحالف إقليمي جديد ضد المحاور السنية والشيعية"، كانت معبرة بشكل كبير عن هذه الحالة الراهنة. في هذا الإطار  تحاول هذه الورقة الوقوف على أبرز التحالفات الناشئة في المنطقة ومؤشرات ذلك، فضلاً عن تسليط الضوء على العوامل البنيوية الكامنة وراء هذا التوجه.


أولاً: أبرز التحالفات الناشئة في المنطقة


أضحى إقليم الشرق الأوسط خصوصاً عقب عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، يتسم بدرجة كبيرة من السيولة والتعقيد، حيث لم يعد الإقليم منقسماً بوضوح بين محورين متقابلين، بل أصبح فضاءً لشبكات متداخلة من التفاهمات والتنافس. وفي هذا الإطار يمكن رصد مجموعة من المؤشرات المهمة الخاصة بشبكة التحالفات الناشئة في المنطقة:


1- إدارة الصراع السعودي الإيراني: شكلت إعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران في مارس 2023، بوساطة الصين، تحولاً نوعياً في بنية التفاعلات الإقليمية، ليس لأنها أنهت التنافس بين القوتين، بل لأنها أعادت تعريفه. فالطرفان لم ينطلقا من فرضية التسوية الشاملة أو المصالحة الاستراتيجية، وإنما من منطق أكثر واقعية يقوم على "إدارة الصراع" بدلاً من تصعيده أو السعي إلى حسمه.


وقد عكس هذا التحول إدراكاً متبادلاً بأن كلفة المواجهة غير المباشرة – عبر ساحات مثل اليمن والعراق ولبنان – باتت أعلى من عوائدها، وأن الاستنزاف المتبادل يهدد أولويات داخلية ملحة، سواءً ما يتعلق بمشروعات التحول الاقتصادي في السعودية أو بتحديات العقوبات والضغوط الداخلية في إيران. وبذلك، انتقل الطرفان من مرحلة الاشتباك المفتوح إلى مرحلة ضبط الإيقاع، حيث يتم احتواء التوتر ومنع تحوله إلى صدام مباشر، دون التخلي عن أدوات النفوذ أو أوراق الضغط.


2- إعادة صياغة المعادلة الأمنية في الخليج: شهدت السنوات الأخيرة إعادة صياغة عميقة للعقيدة الأمنية لدول الخليج، مدفوعة بتراكم شكوك حول صلابة المظلة الأمريكية التقليدية، حيث شكلت الهجمات الحوثية على منشآت أرامكو في السعودية، فضلاً عن استهداف الحوثيين للإمارات، وصولاً إلى الهجوم الإسرائيلي الأخير على قيادات حماس في الدوحة. بالإضافة لأسلوب إدارة واشنطن لملفات مثل الانسحاب من أفغانستان أو الرد المحدود على ضربات استهدفت حلفاءها، كلها شكلت لحظات مفصلية أثارت تساؤلات خليجية حول حدود الالتزام الأمريكي بالدفاع المباشر. 


وبناءً عليه برزت مقاربة جديدة تقوم على تنويع الشركاء الأمنيين بدلاً من الاعتماد الأحادي، فعلى مستوى السعودية اتجهت الرياض إلى توسيع هامشها عبر انفتاح أمني وتقني على باكستان وتركيا، مع تطوير حوار استراتيجي مع الصين في مجالات الدفاع والتكنولوجيا العسكرية، بما يعكس سعياً لبناء شبكة ردع متعددة المصادر. في المقابل، تبنت الإمارات نموذجاً مزدوجاً: تعميق التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة، بالتوازي مع تطوير شراكات أمنية وتكنولوجية مع إسرائيل بعد اتفاقات التطبيع، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والأمن السيبراني. وهنا يجدر الإشارة إلى أنّ هذا التحول لا يعني فك الارتباط بواشنطن، بل يعكس انتقالاً من مفهوم "الضامن الواحد" إلى "تعدد الضامنين والحلفاء"، حيث تسعى دول الخليج إلى إدارة المخاطر عبر توزيع رهاناتها الأمنية، بما يمنحها مرونة أكبر في بيئة إقليمية شديدة التقلب.


3- تداعيات اتفاقات أبراهام: مثلت اتفاقات أبراهام، التي وُقعت عام 2020 بين عدد من الدول العربية وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، تحولاً بنيوياً في مقاربة بعض العواصم العربية لمسألة العلاقة مع إسرائيل. إذ انتقلت من ربط التطبيع حصرياً بمسار التسوية الفلسطينية إلى تبني مقاربة تدريجية تقوم على فصل المسارات وإعطاء الأولوية للمصالح الوطنية المباشرة. على المستوى الإقليمي، أسهمت الاتفاقات في إعادة تعريف مفهوم الأمن، بحيث لم يعد مقتصراً على التهديدات العسكرية التقليدية، بل امتد إلى مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد، والتكامل الاقتصادي. كما فتحت المجال أمام شبكات تعاون جديدة في مجالات الطاقة والاستثمار والبحث العلمي، ما عزز منطق “الجيو-اقتصاد” في صياغة التحالفات.


وتجادل الدول المنخرطة في هذا المسار بأن الاتفاقات لم تُلغ مركزية القضية الفلسطينية في الوعي السياسي والشعبي العربي، بل أوجدت معادلة دقيقة تحاول الموازنة بين الانخراط البراغماتي في ترتيبات إقليمية جديدة والحفاظ على الثوابت المعلنة تجاه حل الدولتين وحقوق الفلسطينيين.


وفي هذا الإطار يمكن القول، إنّ الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة وما أعقبها من تداعيات إقليمية أضفت تحديات كبيرة على مسار الاتفاقات الإبراهيمية، إذ فرضت التطورات الميدانية والإنسانية ضغوطاً سياسية وشعبية على الدول العربية التي أقامت علاقات مع إسرائيل، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الإقليمي والدولي. حيث تعقّد هامش الحركة الدبلوماسية، وتباطأت بعض مسارات التعاون العلني، كما ارتفعت كلفة الانخراط السياسي في ظل حساسيات الرأي العام ما يتجسد في حالة التطبيع السعودي الإسرائيلي وهو المسار الذي تراجع بشكل كبير بعد الحرب. لكن ومع ذلك، لم تُفضِ الحرب إلى إلغاء الاتفاقات أو تفكيك بنيتها المؤسسية، على اعتبار أنّ هذه التفاهمات لم تكن ظرفية بالكامل، بل تأسست على مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية عميقة. 


4- التقارب المصري التركي السعودي: تشير التطورات المتسارعة في علاقات مصر والسعودية وتركيا إلى ملامح تقارب استراتيجي يتجاوز المصالح الثنائية نحو تنسيق ثلاثي كبير، وهو التنسيق الذي تجسد في العديد من المباحثات الثلاثية خلال الأشهر الأخيرة، يقوم على إدارة التوازنات الإقليمية في مرحلة شديدة الصعوبة يمر بها إقليم الشرق الأوسط. هذا التقارب لا يتخذ شكل تحالف رسمي أو محور مغلق، بل يتأسس على تقاطع مصالح في عدد من الملفات الحيوية. أول هذه الملفات هو الأمن الإقليمي، خاصة ما يتعلق باستقرار البحر الأحمر وشرق المتوسط، وتأمين خطوط الملاحة وسلاسل الإمداد في ظل تصاعد التهديدات غير التقليدية.


أما الملف الثاني فيتمثل في إعادة الإعمار والاستثمار الإقليمي، حيث تتقاطع القدرات المالية السعودية، والقاعدة الصناعية التركية، والعمق الجغرافي والبشري المصري في مشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل. أما الملف الثالث فيرتبط بإدارة الأزمات الممتدة في ليبيا وسوريا وغزة واليمن، مع إدراك مشترك بأن استمرار الفوضى يفتح المجال لتدخلات خارجية أوسع. كما يبرز عامل اقتصادي مهم، يتمثل في سعي الدول الثلاث إلى تنويع شراكاتها وتقليل الاعتماد الأحادي على القوى الكبرى، بما يمنحها هامش مناورة أوسع في بيئة دولية تتسم بالتنافس الحاد.


5- مشروع الممر الهندي: تبادل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ونظيره الهندي ناريندرا مودي، رسائل ودّ واحتفاء متبادل عبر منصّة "إكس"، وأكدا عمق ما وصفاه بـ"الصداقة" و"التحالف" بين البلدين، مع حديث عن زيارة مرتقبة لمودي إلى إسرائيل. وفي هذا الإطار يُطرح مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا باعتباره محاولة لإعادة هندسة الجغرافيا الاقتصادية والسياسية في الإقليم عبر ربط الموانئ الهندية بموانئ الخليج ثم إسرائيل وصولاً إلى أوروبا، بما يجمع بين البعد التجاري والاستراتيجي في آن واحد. فالممر لا يقتصر على تسهيل تدفقات السلع، بل يؤسس لشبكة بنية تحتية تشمل السكك الحديدية، والطاقة، والربط الرقمي، ما يمنحه طابعاً جيو-اقتصادياً واضحاً. وفي هذا المسار، تتعزز مكانة إسرائيل كمحطة عبور لوجستية بين آسيا وأوروبا، وهو ما يتقاطع مع مسار اتفاقات أبراهام ويمنحها بعداً اقتصادياً ملموساً يتجاوز التعاون الثنائي التقليدي.


وعلى مستوى آخر، يُضيف التحالف المتنامي بين الهند وإسرائيل في مجالات التكنولوجيا والدفاع والأمن السيبراني، بعداً استراتيجياً للمشروع، إذ يربط بين قوتين تسعيان إلى تنويع شراكاتهما الإقليمية وتقليل الاعتماد على مسارات تقليدية خاضعة لتوترات جيوسياسية. ومن المتوقع أن تلعب السعودية والإمارات دوراً محورياً في هذا الترتيب بحكم قدراتهما الاستثمارية وموقعهما الجغرافي، مع انخراط أوروبي داعم لتأمين الامتداد نحو المتوسط. غير أنّ مستقبل هذا الممر سيظل رهناً بمدى الاستقرار الأمني في المنطقة، وبقدرة الأطراف المعنية على الفصل بين المصالح الاقتصادية المشتركة والتوترات السياسية التي قد تعيد اختبار قابلية هذا التحالف الجيو-اقتصادي للاستمرار. 


ثانياً: سمات التحالفات الجديدة في المنطقة


مع الإقرار بوجود ترتيبات وتحالفات جديدة ناشئة، إلا أنّ هذه التحالفات تتسم بمجموعة من السمات والأنماط الديناميكية، وذلك على النحو التالي:


1- السيولة والديناميكية في التحالفات: باستقراء مسارات الحركة الخاصة بكافة دول المنطقة تجاه العديد من الملفات، يتضح أنّ السمة الأبرز في المشهد الإقليمي الراهن هي الانتقال من منطق "المحاور المغلقة" ذات الموقف الموحد إجمالاً إلى "الشبكات المرنة الجزئية". فلم تعد الدول تنخرط في تحالفات شاملة وممتدة عبر كل الملفات، بل باتت تبني ترتيبات انتقائية تختلف باختلاف القضية محل البحث: قد تتقاطع دولتان في ملف الطاقة وتتنافسان في ملف النفوذ الجيوسياسي، وتتعاونان أمنياً مع طرف ثالث في سياق مختلف. هذه السيولة تعكس إدراكاً متزايداً بأنّ البيئة الإقليمية شديدة التقلب، وأنّ الالتزام بمحور جامد قد يقيّد هامش المناورة الاستراتيجية. بذلك أصبح مفهوم "التحالف الموضوعي المؤقت" أكثر حضوراً من مفهوم "التحالف العقائدي طويل الأمد".


2- تقديم الحسابات الجيواقتصادية: أحد السمات الرئيسية لشبكة التحالفات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط، تتمثل في تقديم الاعتبارات الاقتصادية على الاعتبارات الأيديولوجية أو العسكرية. فمشاريع الممرات التجارية، وسلاسل الإمداد، والطاقة المتجددة، والربط الرقمي أصبحت أدوات لبناء التحالف بقدر ما كانت القواعد العسكرية والتحالفات الدفاعية في الماضي.


إنّ هذا التحول لا يعني تراجع البعد الأمني، بل إعادة تعريفه ليشمل الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، وأمن التكنولوجيا. وبذلك يتحول الاقتصاد إلى أداة ردع ناعمة ومصدر نفوذ طويل المدى، فيما يصبح الاستقرار شرطاً لازماً لجذب الاستثمار، وليس مجرد هدف سياسي. 


3- إدارة الصراعات بدلاً من المواجهة المباشرة والحسم: يُلاحظ في إطار التحالفات وشبكة العلاقات في منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، أنّ كثيراً من القوى الإقليمية انتقلت من استراتيجية المواجهة المفتوحة إلى استراتيجية "إدارة التنافس" كما في حالة العلاقات السعودية الإيرانية. فبدلاً من السعي إلى إقصاء الخصم أو تحجيمه بالكامل، يجري احتواء الخلاف ضمن حدود تمنع الانفجار الواسع. هذا النمط لا يلغي التناقضات الهيكلية، لكنه يضع لها سقفاً عملياً، ويمنع تحولها إلى صدام مباشر بين الدول. ويعكس ذلك إدراكاً لتكلفة الحروب الممتدة التي استنزفت المنطقة خلال العقد الماضي.


4- تنامي حضور القوى الدولية: أيضاً وفي إطار الحالة الراهنة في المنطقة، يُلاحظ أن حضور القوى الدولية الكبرى في النظام الدولي كالولايات المتحدة الأمريكية والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا، حتى وإن كان موجوداً منذ عقود، إلا أنّ هذا الحضور قد تنامى بشكل لافت، فلم يعد الشرق الأوسط مجال نفوذ أحادي لقوة دولية واحدة، بل ساحة لتنافس وتداخل أدوار بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى أوروبية. وفي المقابل، تبنت دول المنطقة سياسة "تنويع الشركاء"، بحيث لا تعتمد أمنياً أو اقتصادياً على شريك واحد. هذا التعدد يمنح الدول هامش تفاوض أوسع، لكنه في الوقت ذاته يخلق شبكة معقدة من الالتزامات المتقاطعة التي تتطلب إدارة دقيقة لتفادي التناقض بين الشراكات المختلفة.


5- تراجع البعد الأيديولوجي في السياسة الخارجية: يُشير التحول الجاري في سياسات دول الشرق الأوسط، ولا سيما العربية، إلى انحسار تدريجي لمركزية البعد الأيديولوجي في تشكيل التحالفات، مقابل صعود واضح لمنطق المصلحة الوطنية بوصفه المحدد الرئيسي للسلوك الخارجي. ففي مرحلة ما بعد 2011، لعبت الاصطفافات الأيديولوجية – سواء المرتبطة بالإسلام السياسي، أو بمحاور "المقاومة" و"الاعتدال"، أو بالاستقطاب الطائفي – دوراً حاداً في رسم خرائط التحالف والصراع. غير أنّ كلفة هذا الاستقطاب، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، دفعت عدداً من الدول إلى إعادة تقييم أولوياتها، خصوصاً في ظل الضغوط الديموغرافية وتحديات النمو والبطالة والتحول الاقتصادي. ومع إطلاق مشروعات وطنية كبرى للتنويع الاقتصادي وجذب الاستثمار، بات الاستقرار الإقليمي شرطاً ضرورياً للتنمية، ما فرض مقاربة أكثر براغماتية تقوم على تهدئة الخصومات وتوسيع دوائر الشراكة حتى مع أطراف كانت تُصنف سابقاً كخصوم أيديولوجيين.


6- استمرار حضور الفاعلين من دون الدول: رغم أنّ موجة التصعيد الأخيرة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط قد أعادت إبراز مركزية الدولة في إدارة الصراع والردع، فإنها في الوقت ذاته أكدت أن الفاعلين من دون الدول ما زالوا جزءاً بنيوياً من معادلة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، بل إنّ تداعيات الحرب أعادت تنشيط أدوارهم العابرة للحدود. فقد تحولت ميليشيا الحوثي في اليمن إلى لاعب إقليمي مباشر عبر استهداف الملاحة في البحر الأحمر وربط سلوكه العسكري بسياق "نصرة غزة"، وفي لبنان حافظ حزب الله على حضوره رغم الخسائر الكبيرة التي مُني بها في الحرب الأخيرة مع إسرائيل، وفي السياق السوري لا يزال تنظيم داعش قادراً على إعادة إنتاج نفسه عبر خلايا متنقلة وهجمات استنزاف تؤكد أنّ الهزيمة العسكرية لا تعني التفكك التنظيمي الكامل.


أما في العراق، فتواصل الفصائل المسلحة المنضوية ضمن أطر شبه رسمية لعب دور مزدوج: فهي جزء من بنية الدولة الأمنية من جهة، وأداة ضغط إقليمي ضمن شبكات محسوبة على إيران، من جهة أخرى. تكشف هذه الحالات أنّ مرحلة ما بعد حرب غزة لم تُفضِ إلى انحسار الفاعلين من دون الدول، بل أعادت دمجهم في معادلات الردع والضغط المتبادل، بحيث بات الاستقرار الإقليمي رهناً بتفاعلات شبكة هجينة من الدول والكيانات المسلحة، يصعب فيها الفصل بين المحلي والإقليمي، وبين الرسمي وغير الرسمي.


ثالثاً: العوامل البنيوية وراء هذه التحولات في المنطقة


في إطار مناقشة التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والتحالفات الناشئة والجديدة في المنطقة، من المهم الإشارة إلى مجموعة من العوامل البنيوية والمتغيرات المهمة التي دفعت باتجاه هذه التحولات، وذلك على النحو التالي:


1- طبيعة الحضور الأمريكي في الإقليم: لا يمكن النظر إلى التحالفات الناشئة والجديدة في منطقة الشرق الأوسط، بمعزل عن العامل الأمريكي، منذ تحول الاستراتيجية الأمريكية نحو آسيا في عهد باراك أوباما، مروراً بسياسات دونالد ترامب وجو بايدن والحقبة الراهنة لـ "ترامب"، وهي سياسة ترسخ إدراك إقليمي بأن المظلة الأمنية الأمريكية لم تعد مطلقة أو غير مشروطة. هذا الإدراك حفز دولاً إقليمية على تنويع شراكاتها الدفاعية، والبحث عن ترتيبات أمنية مرنة، سواء عبر تقاربات ثنائية أو أطر متعددة الأطراف، لتقليل مخاطر الاعتماد الأحادي. 


2- تصاعد التهديدات العابرة للحدود: شهدت منطقة الشرق الأوسط مجموعة من التحولات المهمة التي أثرت بشكل أو بآخر على طبيعة صياغة التحالفات، فانتشار نمط الحروب اللاتماثلية، وانتشار الفاعلين من دون الدول، وتطور قدرات الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، جعلت الأمن مسألة إقليمية مترابطة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإنّ الهجمات التي نفذتها ميليشيا الحوثي في اليمن على الملاحة في البحر الأحمر، فضلاً عن تنامي تقارير بوجود تعاون لميليشيا الحوثي مع تنظيم القاعدة خصوصاً في الصومال، أبرزت أنّ التهديد لم يعد محصوراً داخل الحدود الوطنية، ما يدفع الدول إلى بناء شبكات إنذار مبكر وتعاون استخباراتي وعسكري عابر للحدود. 


3- الخلافات العربية - العربية: لا يمكن مناقشة مسألة التحالفات الناشئة في المنطقة، بمعزل عن الخلافات العربية - العربية في السنوات الأخيرة، إذ أنّ التباينات بين الدول العربية وبعضها البعض تجاه العديد من الملفات، تدفعها إلى تبني مقاربات انتقائية ومرنة بدل الانخراط في أطر جماعية صلبة. فالتجربة الخليجية منذ أزمة 2017 داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية فضلاً عن الخلافات السعودية الإماراتية الأخيرة والتي برزت بشكل كبير في الملف اليمني، أظهرت أنّ التباينات في تقدير التهديدات—سواء تجاه إيران أو تجاه الحركات الإسلامية أو طبيعة العلاقة مع القوى الكبرى—يمكن أن تعيد ترتيب الأولويات الوطنية حتى داخل التكتل الواحد. ورغم الاحتواء الشكلي لهذه الخلافات، بقيت آثار الأزمة حاضرة في نزعة بعض الدول إلى تنويع شراكاتها الدفاعية والاقتصادية خارج الإطار الخليجي التقليدي، بما يعكس سعياً لتقليل الاعتماد على النهج الجماعي.


وتأكيداً على هذا المعنى وعلى المستوى المغاربي، ينعكس التوتر المستمر بين الجزائر والمغرب—خصوصاً على خلفية ملف الصحراء—في تعطيل فاعلية اتحاد المغرب العربي، ما يدفع كل دولة إلى بناء شبكات تحالف ثنائية أو متعددة خارج الإطار الإقليمي المباشر. 


4- تأثير الحرب الأخيرة: أحدثت الحرب الأخيرة في غزة وتداعياتها الإقليمية تحولاً نوعياً في بنية شبكة التحالفات الإقليمية، إذ لم تفرز اصطفافاً ثنائياً حاداً بقدر ما أعادت تشكيل منظومة توازنات معقدة تقوم على إدارة المخاطر لا حسمها. فمن جهة، عززت الحرب ترابط ساحات الاشتباك عبر انخراط فاعلين مرتبطين بمحور إقليمي تقوده إيران، سواء عبر تحركات ميليشيا الحوثي في البحر الأحمر أو ديناميات الردع المتبادل التي يديرها حزب الله على الجبهة الشمالية لإسرائيل، ما رسّخ مفهوم "وحدة الساحات" وأدخل أمن الملاحة والطاقة في قلب معادلة الصراع. 


ومن جهة أخرى، دفعت الحرب دولاً عربية كانت منخرطة في مسارات تهدئة أو تطبيع إلى إعادة معايرة تموضعها، دون أن يعني ذلك انقلاباً استراتيجياً كاملاً، بل انتقالاً إلى صيغة أكثر حذراً توازن بين الضغوط الشعبية والاعتبارات الأمنية. وفي الوقت نفسه، أعادت الولايات المتحدة تكثيف حضورها العسكري لطمأنة الحلفاء ومنع اتساع المواجهة، بينما حافظت قوى كبرى أخرى على أدوار موازنة، ما وسع هامش المناورة أمام العواصم الإقليمية.


وبهذا المعنى، كرست الحرب نمط "التحالفات الشبكية" المتغيرة، حيث تتقاطع مسارات الردع والتطبيع والوساطة في آن واحد، وأصبح الاستقرار رهناً بقدرة هذه الشبكة الهجينة—التي تضم دولاً وفاعلين من دون دول—على إبقاء التصعيد تحت عتبة الانفجار الشامل، لا بإنهاء جذور الصراع ذاته.


رابعاً: المسارات المحتملة لشبكة التحالفات في المنطقة


تكشف كافة المؤشرات السابق الإشارة إليها، عن أنّ الشرق الأوسط يشهد تحولاً في طبيعة التحالفات من علاقات قائمة على الانقسامات الأيديولوجية التقليدية إلى تحالفات مرنة تستجيب أولاً للمصالح الأمنية والاقتصادية، كذلك فإنّ المنطقة أصبحت ساحة للتنافس الاستراتيجي بين القوى العالمية. فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على وجودها ونفوذها التقليدي، بينما يتزايد انخراط الصين وروسيا عبر الدبلوماسية الاقتصادية والتعاون التكنولوجي والأمني، مع محاولة كل قوة أيضاً حماية مصالحها في مصادر الطاقة ومسارات التجارة. وفي هذا الإطار يبدو أنّ هناك مسارات رئيسية بالنسبة لشبكة التحالفات في المنطقة، وذلك على النحو التالي:


- على مستوى المحور المحسوب على إيران، يبدو أنّ الضغوط المتراكمة—من العقوبات الاقتصادية، إلى الضربات العسكرية، إلى محاولات احتواء النفوذ الإيراني إقليمياً—تدفع هذا المحور إلى التحول من مشروع توسعي هجومي إلى شبكة ردع مرنة تسعى إلى تثبيت النفوذ القائم أكثر من توسيعه. وفي المقابل، فإنّ أي تسويات إقليمية كبرى، سواء بين طهران وخصومها الخليجيين أو عبر ترتيبات أمنية أوسع برعاية قوى دولية، قد تفرض على هذا المحور إعادة تموضع تدريجي يوازن بين الحفاظ على سرديته الأيديولوجية ومتطلبات الدولة الوطنية.


- على مستوى المحور الذي تسعى إسرائيل إلى تشكيله، استغلالاً لاتفاقات أبراهام، وكذا الضربات التي مُني بها المحور الموالي لإيران، فإنّ مستقبل هذه التوجهات يظل مرهوناً بثلاثة متغيرات رئيسية: أولاً، مسار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي واحتمالات انفجاره الدوري بما يحرج الشركاء العرب داخلياً. ثانياً، طبيعة الانخراط الأمريكي ومدى التزام واشنطن بتوفير مظلة ردع إقليمية. وثالثاً سياسات اليمين المتطرف في إسرائيل ومدى القدرة على ضبط هذه السياسات التوسعية. وعليه، فإنّ هذا المحور مرشح للاستمرار من حيث المبدأ، لكنه سيبقى أقرب إلى شبكة ترتيبات مرنة ومتدرجة العمق، تتقدم في المجالات التقنية والاقتصادية بوتيرة أسرع من المجالين السياسي والأمني.


- تدفع كافة المؤشرات والسياق الإقليمي الراهن باتجاه ديناميكية كبيرة في تحالفات ما يُعرف بمحور "الاعتدال العربي"، من حيث تبني مقاربة براغماتية توازن بين الشراكة الاستراتيجية مع الغرب والانفتاح المتدرج على قوى إقليمية أخرى. في السياق الراهن، لم يعد مفهوم "الاعتدال" قائماً على اصطفاف سياسي جامد، بل على إدارة مركبة للعلاقات مع قوى متنافسة، من خلال تنويع الشركاء، وتغليب أولويات الاستقرار الاقتصادي، وتفادي الانخراط في محاور صدامية مفتوحة. غير أنّ التحدي الأعمق يكمن في مستقبل النظام الإقليمي العربي ذاته؛ فمؤسسات العمل العربي المشترك، وعلى رأسها جامعة الدول العربية، لم تعد وحدها الإطار الناظم للتفاعلات، في ظل صعود ترتيبات دون إقليمية (خليجية، متوسطية، أمنية–اقتصادية) تتجاوز الإطار العربي التقليدي. وعليه، فإنّ بقاء "الاعتدال العربي" كقوة فاعلة، مرهون بقدرته على بلورة رؤية جماعية لإعادة تعريف الأمن القومي العربي. 


محمد فوزي
خبير في شؤون الأمن الإقليمي، باحث في مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا