مشاريع

ندوة نقاش | المجلس الانتقالي الجنوبي في 2026: التحولات، التحديات، وآفاق المستقبل

الندوة النقاشية

آخر تحديث في: 11-03-2026 الساعة 9 مساءً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | ندوة نقاشية


ناقش مشاركون في أمسية رمضانية نظمها مركز سوث24 للأخبار والدراسات في عدن، 8 مارس 2026، واقع المجلس الانتقالي الجنوبي في ظل التحولات السياسية المتسارعة التي يشهدها الجنوب منذ أواخر عام 2025، مسلطين الضوء على إخفاقات التجربة وتحديات المرحلة الراهنة، إلى جانب السيناريوهات المحتملة لمستقبل المجلس وقضية الجنوب.


وشهدت الأمسية نقاشًا صريحًا بين المتحدثين حول أسباب الأزمة التي يواجهها المجلس الانتقالي، في ظل التطورات السياسية والأمنية الأخيرة، بما في ذلك إغلاق بعض مقراته، والضغوط السياسية التي يتعرض لها، إضافة إلى الجدل الذي أثاره إعلان حل المجلس من الرياض مطلع العام الجاري.


وجاءت الندوة بعنوان "المجلس الانتقالي الجنوبي في 2026: التحولات، التحديات، وآفاق المستقبل"، بمشاركة كل من د. يحيى شائف الشعيبي رئيس منسقية المجلس الانتقالي الجنوبي بجامعة عدن، ود. فضل الربيعي الأكاديمي والباحث، ود. أوهاد محمد رئيسة إدارة التعليم الأكاديمي في هيئة التعليم والشباب والرياضة بالمجلس الانتقالي، والصحفي صلاح السقلدي. وأدار النقاش مدير المكتب الإقليمي لمركز سوث24 في عدن يعقوب السفياني.



وتناولت الندوة ثلاثة محاور رئيسية ركزت على إخفاقات تجربة المجلس الانتقالي وتحديات المرحلة، ودوره في السياق الراهن، إضافة إلى آفاق مستقبل الجنوب في ضوء التطورات السياسية الإقليمية والمحلية.


إخفاقات التجربة وتحديات المرحلة


في المحور الأول من الندوة، ركز المتحدثون على تقييم تجربة المجلس الانتقالي منذ تأسيسه عام 2017، حيث طُرحت قراءات مختلفة حول أسباب الإخفاقات التي واجهها خلال السنوات الماضية.




واعتبر الأكاديمي والباحث فضل الربيعي أن أحد أبرز إخفاقات التجربة تمثل في ضعف بناء المؤسسات الفكرية والمعرفية المرتبطة بالمجلس، مشيرًا إلى أن المجلس لم ينجح في الاستثمار في مراكز التفكير والنخب العلمية القادرة على التأثير في مراكز القرار الإقليمية والدولية.


وقال الربيعي إن "أول إخفاق تمثل في عدم التركيز على المنتج الفكري والعقول"، موضحًا أن كثيرًا من المراكز المرتبطة بالمجلس "تم التعامل معها وفق حسابات الولاء أو التكسب، ما أبعد الكثير من النخب العلمية القادرة على التأثير في صناع القرار".


كما أشار إلى أن الازدواجية في ممارسة السلطة شكلت أحد التحديات الرئيسية، موضحًا أن مشاركة المجلس في مؤسسات "الشرعية" وفي الوقت نفسه تبنيه مشروعًا سياسيًا مستقلاً خلق حالة من التناقض في موقعه السياسي.


وأضاف أن تضخم الهياكل التنظيمية داخل المجلس كان من بين الإشكالات التي أثرت على علاقته بالشارع، موضحًا أن توسع المسميات التنظيمية وتوزيع الموارد المالية "أدى إلى إضعاف النقد الداخلي وإبعاد المجلس عن الاستماع للرأي الآخر".


كما تطرق الربيعي إلى إدارة العلاقات الإقليمية، مؤكدًا أن المجلس كان بحاجة إلى تحقيق توازن أكبر في علاقاته مع القوى الإقليمية، خصوصًا السعودية والإمارات، داعيًا إلى إعادة النظر في طبيعة هذه العلاقات.


من جهته، رفض د. يحيى شائف الشعيبي توصيف ما جرى على أنه إخفاقات داخلية فقط، معتبرًا أن التحديات التي واجهها المجلس ترتبط أساسًا بوجود "طرف معطل" في المشهد السياسي اليمني.


وأشار إلى أن قضية الجنوب تعود جذورها إلى ما بعد حرب 1994، مؤكدًا أن المجلس الانتقالي جاء نتيجة مسار نضالي طويل خاضه الجنوبيون خلال العقود الماضية.


وقال الشعيبي إن كثيرًا مما يُوصف بالإخفاقات "لا يمكن تقييمه بمعزل عن البيئة السياسية المعقدة التي يعمل فيها المجلس"، مضيفًا أن الشراكة السياسية التي نشأت بعد اتفاق الرياض خلقت تناقضات كبيرة في إدارة المرحلة.


كما اعتبر أن الضغوط السياسية التي تعرض لها المجلس خلال الفترة الأخيرة، بما في ذلك إغلاق مقراته وملاحقة بعض قياداته، تمثل جزءًا من محاولات إضعاف الحامل السياسي لقضية الجنوب.


في المقابل، قدّم الصحفي صلاح السقلدي قراءة نقدية أكثر صراحة لتجربة المجلس، معتبرًا أن بعض الأزمات التي يواجهها اليوم تعود إلى أخطاء داخلية تراكمت خلال السنوات الماضية.


وقال السقلدي إن المشكلة لا تتعلق فقط بالإخفاقات، بل بوجود أخطاء سياسية وتنظيمية داخل المجلس، مشيرًا إلى أن بعض القرارات المصيرية لم تكن تُناقش داخل الهيئات التنظيمية المفترض أن تشارك في اتخاذ القرار.



صلاح السقلدي


وأضاف أن من بين هذه الإشكالات المحسوبية داخل دائرة القرار، إلى جانب ما وصفه بانتشار النزعات المناطقية داخل بعض الهياكل التنظيمية، مؤكدًا أن معالجة هذه المشكلات تتطلب الاعتراف بها أولًا.


ورغم ذلك، شدد السقلدي على أن استهداف المجلس الانتقالي في الوقت الراهن يتجاوز كونه استهدافًا لتنظيم سياسي بعينه، معتبرًا أن "استهداف الانتقالي هو استهداف للقضية الجنوبية نفسها".


لكن د. أوهاد محمد، رفضت السردية التي تقول إن القرار داخل المجلس يتمركز في دائرة ضيقة أو بقرار فردي، مؤكدة أن القرارات داخل المجلس الانتقالي تُتخذ عبر آليات تشاورية ومداولات بين قياداته. وأوضحت أن رئيس المجلس عيدروس الزبيدي "لا يتخذ قراراته بشكل أحادي"، بل تُطرح القضايا للنقاش والتصويت داخل الهيئات القيادية.


وتطرقت إلى الظروف التي رافقت سفر بعض قيادات المجلس إلى الرياض، مشيرة إلى أن القيادات التي شاركت في تلك الزيارة كانت قد ناقشت مسبقًا هدف المشاركة، وهو التمسك بمطلب استعادة الدولة الجنوبية. وأضافت أن تلك القيادات "لم تكن تتوقع فرض قيود مثل الإقامة الجبرية أو سحب الجوازات أو فرض قرارات معينة عليها".


وأكدت أوهاد أن المجلس الانتقالي يستمد شرعيته أساسًا من التفويض الشعبي في الجنوب، معتبرة أن الجهة التي تملك حق تقرير مصيره هي الشارع الجنوبي. وقالت إن ردود الفعل الشعبية والاحتجاجات التي شهدتها مدن الجنوب عقب إعلان حل المجلس تعكس استمرار هذا الدعم الشعبي للمجلس.


مستقبل المجلس الانتقالي ودوره في المرحلة الراهنة


في المحور الثاني من الندوة، ناقش المشاركون موقع المجلس الانتقالي الجنوبي في المشهد السياسي الراهن، في ظل التطورات التي شهدتها الساحة الجنوبية خلال الأشهر الأخيرة، بما في ذلك الضغوط السياسية والأمنية التي تعرض لها المجلس، وإغلاق بعض مقراته، والجدل حول إعلان حله من الرياض.


وفي هذا السياق، اعتبر د. فضل الربيعي أن فهم مستقبل المجلس الانتقالي يتطلب قراءة المشهد ضمن السياق الأوسع للأزمة اليمنية، مؤكدًا أن أي حركة سياسية تسعى لقيادة مشروع وطني تحتاج إلى ثلاثة مقومات أساسية: تنظيم سياسي قادر على الحشد، وقوة عسكرية تحمي المشروع السياسي، وعلاقات خارجية توفر الغطاء الإقليمي والدولي.


وأوضح الربيعي أن هذه المقومات لم تكن متاحة للجنوبيين قبل عام 2015، نتيجة السياسات التي انتهجها نظام صنعاء بعد حرب 1994، والتي استهدفت – بحسب قوله – تفكيك التنظيمات السياسية الجنوبية وإضعاف المؤسسات العسكرية وقطع أي امتداد للعلاقات الخارجية.



د. فضل الربيعي


وأشار إلى أن المجلس الانتقالي جاء في الأساس كمحاولة لإعادة بناء هذه العناصر الثلاثة، لكنه يواجه اليوم تحديات كبيرة تهدد تماسكه، في ظل الضغوط السياسية التي تعرض لها خلال الفترة الأخيرة.


وقال إن ما يجري لا يمكن اعتباره نهاية للمجلس، لكنه يمثل لحظة انكسار مؤقتة قد تتحول – في حال استُثمرت بشكل صحيح – إلى فرصة لإعادة بناء المشروع السياسي على أسس أكثر صلابة.


كما حذر الربيعي من تداعيات استمرار الخلافات الإقليمية على المشهد الجنوبي، مشيرًا إلى أن تفاقم التنافس بين القوى الإقليمية قد يؤدي إلى انقسام القوى الجنوبية نفسها، إذا لم يتم الحفاظ على توازن العلاقات الخارجية.


من جهتها، قدمت د. أوهاد محمد قراءة مختلفة لواقع المجلس الانتقالي في المرحلة الراهنة، مؤكدة أن التحديات التي يواجهها المجلس، بما في ذلك إغلاق المقرات وتأخر الرواتب لبعض العاملين فيه، لم تؤد إلى توقف أنشطته أو تراجع حضوره في الشارع.


وقالت إن إغلاق بعض المقرات "لن يوقف قضية الجنوب"، مشيرة إلى أن أنشطة المجلس مستمرة في مختلف المحافظات عبر فعاليات سياسية وثقافية ورياضية، إلى جانب الوقفات الاحتجاجية التي نظمها أنصاره احتجاجًا على إغلاق مقراته.


وأضافت أن تأخر الرواتب وتقليصها خلال الفترة الأخيرة لم يمنع كثيرًا من كوادر المجلس من الاستمرار في نشاطهم، معتبرة أن قضية الجنوب بالنسبة لهم تتجاوز الاعتبارات المادية.


كما أشارت إلى أن المجلس لا يزال يحظى بدعم شعبي واسع في الجنوب، مؤكدة أن هذا الدعم يمثل عنصرًا أساسيًا في قدرة المجلس على الصمود في مواجهة الضغوط السياسية الراهنة.


بدوره، ركز د. يحيى شائف الشعيبي على البعد الشعبي في شرعية المجلس الانتقالي، معتبرًا أن ما يواجهه المجلس اليوم من ضغوط لم يؤد إلى إضعاف قاعدته الشعبية، بل أدى – بحسب رأيه – إلى تعزيز الالتفاف الشعبي حوله.



د. يحيى شائف الشعيبي


وقال إن الشعب الجنوبي "أثبت خلال العقود الماضية قدرة كبيرة على الصمود"، مشيرًا إلى أن محاولات استهداف الحامل السياسي لقضية الجنوب لم تؤد إلى انهياره، بل إلى زيادة التعبئة الشعبية حوله.


واعتبر الشعيبي أن المعركة الأساسية في المرحلة الراهنة هي معركة الوعي السياسي، مشددًا على أن الحفاظ على وحدة الصف الجنوبي وتعزيز الوعي بقضية الجنوب يمثلان عاملين حاسمين في تحديد مستقبل المجلس.


في المقابل، قدم الصحفي صلاح السقلدي قراءة أكثر تحذيرًا لمستقبل المجلس الانتقالي، مشيرًا إلى أن الضغوط التي يتعرض لها المجلس لا تقتصر على الإجراءات السياسية، بل تشمل أيضًا محاولات لاستقطاب بعض القيادات السياسية والعسكرية من داخله.


وأوضح أن هذا النوع من الضغوط قد يؤدي إلى إضعاف المجلس من الداخل إذا لم يتم التعامل معه بحذر، مؤكدًا أن التحدي الأكبر يتمثل في الحفاظ على تماسك البنية التنظيمية للمجلس في ظل هذه الظروف.


آفاق مستقبل الجنوب (استشراف وسيناريوهات)


في المحور الثالث والأخير من الندوة، انتقل النقاش إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لمستقبل المجلس الانتقالي الجنوبي وقضية الجنوب في ضوء التطورات السياسية الراهنة.


ورأى د. فضل الربيعي أن المشهد الحالي لا يزال مفتوحًا على عدة احتمالات، لكنه حذر من أن استمرار المسار الحالي قد يقود إلى محاولات لإعادة تشكيل المشهد السياسي في الجنوب عبر تفكيك المجلس الانتقالي وإنتاج كيانات بديلة.




وأشار إلى أن بعض المؤشرات السياسية والخطابات المتداولة خلال الفترة الأخيرة توحي بوجود توجه لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي تحت عنوان تهيئة الأجواء لحوار جنوبي جديد، إلا أنه تساءل عن جدوى مثل هذه الخطوات إذا كانت تستهدف طرفًا سياسيًا بعينه دون غيره.


وقال إن الحديث عن حل المجلس الانتقالي بحجة تهيئة حوار جنوبي يطرح تساؤلات حول سبب استهداف هذا الكيان تحديدًا دون بقية القوى السياسية، محذرًا من أن تفكيك الحامل السياسي الرئيسي لقضية الجنوب قد يفتح الباب أمام تفكيك أوسع للبنية السياسية والاجتماعية في الجنوب.


كما أشار الربيعي إلى أن استمرار التوتر في العلاقة بين بعض القوى الإقليمية قد ينعكس سلبًا على الداخل الجنوبي، إذا تحولت الخلافات الإقليمية إلى صراعات داخلية بين القوى المحلية.


من جهتها، أكدت د. أوهاد محمد أن مستقبل المجلس الانتقالي مرتبط بقدرته على تطوير أدواته السياسية والتنظيمية في المرحلة المقبلة، مشيرة إلى أن الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها مدن الجنوب خلال الفترة الماضية تعكس استمرار الحضور الجماهيري للمجلس.


وقالت إن المرحلة الحالية تتطلب من قيادة المجلس الانتقالي تبني خطوات استراتيجية تتجاوز الاحتجاجات الشعبية، عبر وضع خطط واضحة لإدارة المرحلة المقبلة وتعزيز العمل المؤسسي داخل المجلس.



د. أوهاد محمد


أما د. يحيى شائف الشعيبي فقد ركز في مداخلته على أهمية تعزيز الوعي السياسي في المجتمع الجنوبي باعتباره عاملًا حاسمًا في تحديد مآلات المرحلة المقبلة.


وقال إن التجربة السياسية التي مر بها الجنوب خلال العقود الماضية أسهمت في تشكيل وعي سياسي متقدم لدى المجتمع الجنوبي، وهو ما ظهر – بحسب قوله – في ردود الفعل الشعبية الواسعة التي شهدتها مدن الجنوب خلال الأشهر الأخيرة.


واعتبر أن المعركة في المرحلة المقبلة ليست عسكرية أو سياسية فقط، بل هي أيضًا معركة وعي، مؤكدًا أن الحفاظ على وحدة الصف الجنوبي وتعزيز العمل السياسي المنظم يمثلان شرطين أساسيين للحفاظ على المشروع السياسي الجنوبي.


في المقابل، حذر الصحفي صلاح السقلدي من أن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولات لإعادة هندسة المشهد السياسي في الجنوب عبر استقطاب القيادات السياسية والعسكرية وإعادة تشكيل موازين القوى داخل المجلس الانتقالي نفسه.


وأشار إلى أن هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام ظهور كيانات سياسية جديدة أو إعادة إنتاج مكونات جنوبية بديلة، إذا لم يتم التعامل مع الأزمة الحالية بحكمة سياسية.


وأضاف أن التحدي الأكبر أمام المجلس الانتقالي في المرحلة المقبلة يتمثل في قدرته على إجراء مراجعة داخلية حقيقية لتجربته السياسية، إلى جانب إعادة صياغة علاقاته الإقليمية بما يضمن قدرًا أكبر من التوازن في إدارة التحالفات.


- مركز سوث24 للأخبار والدراسات 

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا