التقارير الخاصة

صفقة الأسرى المتعثرة في اليمن: قتلة ومروّجو مخدرات يثيرون غضب الجنوب

ممثلو الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وجماعة الحوثيين، والسعودية، والأمم المتحدة، عقب توقيع اتفاق للإفراج عن 1,728 محتجزًا في عمّان، الأردن، في 14 مايو 2026. (مكتب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن)

Last updated on: 05-08-2026 at 9 PM Aden Time

مركز سوث24 | عبد الله الشادلي


تحولت صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين من مسار يهدف إلى لمّ شمل آلاف الأسر إلى قضية قانونية وأمنية أثارت موجة واسعة من الرفض في محافظات الجنوب، بعد تداول معلومات عن إدراج متهمين ومدانين في قضايا اغتيالات وتفجيرات وإرهاب، لصالح الحوثيين، وبالإضافة لتجار مخدرات ضمن قوائم التبادل.


وكان الطرفان قد توصلا، في 14 مايو 2026، برعاية الأمم المتحدة، إلى اتفاق للإفراج عن أكثر من 1700 محتجز مرتبطين بالنزاع، وحددا 11 يوليو موعدًا لبدء التنفيذ. غير أن العملية تعثرت قبل انطلاقها، وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين.


ومنذ ذلك الحين، لم يُعلن موعد رسمي جديد، فيما جاء التصعيد العسكري اللاحق بين السعودية والحوثيين ليعمق حالة الجمود ويزيد فرص التنفيذ تعقيدًا. فبعد يومين من الموعد المقرر، استُهدف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط طائرة إيرانية تقل وفدًا حوثيًا، أعقبه رد حوثي بهجمات على السعودية واتساع المواجهة في البحر الأحمر. وبذلك لم يكن التصعيد السبب الأول في توقف الصفقة، لكنه أضعف البيئة السياسية والأمنية اللازمة لاستئنافها.


وبالتوازي مع الخلاف بين الطرفين، تصاعدت الاعتراضات في عدن ولحج وحضرموت وأبين وشبوة، حيث خرجت أسر ضحايا الاغتيالات والهجمات الإرهابية، وانضمت إليها تحركات قبلية ومدنية، للمطالبة بالفصل بين المحتجزين على خلفية النزاع والمتهمين أو المدانين في جرائم جنائية. 


وبلغت الاحتجاجات ذروتها مع تحرك قبائل ردفان بمواكب مسلحة اعتراضًا على إدراج أشخاص مرتبطين بقضية مقتل قائد محور العند اللواء ثابت مثنى جواس وخمسة من مرافقيه في مارس 2022.


واتسع الجدل لاحقًا بعدما كشف المدير العام لمكافحة المخدرات بوزارة الداخلية، العميد عبد الله لحمدي، عن وجود أشخاص ضُبطوا أو صدرت بحقهم أحكام في قضايا مخدرات ضمن القوائم. كما تزامن ذلك مع تقارير محلية عن نقل سجناء من السجن المركزي في المكلا ضمن ترتيبات مرتبطة بالصفقة، من دون إعلان رسمي يوضح أسماءهم أو أوضاعهم القضائية أو الجهة التي أمرت بنقلهم.


ويكشف غياب القوائم المعلنة والمعايير التي اعتمدها الوفد الحكومي فجوة أساسية في إدارة الملف، خصوصًا أن دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر يقتصر على التحقق من الهوية والرغبة في الإفراج وإجراء الفحوص الطبية وتنظيم النقل، بينما تظل مسؤولية اختيار الأسماء ومراجعة أوضاعها القانونية على الأطراف والجهات التي تدير السجون.


يناقش هذا التقرير التداعيات القانونية لإدراج متهمين أو مدانين في جرائم قتل وإرهاب ومخدرات ضمن صفقة مخصصة للمحتجزين المرتبطين بالنزاع، والمخاطر الأمنية المحتملة للإفراج عن أفراد متهمين بالعمل ضمن خلايا اغتيالات وتفجيرات وشبكات تهريب، والضمانات المطلوبة لمنع تحول المسار الإنساني إلى وسيلة لتجاوز القضاء وإعادة تدوير التهديدات الأمنية في الجنوب.


التداعيات القانونية


لا يصبح الشخص أسيرًا لمجرد أن يطلب أحد الأطراف الإفراج عنه. فالأمر يعتمد على سبب احتجازه ونوع القضية المتهم أو المحكوم فيها. وإذا كان محتجزًا بسبب جريمة قتل أو تفجير أو مخدرات، فإن وضع اسمه في قائمة التبادل لا يحوّل قضيته إلى قضية مرتبطة بالحرب، ولا يلغي مسؤوليته أمام القضاء.


ويرى المستشار القانوني د. نصر محمد الشعيبي أن الأصل هو عدم جواز إدراج المحكوم عليهم في جرائم جنائية جسيمة، مثل الاغتيالات والتفجيرات والإرهاب، ضمن صفقات التبادل، إذا كانوا ينفذون أحكامًا صادرة عن محاكم مختصة بسبب جرائم جنائية، لا نتيجة مشاركتهم في الأعمال القتالية. فالأحكام القضائية واجبة التنفيذ، ولا تسقط بتفاهم سياسي ما لم يوجد سند قانوني كالعفو أو إلغاء الحكم وفق الإجراءات المقررة.


وتنظم المادة 539 من قانون الإجراءات الجزائية اليمني العفو الشامل والعفو الخاص، لكنها تنص على أن العفو، بنوعيه، لا يمس حقوق الغير إلا بموافقتهم، بما في ذلك القصاص والدية والأرش (الدية). ويوضح الشعيبي لمركز سوث24 أن العفو العام يمثل تنازل الدولة عن حقها في العقاب، أما الحق الخاص فلا يسقط إلا بتنازل الضحايا أو ورثتهم، ولا يستطيع اتفاق سياسي أن يحل محل إرادتهم.


وبناءً على ذلك، فإن الإفراج عن محكوم في جريمة قتل لا يسقط حقوق أولياء الدم، ولا ينهي القضية من الناحية القانونية ما لم يصدر عفو أو صلح مستوفٍ للإجراءات. كما أن نقل المحكوم إلى منطقة لا تستطيع السلطات القضائية الوصول إليها قد يعطل تنفيذ الحكم عمليًا، حتى إن ظل قائمًا من الناحية القانونية.


ولا تقتصر الإشكالية على أصحاب الأحكام النهائية؛ فإدراج متهمين ما تزال قضاياهم منظورة قد يؤدي إلى تعطيل التحقيق أو المحاكمة وحرمان أسر الضحايا من الوصول إلى حكم نهائي. ومع أن المتهم يتمتع بقرينة البراءة، فإن ذلك لا يمنح السلطة التنفيذية حق إخراجه من مسار القضاء عبر قرار تفاوضي.


وبحسب الشعيبي، يحق للمتضررين الاعتراض والتمسك بالقصاص أو الدية أو التعويض، واللجوء إلى المحكمة المختصة للطعن في أي إجراء يمس حقوقهم وطلب وقف تنفيذه متى أجاز القانون ذلك. غير أن ممارسة هذا الحق تصبح صعبة في ظل عدم إعلان الأسماء أو تمكين الأسر والجهات القضائية من مراجعتها قبل التسليم.


وتتحمل الجهة الحاجزة المسؤولية إذا أفرجت عن محكوم من دون قرار قضائي أو عفو مستوفٍ للإجراءات، لأنها تسيطر فعليًا على السجين وتنفذ قرار إخراجه. وقد تمتد المسؤولية إلى الجهة التي أصدرت التوجيه أو اعتمدت الاسم إذا أدى الإجراء إلى تعطيل حكم قضائي أو الإضرار بحقوق الضحايا.


وتزداد عملية الفرز تعقيدًا لأن قانون الجرائم والعقوبات رقم 12 لسنة 1994 لا يخصص بابًا مستقلًا لجرائم الإرهاب. ويوضح الشعيبي أن الأفعال تُكيّف بحسب وقائعها بوصفها حرابة أو قتلًا عمدًا أو تفجيرًا أو اشتراكًا جنائيًا أو جرائم ماسة بأمن الدولة. وتصنف المادة 12 الحرابة ضمن الجرائم الحدية، فيما تبدأ أحكامها من المادة 306 وقد تصل عقوباتها إلى الإعدام أو الصلب أو القطع.


التداعيات الأمنية


لا يتوقف أثر الإفراج عن الأسماء الخلافية عند تعطيل المساءلة القضائية، بل يمتد إلى احتمال إعادة أفراد يمتلكون خبرة في العمل السري والاغتيالات والتفجيرات والتهريب إلى بيئة أمنية ما تزال هشة، في وقت تتصاعد فيه المواجهة العسكرية وتزداد حاجة الأطراف إلى بناء شبكات داخل مناطق خصومها.


ويقول الصحفي عمار علي أحمد لمركز سوث24 إن الإفراج عن متهمين أو مدانين بالعمل ضمن خلايا مرتبطة بالحوثيين قد يوفر ما يشبه «غطاء حماية» لهذه الشبكات، ويشجع الجماعة على تجنيد عناصر جديدة في المناطق الخاضعة للحكومة. فالعنصر الذي يعتقد أن اعتقاله قد ينتهي بإدراجه لاحقًا في صفقة تبادل سيواجه كلفة شخصية أقل، ما يضعف الردع الأمني ويزيد قابلية تشكيل خلايا جديدة.


وحتى إذا لم يعد المفرج عنهم مباشرة إلى نشاطهم السابق، يرجح عمار علي أن تستفيد جماعة الحوثيين من خبراتهم في قيادة عناصر أخرى أو تدريبها، وتشكيل شبكات جديدة، ونقل معرفتهم بطرق الحركة والتخفي والاتصال. وبذلك لا ينحصر الخطر في الشخص المفرج عنه، بل في قدرته على توسيع دائرة النشاط ونقل خبرته إلى مجموعة أكبر

.

كما قد ترسل الصفقة رسالة سلبية إلى الأجهزة الأمنية التي خاطرت في تعقب الخلايا وجمع الأدلة وضبط عناصرها، ثم وجدت أن نتائج عملها أُعيد تصنيفها ضمن ملف تفاوضي. ويرى عمار علي أن ذلك قد يضعف الثقة بين المؤسسات الأمنية والسلطة السياسية، خصوصًا في ظل غياب معايير معلنة تحدد من يُعامل بوصفه محتجزًا بسبب النزاع ومن يبقى خاضعًا للمساءلة الجنائية.


ومن المرجح، بحسب عمار علي، أن يقدم الحوثيون المفرج عنهم باعتبارهم «أبطالًا»، وأن يستخدموا إطلاقهم للطعن في عمل الأجهزة الأمنية بمحافظات الجنوب واتهامها بتلفيق القضايا. كما قد توظف أطراف سياسية هذا الخطاب لتحويل ملفات الاغتيالات والتفجيرات من قضايا جنائية إلى مادة للاستقطاب السياسي والإعلامي.


وتتضاعف المخاطر عندما يتعلق الأمر بشبكات المخدرات والتهريب؛ إذ يسمح إطلاق مروجين أو تجار قبل استكمال محاكماتهم أو تنفيذ عقوباتهم بإعادة تنشيط خطوطهم السابقة والاستفادة من علاقاتهم وخبراتهم. كما يمنح الجماعات المسلحة فرصة لتوسيع مفهوم «أسراها» ليشمل أفراد شبكات مالية وإجرامية تقدم لها خدمات، وتحويلهم إلى رصيد تفاوضي يمكن استعادته متى تعرضوا للاعتقال.


ضمانات التنفيذ


لا تعني الاعتراضات على بعض الأسماء رفض مبدأ التبادل أو تعطيل الإفراج عن المحتجزين المرتبطين بالنزاع، بل تكشف الحاجة إلى آلية تفصل بين المسار الإنساني والملفات الجنائية قبل استئناف التنفيذ.


ويبدأ ذلك، كما يقول عمار علي أحمد، بمراجعة القوائم اسمًا اسمًا من لجنة تضم ممثلين عن القضاء والنيابة والجهات الأمنية، للتأكد من سبب الاحتجاز ومرحلة القضية وطبيعة الحكم والحقوق الخاصة المترتبة عليه. ويمكن تعليق الأسماء الخلافية مؤقتًا، من دون ربط مصير بقية المحتجزين بها أو تحويلها إلى سبب لإسقاط الصفقة كاملة.


كما يتطلب الأمر إعلان المعايير التي اعتمدها الوفد الحكومي في قبول الأسماء، وتحديد الجهة التي تملك صلاحية الموافقة على نقل المتهمين أو المحكومين، مع تمكين أسر الضحايا من الاعتراض قبل التنفيذ، لا بعد خروج الشخص من نطاق القضاء.


ويمكن القول إن استئناف الصفقة يظل ممكنًا رغم التصعيد، لكن نجاحها يتوقف على عدم تنفيذها بصيغة جماعية مغلقة لا تسمح بمراجعة الحالات المختلف عليها. فحماية المحتجزين المرتبطين بالنزاع لا تتعارض مع حماية القضاء وحقوق الضحايا، بل إن الفصل بين المسارين هو الضمان الوحيد لاستمرار العملية من دون أن تتحول إلى مصدر جديد للتوتر.


عبد الله الشادلي
صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

Shared Post
Subscribe

Read also