الصورة للقيادي المنشق عن القاعدة رياض العسيري خلال مهرجان للتنظيم في مديرية رداع بمحافظة البيضاء قبل سنوات (تم تسليمها لمركز سوث24)
آخر تحديث في: 26-08-2025 الساعة 6 مساءً بتوقيت عدن
|
مركز سوث24
يكشف القيادي السابق في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، رياض العسيري، صورة داخلية مضطربة للتنظيم، تتراوح بين الانشقاقات الصامتة والاتهامات المتكررة بالاختراق الأمني، مرورًا بخسارة الحاضنة الشعبية وتراجع النشاط الميداني، وصولًا إلى الأثر المباشر للعمليات العسكرية التي استهدفته خلال السنوات الماضية.
وفي حوار حصري أجراه معه صحفي متعاون مع مركز سوث24، تقدّم شهادات العسيري - يمني الجنسية -، الذي انشق عن التنظيم عام 2021 ويقيم حاليًا في صنعاء، رواية من الداخل عن مسار جماعة كانت ذات يوم من أبرز الفاعلين المسلحين في اليمن.
العسيري قال إن قراره بالانسحاب جاء نتيجة إدراكه أن القيادة تمارس "محاربة الناصحين وتقريب المصفقين"، مضيفًا: "جماعة بهذه الصفات لا يمكن أن تُنصر، وإن نُصرت فستكون نسخة مصغرة من الأنظمة الديكتاتورية".
تحرير المكلا.. بداية التراجع
يشير العسيري إلى أن التراجع الميداني للقاعدة بدأ منذ خسارتها لمدينة المكلا، عاصمة حضرموت، في أبريل 2016. يومها تمكنت قوات النخبة الحضرمية المدعومة من التحالف العربي من استعادة المدينة بعد عام كامل من سيطرة التنظيم عليها. تلك السيطرة وفرت للقاعدة موارد مالية ضخمة عبر موانئ وأسواق النفط، لكن سرعان ما فقدتها بعملية سريعة بدعم جوي مكثف.
يقول العسيري لـ سوث24، إن هذه الخسارة مثلت منعطفًا فارقًا: "النشاط الفعلي للتنظيم بدأ يتراجع تدريجيًا بعد الانسحاب من المكلا، ثم اقتصر على مناطق محددة مثل قيفة، حيث كان يواجه الحوثيين أولًا، ثم تنظيم الدولة". لكن مع تقدم الحوثيين في البيضاء وخسارة التنظيم لمواقعه هناك، "سحب أغلب عناصره إلى الجنوب وبدأ ينشط ضد القوات التابعة للإمارات".
"مع ضغط التحالف وشنّه عمليات عسكرية ضد القاعدة عبر وكلائه، اضطر الأخير إلى العمل خلف الأضواء."
انشقاقات صامتة وصراع مع الجهاز الأمني
خلاف العسيري مع التنظيم بدأ في تعز، حيث كان يشرف على "العمل الدعوي". يقول: "رأيت مخالفات جسيمة حاولت رفعها للقيادة، لكنهم تغاضوا عنها. ومع الوقت أدركت أن الخلل في القيادة ذاتها". ويضيف: "هناك من انشقوا عن التنظيم وآثروا الصمت، وهذا مؤشر على عمق الأزمة".
ويرى أن الاتهامات المتكررة بالتجسس شكلت وقودًا لهذه الانشقاقات، مشيرًا إلى حادثة تصفية أبو مريم الأزدي التي "فجرت انشقاقًا جماعيًا طالب بضبط الجهاز الأمني وفتح محكمة شرعية محايدة". لكن بحسبه، فإن التنظيم تعامل مع المطالب بالتشويه الإعلامي والاتهام بالخروج عن الجماعة.
"القاعدة مارس الضغوط الجسدية والنفسية لانتزاع الاعترافات من المعتقلين."
وركز العسيري على الجهاز الأمني للتنظيم، معتبرًا أنه سلطة مطلقة تتجاوز القضاء الشرعي. وقال: "الأحكام غالبًا ما تصدر بناءً على اعترافات ينتزعها الأمنيون بطرق شرعية ولا شرعية على حد سواء".
وبشأن تسجيلات الاعترافات التي ينشرها التنظيم، علق: "لا يمكن اعتبار معظم الاعترافات طبيعية بالكامل. كثير من المعتقلين تعرضوا لضغوط جسدية ونفسية، وما يُعرض لا يعكس الحقيقة كاملة". ويرى أن تكرار بيانات كشف شبكات التجسس قد يعطي المتابعين انطباعًا بعكس ما تروج له القيادة: "الأمر الأخطر أحيانًا هو التلاعب بالتنظيم وتوجيهه بطريقة غير مباشرة دون اختراق فعلي".
ورغم ما يُنشر عن خلافات قيادية عليا، يشير العسيري أن الكثير منها مبالغ فيه: "لا صحة لتلك الخلافات المعلنة بين باطرفي وسعد عاطف أو بين باطرفي وقاسم الريمي. كثير مما يُنشر إشاعات أو تضخيم لأحداث بسيطة، وليست خلافات جوهرية كما يُروج لها".
وإذا ما صحت هذه الرواية، فإنّ هذا النفي يعكس أن الأزمة الحقيقية ليست في صراع الزعامة، بل في الأداء الأمني والانشقاقات على مستوى الصفوف.
"سهام الشرق".. محطة مفصلية
بعد خسارة البيضاء وقيفة، تركز وجود التنظيم في محافظات جنوبية مثل أبين وشبوة. لكن العسيري يرى أن تحركاته هناك اتسمت بالعشوائية: "بدلًا من كسب القبائل وحشد الدعم المحلي، استهدف التنظيم أبناءها في النقاط العسكرية، وهو ما عمّق عزلته".
ومن أبرز التطورات التي واجهها التنظيم في الجنوب عملية "سهام الشرق" التي أطلقتها القوات الجنوبية بدعم من التحالف في أغسطس 2022. استهدفت العملية التي لا تزال مستمرة إلى اليوم مواقع التنظيم في أبين وشبوة، وتمكنت من طرد عناصره من عدة مناطق جبلية ومعاقل تقليدية.
"عملية سهام الشرق للقوات الجنوبية استنزفت قدرات القاعدة البشرية واللوجستية."
العسيري يرى أن أثر العملية كان استنزافيًا أكثر منه قاضيًا: "عملية سهام الشرق كان لها أثر نسبي ومؤقت، لكنها ليست العامل الرئيسي في تراجع التنظيم. التراجع كان نتيجة أخطائه الداخلية وفشله في كسب دعم القبائل."
ومع ذلك يعترف العسيري "أنّ العمليات العسكرية مثل سهام الشرق استنزفت قدرات - التنظيم - البشرية واللوجستية، وفي المقابل استنزفت القوات الجنوبية مواردها أيضًا في مواجهة خصم مشتت وخفي".
العلاقة مع الإصلاح وتجاهل الحوثيين
وحول علاقة تنظيم القاعدة مع حزب الإصلاح، يوضح العسيري أن غياب الصدام خلال سنوات سيطرة الحزب على مأرب وأبين وشبوة لم يكن صدفة. ويقول: "كان هناك عدو مشترك هو الحوثيون، والتنظيم حاول تجنب المواجهة المباشرة مع الإصلاح... لكن في بعض الأحيان تظهر داخل حزب الإصلاح قيادات أكثر وعيًا، فينشأ نوع من التفاهم الضمني مع التنظيم، خصوصًا حين تلتقي المصالح مؤقتًا." ومع ذلك يرى عسيري أنّ "الإصلاح حزب نفعي يستغل الأطراف الأخرى لمصالحه، وما إن تتحقق ينقلب عليهم".
وقال إن "التنظيم نفسه حاول أن يبتعد عن التواجد المباشر في المناطق التابعة للإصلاح، أو التي يسيطرون فيها على نقاط وقوات عسكرية، مراعيًا الواقع الميداني لتجنب المواجهة."
ورغم حديثه المفصل عن الجنوب والإصلاح والجهاز الأمني، تجنّب العسيري التطرق إلى العلاقة مع جماعة الحوثيين، على الرغم من إقامته في صنعاء. هذا التجاهل يثير الانتباه في ضوء تقارير أممية ودولية متواترة أشارت إلى وجودت تعاون وتنسيق وتواصل بين الحوثيين والتنظيم.
"تنظيم القاعدة تجنب مناطق سيطرة حزب الإصلاح للابتعاد عن المواجهة."
وقد كشف مؤخرا تقرير للأمم المتحدة عن علاقة "انتهازية" تربط الحوثيين بحركة الشباب في الصومال وعناصر تنظيم القاعدة النشطة في جنوب اليمن، "على الرغم من الخلافات العقائدية المعلنة".
وتتهم القوات الجنوبية الحوثيين بتزويد تنظيم القاعدة بالطائرات المسيّرة، مع استخدام التنظيم لهذه التقنية في هجماته الأخيرة في محافظتي أبين وشبوة.
ويشير تجاهل العسيري للحديث عن الحوثيين في شهادته إلى حساسية الموضوع، أو رغبته في تفادي الاصطدام مع الجماعة التي تسيطر في مكان إقامته الحالي "صنعاء".
توقف العمليات الخارجية
من النقاط البارزة في شهادة العسيري، إقراره بأن التنظيم لم يعد ينفذ عمليات خارجية منذ نحو عقد. هذا التوقف يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط والاختراق، وانحصاره في نطاق جغرافي ضيق داخل اليمن. العسيري اعتبر أن هذا التراجع نتيجة "فقدان المنهجية" وأن "العشوائية أهدرت إمكانات التنظيم الداخلية والخارجية".
ومع ذلك قال تقرير حديث لمجلس الأمن الدولي أنّ تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يعمل على إعادة تنظيم صفوفه وتحسين بنيته الداخلية في اليمن.
وأوضح التقرير الصادر عن فريق الدعم التحليلي ورصد الجزاءات في مجلس الأمن الدولي بشأن "تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة"، أن زعيم التنظيم الجديد، سعد بن عاطف العولقي، المعين في مارس 2024، "عمل على تحسين قدرات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب... وأجرى إعادة هيكلة للجماعة، وحسّن ظروف معيشة المقاتلين، ووحدّ من عمليات الاختراق"، وهو ما اعتبره التقرير تعزيزًا لسلطته داخل التنظيم.
وبحسب التقرير، فإن العولقي "ربما يكون بصدد العمل تدريجياً على إعادة تحديد علاقة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بالقيادة المركزية لتنظيم القاعدة"، في إشارة إلى إمكانية تقليص نفوذ سيف العدل، القائد المفترض للتنظيم العالمي، داخل الفرع اليمني.
بيانات بلا أثر ومستقبل محدود
وفي تعليق على بيان التنظيم الأخير الذي بارك احتجاجات حضرموت ودعا إلى وقف تصدير النفط من موانئ المحافظة، قال العسيري: "خطابه أصبح بعيدًا عن الواقع، لا يفهمه الناس ولا يلامس احتياجاتهم"، مشيرا إلى أنّ تفسيره للإصلاحات الاقتصادية في مناطق الحكومة "سطحي ومضلل".
وأضاف أن البيان محاولة لتسويق مشروعه عبر استدعاء ذكريات فترة سيطرته على حضرموت، لكنه فشل في تقديم رؤية عملية: "لو تمكن مرة أخرى فلن يختلف عن بقية المليشيات التي تحكم الناس بلافتة دينية".
أما عن مستقبل القاعدة، فقد حسم موقفه بوضوح: "سيبقى مجرد كيان صغير يتحرك على الهامش. أي انتصار يحققه سيكون مؤقتًا وسيفقده بسرعة. التنظيم حصل على فرص عدة في الماضي لكنه أضاعها جميعًا بسبب قراراته الخاطئة وعشوائيته في التخطيط".
مركز سوث24 للأخبار والدراسات