التقارير الخاصة

الحكومة اليمنية الجديدة: قراءة في التشكيلة والمآلات

اجتماع للحكومة اليمنية الجديدة في عدن، 19 فبراير 2026 (رسمي)

آخر تحديث في: 23-02-2026 الساعة 5 مساءً بتوقيت عدن

مركز سوث24| عبد الله الشادلي 


أُعلنت الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة شائع الزنداني في 6 فبراير وسط تفاعلات متباينة؛ ترحيب دولي واسع يقابله رفض وانتقادات جنوبية حادة، في لحظة تتقاطع فيها التعقيدات السياسية والعسكرية والاقتصادية مع تطورات غير مسبوقة عصفت بجنوب اليمن. 


وتتقدم المفارقة الأساسية بين سردية قدّمها مجلس القيادة الرئاسي بوصفها خطوة نحو “الإصلاح والاستقرار”، وسؤال صريح فرضه الجدل العام حول طبيعتها الحقيقية: هل نحن أمام “حكومة كفاءات” أم إعادة إنتاجٍ للمحاصصة بصيغة جديدة تعيد تعريف معسكر الشرعية اليمنية من بوابة السعودية بعد التطورات الأخيرة.


على المستوى الهيكلي، يبرز تضخمٌ غير مسبوق في جسد هذه الحكومة، 35 وزيرًا بدلًا من 25 في الحكومة السابقة، مع استحداث وزارات دولة جديدة ووجود ثمانية وزراء دولة، أربعةٌ منهم بلا حقائب تنفيذية واضحة كما يبدو، بالتوازي مع التراجع عن قرارات دمج وزارات كانت تهدف لتقليص الجهاز الحكومي. 




أما على صعيد التمثيل الحزبي، فتبدو الخريطة أقرب إلى ميزان قوى داخل ما يُسمّى بـ«الشرعية» منها إلى فريق تنفيذي متجانس، مع حضور بارز للأحزاب اليمنية التقليدية، يتقدمها حزب الإصلاح الإسلامي (الإخوان المسلمون) بـ12 حقيبة وزارية (34.3%)، بينها وزارات سيادية. في المقابل، حصل المحسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي على 7 حقائب (20%)، بينما نال المؤتمر الشعبي العام 5 حقائب (14.3%)، والحزب الاشتراكي 4 حقائب (11.4%). كما توزعت بقية الحقائب على مكونات أخرى، من بينها مجلس حضرموت الوطني، في ظل غياب تمثيل مباشر لحلف قبائل حضرموت بقيادة عمرو بن حبريش، الذي انتقد الآليات المتبعة وأكد تمسكه بخيار الحكم الذاتي.


وفي قلب هذه التشكيلة، يتعمق الجدل عند بوابة التمثيل الجنوبي في هذه الحكومة، حيث أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي رفضه لها وعدم اعترافه السياسي بها. لكنه في الوقت ذاته اعتبرها حكومة أمر واقع ملزمة بتقديم الخدمات للسكان. في المقابل، رفض الشارع الجنوبي وصول الوزراء الشماليين في الحكومة إلى عدن، ومن بينهم وزير الدفاع المحسوب على  الإخوان المسلمين طاهر العقيلي، مما أدى لاحتجاجات في عدن واجهتها السلطات بالقوة المميتة.


حكومة مكافآت


منذ اللحظة الأولى لإعلان التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة شايع الزنداني، لم يكن الجدل منصبًّا على الأسماء فحسب، بل على طبيعة الحكومة نفسها: هل تمثل انتقالًا نحو نموذج كفاءات حقيقي في مرحلة تتطلب إدارة رشيدة وقرارات صعبة، أم أنها إعادة إنتاج لمنطق المحاصصة السياسية تحت عنوان التوافق؟ 


في هذا السياق، يرى الصحفي عمّار أحمد علي أن "وصف التشكيلة الحكومية الأخيرة برئاسة شايع الزنداني بأنها حكومة كفاءات لا يبدو دقيقًا، خصوصًا أنها تضم 35 وزيرًا، وهو أكبر عدد في تاريخ الحكومات اليمنية، ما يجعلها أقرب إلى حكومة مكافآت وترضيات منها إلى حكومة كفاءات". 


ويعزز هذا الطرح ما أشار إليه عمّار أحمد علي بشأن توسيع مناصب وزراء الدولة، إذ قال: "التشكيلة ضمّت ثمانية وزراء دولة، أربعة منهم بلا حقيبة أو مهام محددة، وهو ما يعكس توجّهًا لإرضاء أكبر قدر ممكن من المكونات والشخصيات السياسية".


 وأضاف لمركز سوث24  أن ذلك أدّى إلى "التراجع عن أحد القرارات الإيجابية النادرة في إطار الشرعية، والمتمثل في دمج بعض الوزارات لتقليص حجم الجهاز الحكومي". 


على مستوى التوازنات السياسية داخل الحكومة، يذهب عمّار أحمد علي إلى قراءة أكثر حدة، إذ يرى أن "نحو نصف أعضاء الحكومة إما ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين أو ضمن نطاق تأثيرها." مضيفًا: "هذا الحضور جاء عبر بوابة التمثيل الجغرافي والتمثيل السياسي للمكونات، غير أن جماعة الإخوان، بوصفها قوة منظمة، تُجيد التسلل عبر مثل هذه اللافتات".


من جانبه، يقدّم الأكاديمي بجامعة عدن د. عبد الله المعسلة تقييمًا للحكومة، إذ يقول إن "التشكيلة لا يمكن وصفها بحكومة كفاءات بالمعنى الدقيق، رغم وجود بعض الحقائب التي أُسندت إلى شخصيات تمتلك مؤهلات مهنية واضحة"، معتبرًا أن الصيغة العامة تعكس "توزيعًا حزبيًا للحقائب أقرب إلى المحاصصة السياسية". 


وتتفق رئيس مركز رؤى للدراسات، د. جاكلين البطاني، مع هذا التقدير من زاوية مختلفة، إذ تقول إن "المحاصصة الحزبية والمناطقية ما زالت حاضرة بقوة في توزيع الحقائب، حتى مع إدخال بعض الشخصيات المهنية ذات الخبرة"، معتبرة أن "وجود عدد من الكفاءات لا يكفي لتغيير الصورة العامة".


التمثيل الجنوبي


إذا كان الجدل حول هيكل الحكومة قد انطلق من سؤال الكفاءة والمحاصصة، فإن محور التمثيل الجنوبي حمل بعدًا أكثر حساسية، لأنه يتصل مباشرة بطبيعة الشراكة السياسية التي تأسست منذ اتفاق الرياض 2019 مرورًا بمشاورات الرياض 2022، وبموقع الجنوب داخل معادلة “الشرعية” بعد سنوات من التوترات والتفاهمات المتقطعة. فالتشكيلة الجديدة لم تُقرأ في الجنوب باعتبارها مجرد إعادة توزيع للحقائب، بل بوصفها مؤشرًا على اتجاه سياسي قد يعيد رسم حدود الشراكة نفسها.


أحد أبرز عناصر الجدل تمثل في استبعاد المجلس الانتقالي الجنوبي ككيان سياسي، والاكتفاء باختيار أعضاء من المجلس شاركوا في إعلان حله من الرياض، وهو ما قوبل برفض واضح في الداخل وتسبب في احتجاجات شعبية واسعة. 


في هذا السياق، اعتبر عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي، عمرو البيض، في منشور له على منصة إكس أن استبعاد "الممثل السياسي لقضية شعب الجنوب" يمثل إعلانًا صريحًا لإنهاء الشراكة الجنوبية، وأن الحكومة "تمثل انحرافًا واضحًا عن اتفاق الرياض 2019 ولا تمثل الحركة الوطنية الجنوبية". هذا الموقف يعكس قراءة تعتبر أن المسألة لا تتعلق بحصص وزارية، بل باعتراف سياسي بهوية التمثيل.


كما أعلنت الهيئة الإدارية للجمعية الوطنية الجنوبية أن الحكومة "لا تعبّر عن قضية شعب الجنوب وتفتقر للشرعية الجنوبية"، معتبرة تغييب الممثل السياسي للجنوب انحرافًا عن اتفاق الرياض. 


من زاوية تحليلية، يرى د. عبد الله المعسلة أن الإشكالية تتجاوز مسألة الاستبعاد المباشر، إذ يقول إن "حصة الجنوب في الحكومة ذهبت في معظمها لصالح أحزاب سياسية شمالية، إذ أُسندت وزارات سيادية كالدفاع والداخلية إلى حزب الإصلاح، فيما انتمت شخصيات جنوبية أخرى داخل الحكومة إلى ولاءات حزبية لا تعبّر عن الموقف الجنوبي". 


ويربط المعسلة بين هذا التكوين والسياق الذي أُعلنت فيه الحكومة، معتبرًا أن "الحكومة تحمل في تكوينها بذور تعثرها، إذ لم تتمكن من أداء اليمين الدستورية في عدن أو أي مدينة جنوبية، واضطرت لأدائها في السفارة اليمنية بالرياض، وهو ما يعكس مخاوف واضحة من ردود فعل الشارع الجنوبي". 


ويضيف المعسلة أن "مشاركة بعض الشخصيات الجنوبية في الحكومة الحالية جاءت في ظرف سياسي غير صحي، بعد توجيه ضربات كبيرة للمشروع الجنوبي، وهو ما جعل هذه المشاركة تُقابل بريبة شعبية"، معتبرًا أن الصوت الجنوبي داخل الحكومة "سيظل ضعيفًا في ظل هذا الخلل". 


من جهتها، ترى د. جاكلين البطاني أن استبعاد المجلس الانتقالي الجنوبي، "يمكن قراءته كجزء من عملية فض للشراكة السياسية، وانقلاب عملي على الاتفاقات السابقة". وتحذر في الوقت ذاته من أن هذا المسار "قد يقود إلى مزيد من التوتر في الجنوب إذا لم يُعالج ضمن إطار سياسي شامل". 


الشمول والمآلات


في ملف تمثيل المرأة ضمن الحكومة الجديدة، تحقق تقدم ملحوظ بتعيين ثلاث نساء كوزيرات ضمن الحكومة، لكنه تقدم غير كاف على الإطلاق. 


وقد رحّب الاتحاد الأوروبي بتشكيل الحكومة، معتبرًا أن إشراك المرأة والشباب يعكس التزامًا بالشمول والتنوع. غير أن هذا الترحيب لم يُنهِ الجدل حول حجم التمثيل ومستواه. إذ ترى د. جاكلين البطاني أن "نسبة تمثيل المرأة لا تتجاوز نحو 10%، وهي نسبة لا تعكس مشاركة واسعة أو فاعلة وفق المعايير الدولية". 


وتضيف أن "المرأة لا تزال بعيدة عن الوزارات السيادية أو الاقتصادية الحساسة"، مشيرة إلى أن التمثيل النسوي الجنوبي اقتصر على منصب وزير دولة دون حقيبة تنفيذية، ما يمثل – بحسب وصفها – "تهميشًا مضاعفًا من حيث العدد ومستوى التأثير". 


دوليًا، حظيت الحكومة بترحيب واضح من الأطراف المعنية بالملف اليمني. فقد اعتبر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ أن تشكيلها يأتي في وقت "تشتد فيه الحاجة لجهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة".


 كما رحّبت السفارة الأمريكية بالتشكيل، مؤكدة أنها تعتبره "فرصة لتعزيز الاستقرار"، فيما رحّب الأمين العام لـجامعة الدول العربية بالخطوة. 


إلا أن هذا الدعم الدبلوماسي، وإن كان يمنح الحكومة غطاءً سياسيًا مهمًا، لا يعالج تلقائيًا إشكالية الأداء أو القدرة على إحداث تحوّل في المعادلة العسكرية والسياسية، خصوصًا في ظل استمرار الصراع مع الحوثيين وتحوّل الملف اليمني إلى ساحة تفاهمات إقليمية أكثر منه ساحة حسم داخلي.


في هذا السياق، يقلل الصحفي عمّار أحمد علي من أهمية التغيير في حقيبة الدفاع، إذ يرى أن تعيين وزير دفاع محسوب على حزب الإصلاح "لن يُحدث تأثيرًا يُذكر"، موضحًا أن حقيبة الدفاع ظلت بيد شخصية عسكرية من الشمال لسنوات دون تحقيق تقدم ملموس.


ويضيف أن "العامل الأهم يتمثل في أن الرياض، التي تمسك اليوم بالملف اليمني بشكل شبه كامل عقب مغادرة الإمارات، تتجه منذ نحو خمس سنوات نحو مسار تسوية سياسية مع جماعة الحوثي"، معتبرًا أن الخيار العسكري يبدو مستبعدًا. 


أما داخليًا، فيربط د. عبد الله المعسلة إعلان الحكومة بسياق مضطرب، إذ يرى أنها أُعلنت "بعد مواجهات عسكرية استهدفت القوات الجنوبية وفي ظل احتجاجات شعبية واسعة"، ما يجعل قدرتها على فرض حضورها السياسي مرهونة بقبول الشارع. 


ويذهب أبعد من ذلك حين يؤكد أن "قدرة الحكومة على الاستمرار أو النجاح مرهونة بردة فعل الشارع الجنوبي، الذي هو المحدد الرئيسي للبوصلة خلال المرحلة المقبلة". 


وتحذر د. جاكلين البطاني من أن استمرار "التوافقات الهشة" دون إصلاح جوهري قد يضعف ثقة المواطنين بقدرة الحكومة على معالجة الأزمات المتفاقمة.


في ضوء هذه المعطيات، لا تبدو الحكومة الجديدة مجرد تشكيلة تنفيذية موسّعة، بل محطة مفصلية في إعادة تشكيل معسكر “الشرعية” نفسه، وفي إعادة تعريف موازين القوة داخل جنوب اليمن على نحو غير مسبوق. فهي حكومة وُلدت في سياق إقليمي يتجه بقيادة السعودية نحو التسوية السياسية مع الحوثيين، وفي لحظة جنوبية متوترة بلغت ذروتها بمحاولات تفكيك المجلس الانتقالي ورفض الشارع وصول وزراء شماليين إلى عدن.


عبد الله الشادلي
صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا