التقارير الخاصة

التجارة الإلكترونية في اليمن: نجاحات فردية وتحديات جماعية

مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي - بواسطة مركز سوث24

آخر تحديث في: 02-04-2025 الساعة 11 صباحاً بتوقيت عدن

سوث24 |  ريم الفضلي


رغم التحديات العديدة التي تشهدها اليمن، شهدت التجارة الإلكترونية تطورًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، مما جعلها خيارًا معتبًرا لرواد الأعمال والمستهلكين. وقد لجأ العديد من الشباب وأصحاب المشاريع إلى الإنترنت كوسيلة منخفضة التكلفة لإطلاق أعمالهم، في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية.


تنوعت هذه المشاريع بين بيع الملابس والمنتجات التجميلية والمأكولات المصنّعة منزليًا، حيث وجد العديد من الأفراد، بالأخص النساء، في الإنترنت فرصة لتحقيق مكاسب مالية مجزية مقابل نفقات تشغيلية بسيطة. ولم يقتصر الأمر على الطرق التقليدية في التواصل مع العملاء، بل ظهرت منصات وتطبيقات متخصصة في البيع، مثل بازاري وجيي وغيرها، مما عزز من انتشار التجارة الإلكترونية في اليمن.


انتشار واسع


في يناير 2024، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في اليمن 6.16 مليون شخص، ما يمثل 17.7% من إجمالي السكان في بداية العام؛ مما رفع نسبة اعتماد الناس على الشبكة العنكبوتية في تسوقهم إضافةٍ إلى ارتفاع تكاليف إنشاء المتاجر التقليدية، وصعوبة الوصول إلى الأسواق المحلية والدولية بسبب الأوضاع الراهنة، ولهذا تحوّل عدد كبير من الأفراد والشركات نحو التجارة الإلكترونية كما ساهمت وسائل الدفع الإلكتروني، وإن كانت محدودة، في تسهيل عمليات البيع والشراء عبر الإنترنت.


على سبيل المثال، اختارت نهى سلام من محافظة تعز، وهي صاحبة مشروع روز مارين لبيع المعجنات والحلويات، الترويج عبر الإنترنت لمنتجاتها لعدم توفر الإمكانيات المالية لفتح محل تجاري أو استئجاره.  وكانت هذه الوسيلة فعالة بالنسبة لها. مؤكدة في حديثها لمركز سوث24 أنها لم تواجه أي صعوبات في عمليات التسليم أو الدفع، لأن عملها محدودًا لمجموعة من العملاء الموثوقين والمعروفين لديها، حد قولها.



مشروع روز مارين لبيع المعجنات


أما حنين محمد من عدن، صاحبة مشروع انتيكا ستور لبيع منتجات مثل الأحذية والحقائب، قالت إنها اخترت التجارة الإلكترونية كمدخل إلى عالم الأعمال، لأنه ترى أن هذا الخيار المناسب للكثير من الشباب في بداية مشاريعهم في الوقت التي أصبح فيه الكثير يستخدم الإنترنت.


لا توجد إحصائيات رسمية بعدد المشاريع الإلكترونية في اليمن، وهو ما أكده لمركز سوث24 علي الشرفي، وكيل وزارة التجارة والصناعة بالعاصمة عدن. وبحسب الشرفي، فإن القطاع ينمو بشكل غير منظّم، معتمدًا على منصات التواصل الاجتماعي والدفع النقدي عند الاستلام. كما أشار إلى تقارير غير رسمية أكدت أن الطلب خلال الأزمات يتزايد بشكل أكبر.


مشاريع فردية ناجحة


شكلت المشاريع الإلكترونية حقل مليء بفرص عمل للشباب من الجنسين في التسويق، التوصيل، والدعم الفني، إضافة إلى تمكين المشاريع الصغيرة من الوصول لأسواق أوسع وزيادة الإيرادات الضريبية كما أوضح الوكيل الشرفي.


وأكد أن الوزارة تسعى لتسهيل التراخيص وتخفيض الرسوم، مع وجود مقترحات لحوافز ضريبية وتمويلية، لكنها ما زالت قيد الدراسة بسبب الظروف الاقتصادية التي تعصف باليمن.


ولكن ورغم كل تلك الظروف، اثبت النساء، بشكل خاص، وجودهن وقدرتهن على إدارة العديد من المشاريع التجارية عبر الإنترنت ونجح البعض منهن من نقل تجارته إلى أرض الواقع عقب نجاح أفكارهن افتراضيا. تقول حنين محمد، صاحبة مشروع انتيكا ستور، إن فكرة مشروعها جاءت من شغفها بالمنتجات الآسيوية، والذي تعزز بعد تجربة السفر إلى عدد من الدول مثل تايلاند، ماليزيا، إندونيسيا، والصين، حيث لفت انتباهي أسلوب تقديم المنتجات بطريقة أنيقة وجذابة.


وأضافت: "هذا الإعجاب دفعني إلى التفكير في تأسيس متجر عبر الإنترنت يوفر للزبائن منتجات جديدة وعلامات تجارية متميزة بأسعار مناسبة، خاصة في فترة كان السوق يعاني من محدودية الخيارات المتاحة".



مشروع انتيكا ستور للتجارة الإلكترونية


ومن جهتها أشارت نهى سلام إلى أنها بدأت فكرة مشروعها كهواية في الطبخ، ولم يكن في البداية مجرد مهنة، لكن مع مرور الوقت تحوّلت إلى عمل احترافي. "في البداية، ركزت على تحضير المعجنات والحلويات، حيث كنت أقدم أنواعًا محددة مثل الكرواسون، البيتزا، الأقماع، الساندويتشات، بالإضافة إلى الحلويات والكعك. لاحقًا، توسعت قائمة المنتجات لتشمل وجبات الفطور والغداء"؛ قالت نهى.


كانت وسائل التواصل الاجتماعي السبيل الأمثل أمام حنين ونهى لبدء مشاريعهن وباجتهاد ملحوظ تطورت مشاريعهن وتوسعت قاعدة زبائنهن بشكل ملحوظ. "مع مرور الوقت، وجدت استحسانًا كبيرًا من العملاء للمنتجات التي أقدمها، واستمر الطلب والتفاعل، مما عزز من شغفي ودفعني إلى الاستمرار. ومع نجاح المتجر الإلكتروني، انتقلنا إلى متجر تقليدي لتسهيل عمليات البيع والوصول إلى شريحة أوسع من العملاء"؛ بحسب حنين.


صعوبات وتحديات


لا تخلو النجاحات من المصاعب والتحديات، وفي بيئة كاليمن، يواجه أصحاب المحال التجارية تحديات عديدة، منها ضعف شبكة الإنترنت والأوضاع الاقتصادية المتدهورة. تفاوت سعر الصرف دفع إلى اعتماد التعامل بعملة واحدة، وهي الريال السعودي، وفقًا لإيمان القديمي، صاحبة متجر "إي بي" لبيع منتجات من مواقع عالمية مثل "شي إن" و"أمازون". أوضحت أن السبب وراء ذلك هو شراء وشحن البضائع بهذه العملة، لكن هذا القرار أدى إلى فقدان شريحة من الزبائن الذين لا يملكون الريال السعودي، إذ يظنون أنها تتعامل فقط مع السوق السعودي.


لم تقتصر التحديات التي تواجهها إيمان على تدهور قيمة العملة اليمنية، بل تشمل تحديات أخرى كنقاط الاستلام، والإغلاق المفاجئ، أو عدم توفر العميل لاستلام البضاعة في الوقت المحدد. كما أن مطابقة المنتج للصور الترويجية، خاصة من المصادر الخارجية، تتطلب تقديم صور حقيقية وتفاصيل دقيقة مثل الحجم والأبعاد لضمان رضا العملاء.



مشروع (إي بي) للتجارة الإلكترونية


من جهتها، قالت نهى إن تقلب أسعار الصرف أثر بشكل كبير على عملها. وأضافت: "عند ارتفاع الأسعار، يحتاج العملاء إلى بعض الوقت للتأقلم مع التسعيرة الجديدة، مما يؤدي إلى تراجع المبيعات وأحيانًا انعدامها، وهو ما يسبب خسائر لنا".


كما أشارت إلى أنها عند ارتفاع سعر الصرف، لا تستطيع رفع الأسعار مباشرة، بل تنتظر عدة أيام قبل اتخاذ أي قرار، ورغم ذلك، يظل التأثير السلبي قائمًا حتى مع الزيادة التدريجية في الأسعار.


بالنسبة لحنين، فإن التحديات لم تتوقف عند تغيير الأسعار، بل شملت الضرائب، والرسوم المفروضة، وارتفاع الإيجارات، مما أثر على هامش الربح، حتى أصبح العائد في كثير من الأحيان لا يتجاوز رأس المال، وفي بعض الحالات بالكاد يغطي التكاليف.


تقول حنين: "تميزنا في السوق بجودة منتجاتنا وأسعارها التنافسية، لكن مع التغيرات الاقتصادية، خصوصًا تدهور العملة وعدم استقرارها، تأثرت أعمالنا بشكل كبير. بعض العملاء تفهّموا الوضع، بينما كان البعض الآخر دائم الانتقاد لارتفاع الأسعار، رغم أن هذه التغييرات خارجة عن إرادتنا".


فراغ قانوني


بادرت عدة دول عربية، مثل السعودية ومصر والإمارات والأردن، إلى سن قوانين خاصة بالتجارة الإلكترونية مع الانتشار الواسع للإنترنت. في المقابل، تعتمد اليمن حاليًا على قوانين تنظم التجارة عمومًا، دون وجود تشريعات محددة للتجارة الإلكترونية. هذا الوضع أدى إلى تعرض العديد من المستهلكين لعمليات نصب منذ بداية انتشار التجارة الإلكترونية في اليمن، حيث استغل بعض المحتالين غياب الرقابة على العمل الإلكتروني، مما جعل الإنترنت بيئة خصبة لممارسة الاحتيال.


محمد، صاحب بسطة لبيع الأحذية، يروي تجربته مع أحد المحتالين. قال لمركز سوث24 إن صديقًا له أرسل له منشورًا لصفحة على فيسبوك تعلن عن استيراد الملابس والأحذية من الصين بأسعار منخفضة مقارنة بما كان يدفعه عادةً مقابل بضاعته. بدت العروض مغرية لإبراهيم، فسارع دون تفكير إلى تحويل مبلغ كبير لشراء بضاعة بدت مميزة، على حد وصفه.


وتابع: "لم أفكر أنه من الممكن أن يكون هذا العرض مجرد عملية نصب، خصوصًا وأن الصفحة قديمة ومتابعيها بالآلاف، وما شجعني هو التعليقات الكثيرة التي تشجع الناس على الشراء".


رغم حاجة السوق الإلكتروني اليوم إلى تشريع قانون خاص، إلا أن المحامي عمر الحميري أكد أن جميع المعاملات الخاصة بالعمل الإلكتروني تنظم بموجب القوانيين التجارية المسنونة بشكل دقيق.


في حديثه لمركز سوث24 حول حماية حقوق المستهلك، أشار الحميري إلى ضرورة تعزيز الوعي الاستهلاكي عبر حملات توعوية تسلط الضوء على المشكلات الشائعة وطرق الحماية، بالإضافة إلى تعليم كيفية توثيق العقود الإلكترونية والتمييز بين المنصات الموثوقة والعروض المضللة، مع التأكيد على أهمية دور جمعيات حماية المستهلك. وأضاف أنه يمكن تطوير منصات متخصصة لتقييم المخاطر، ورصد عمليات الغش والاحتيال، وتفعيل آليات الوساطة الإلكترونية لحل النزاعات بسرعة وكفاءة.


وأوضح الوكيل الشرفي، أن تأخر إصدار إطار قانوني واضح لتنظيم التجارة الإلكترونية في اليمن يعود إلى الأوضاع التي تمر بها البلاد منذ سنوات. وأكد أن الوزارة تعمل حاليًا على تطبيق القوانين التجارية التقليدية لتغطية المعاملات الإلكترونية بشكل مؤقت.


وأشار إلى وجود جهود لصياغة تشريعات جديدة بالتعاون مع منظمات دولية، إلا أن التقدم في هذا المجال بطيء بسبب التحديات الأمنية والاقتصادية، وشح الموارد.


ورغم التحديات القانونية وتحديات البنية التحتية والإنترنت، أثبتت التجارة الإلكترونية قدرتها على فرض وجودها كمسار اقتصادي وأعمال مهم في اليمن رغم محدودية انتشارها. لقد وفّرت هذه التجارة نافذة أمل للعديد من الشباب والنساء، وأسهمت في تعزيز ثقافة ريادة الأعمال الرقمية، في ظل واقع اقتصادي معقد وبنية تحتية هشة.


ومع توسع هذه التجارة، بات من الضروري مأسستها من خلال سن تشريعات واضحة، وحماية حقوق المستهلكين، وتنظيم العلاقة بين الأطراف المعنية، بما يضمن استدامة هذا القطاع الواعد. كما أن الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتوسيع نطاق الدفع الإلكتروني سيسهم بشكل كبير في تطوير بيئة الأعمال الافتراضية.


صحفية بمركز سوث24 للأخبار والدراسات


شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا