دراسات

سلسلة الهوية الدينية في جنوب اليمن: تحولات المشهد الديني في سياق نظام الوحدة

غلاف الدراسة - أحمد البنا (كردت: مركز سوث24)

آخر تحديث في: 24-02-2026 الساعة 11 صباحاً بتوقيت عدن

سوث24 | عدن


أصدر مركز سوث24 للأخبار والدراسات، الجزء الثالث من سلسلته البحثية الموسومة بـ"الهوية الدينية في جنوب اليمن"، تحت عنوان: تحولات المشهد الديني في سياق نظام الوحدة (1990–2015)، من إعداد أ. د. فضل الربيعي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عدن، وأ. مشارك. د. أمل صالح راجح.


وقد تناولت الدراسة التحولات العميقة التي شهدها الجنوب عقب إعلان الوحدة اليمنية، وانعكاسات التداخل بين الدين والسياسة على الهوية والمجتمع والدولة.


الدراسة اعتمدت مقاربة سوسيولوجية لتحليل ديناميات العلاقة بين الدين والسياسة، مركّزة على مرحلة ما بعد 1990، بوصفها محطة مفصلية أعادت تشكيل المجالين المؤسسي والاجتماعي في الجنوب.


مدخل نظري: الهوية بين التشكّل والصراع


في إطارها النظري، تؤكد الدراسة أن «مفهوم الهوية يتَّصف بالعمومية والهلامية، حيث يحتمل الكثير من المعاني والتفسيرات»، مشيرة إلى أن الهوية ليست معطى ثابتاً بل «كيانّ مستمرّ، يتطوَّر، وليست مُعطىً جاهزاً ونهائياً».


وتربط الدراسة بين تصاعد النزاعات والهويات الدينية، معتبرة أن «كثيراً من الصراعات التي تدور حول العالم تدور حول الهويات»، وأن الانتماء الديني قد يتحول في سياقات التهديد إلى الإطار المختزل للهوية الفردية والجماعية.


وفي تناولها لجدلية الدين والسياسة، تشير الورقة إلى أنّ التوظيف المتبادل بين المجالين ظل سمة تاريخية في اليمن، حيث ارتبطت السلطة السياسية بالمؤسسة الدينية «بعلاقة واسعة أخذت طابع تبادل المنافع والمصالح تارةٍ؛ وتارةٍ أخرى اتسمت بطابع الصراع».


الوحدة كنقطة تحول


ترى الدراسة أن إعلان الوحدة عام 1990 «شكل نقطة تحول مفصلية في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وانعكس أثره بصورة مباشرة على المجال الديني».


وبحسب التحليل، لم تكن الوحدة مجرد اندماج إداري، بل أطلقت «ديناميات جديدة أعادت تشكيل التوازنات المؤسسية والقيمية داخل الدولة والمجتمع»، تفاقمت آثارها بعد حرب صيف 1994، التي أدت إلى «إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل الدولة، وإقصاء الجنوب من الشراكة».


وتوضح الدراسة أن مرحلة ما بعد الحرب فتحت المجال أمام التيارات الدينية السياسية التي كانت غير مقبولة سابقاً في الجنوب، لتبدأ عملية إعادة تشكيل المجال العام عبر توظيف الخطاب الديني في الصراع السياسي.


وخصصت الدراسة محوراً لتحليل تصاعد التيارات الدينية في الجنوب، بدءاً بالطرق الصوفية التي ارتبطت تاريخياً بالهوية الشافعية في حضرموت، وصولاً إلى حزب التجمع اليمني للإصلاح (تنظيم الإخوان المسلمين)، والتيار السلفي، والجماعات الجهادية كتنظيم القاعدة.


وأشارت الورقة إلى دور حزب الإصلاح في التعبئة السياسية خلال مرحلة ما قبل وأثناء حرب 1994 ضد الجنوب. وتؤكد الدراسة أن الفتاوى لعبت دوراً حاسماً في تلك المرحلة، حيث «أُضفى على الصراع طابعاً دينياً بوصفها حرباً مقدسة وواجباً شرعياً»، ما أدى إلى «إضفاء بعد ديني على النزاع السياسي».


وفي ما يتعلق بتنظيم القاعدة، تشير الدراسة إلى أن اليمن شكّل إحدى الحواضن البديلة للمقاتلين العائدين من أفغانستان، وأن «تنظيم القاعدة اعتبر أن حربهم المقدسة في اليمن هي ضد الاشتراكيين بوصفهم ملحدين وخصوماً للدين»، في سياق تداخل معقد بين السلطة والجماعات الجهادية خلال التسعينات.


أما التيار السلفي، فقد شهد توسعاً ملحوظاً في الجنوب بعد 1990، خصوصاً مع عودة خريجي “دار الحديث” بصعدة، وتأسيس مراكز دينية في عدد من المحافظات الجنوبية، ما أدى إلى احتكاكات مذهبية مع الصوفية، وتراجع بعض الطقوس التقليدية.


التعليم والفضاء العام: إعادة تشكيل الوعي


رصدت الدراسة تحولات عميقة في النظام التعليمي بعد 1994، حيث تم «زيادة المواد الدينية وتقليص بعض المواد العلمية»، وإهمال الأنشطة الفنية والرياضية.


وترى الورقة من أن «الإفراط والمبالغة في شحن نفوس التلاميذ بالمفاهيم الدينية المرتبطة بالترهيب والغيبيات مثل العذاب، الآخرة، النار، الجنة، الكفار، القتال، الموت يفضي إلى تنشئة جيل مثقل بالخوف والعزلة».


كما تناولت تحولات الفضاء العام، مشيرة إلى إغلاق دور السينما والمسارح، وتوصيف بعض الأنشطة الثقافية باعتبارها متعارضة مع القيم الدينية، ما أدى إلى «إعادة تعريف المقبول والمرفوض في الفضاء العام».


وفي محور خاص، تناولت الدراسة موقع المرأة في النظام الجديد بعد 1994، حيث جرى، بحسب النص، «تكثيف الخطاب الديني لمحاربة وتحجيم دور المرأة في الحياة العامة والعمل».


وتشير إلى أن اللباس المفروض على النساء تحوّل من ممارسة دينية شخصية إلى «رمزية سياسية، تستخدم للدلالة على الانتماء والاصطفاف داخل المشهد الاجتماعي والسياسي».


النتائج: تسييس الدين وأزمة الهوية


خلصت الدراسة إلى أن مرحلة الوحدة شهدت «محاولات إعادة تعريف الهوية الدينية في الجنوب ضمن أطر أيديولوجية جديدة»، وأن تصاعد الخطاب المتشدد «لم يكن معزولاً عن السياق السياسي، بل ارتبط في جانب منه باستخدام الدين كأداة ضمن صراعات السلطة».


وتؤكد أن تسييس الخطاب الديني أسهم في تعميق الانقسام المجتمعي، وأن السياسات غير المتوازنة وفرت بيئة مواتية لنمو الجماعات المتشددة، ما انعكس سلباً على الاستقرار والسلم الاجتماعي.


وفي خاتمتها، تشدد الدراسة على أن «تجاوز دوامة الصراعات وتحقيق تنمية مستدامة واستقرار طويل الأمد يتطلبان إعادة الاعتبار للدين بوصفه منظومة قيمية وأخلاقية، وفصل خطابه عن أدوات الصراع السياسي».


ودعت إلى تعزيز دور الدولة المدنية القائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون؛ الاستثمار في التعليم والوعي النقدي لبناء إنسان متوازن قادر على التمييز بين المجالين الديني والسياسي.


وتخلص الورقة إلى أن مقاربة العلاقة بين الدين والسياسة في اليمن «تستدعي مراجعة تاريخية معمقة للتجربة الماضية، بهدف إعادة بناء التوازن بين القيم الدينية الأصيلة ومتطلبات العمل السياسي المدني، بعيداً عن التوظيف الأيديولوجي الذي غالباً ما يقود إلى الانقسام ويقوّض فرص التعايش والاستقرار».


تصفح الدراسة مباشرة:


يمكنكم أيضا تحميل الدراسة كاملة من (الرابط هنا)

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا