توقيع الميثاق الوطني الجنوبي في عدن ضمن مسار الحوار الوطني الجنوبي الذي تبناه المجلس الانتقالي الجنوبي، 8 مايو 2023 (إعلام المجلس الانتقالي)
09-05-2026 at 11 AM Aden Time
مركز سوث24 | عبد الله الشادلي
انتقلت حالة الجدل والتساؤلات في جنوب اليمن خلال الأشهر الأخيرة إلى مستوى أكثر تعقيدًا يرتبط بإعادة تعريف شكل التمثيل الجنوبي نفسه، والجهة التي ستتحدث باسم قضية الجنوب في أي تسوية سياسية قادمة تخص اليمن. فمنذ مطلع يناير 2026، دخل المشهد الجنوبي مرحلة سياسية مختلفة اتسمت بتحولات متسارعة أعادت إلى الواجهة أسئلة كانت تبدو محسومة نسبيًا منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو 2017، وفي مقدمتها: من يمثل الجنوب؟ وهل يتجه الجنوب نحو توسيع قاعدة الشراكة السياسية أم العودة إلى حالة التشظي التي سادت قبل تأسيس المجلس الانتقالي؟
بدأت ملامح هذا التحول مع الحراك السياسي الذي احتضنته الرياض مطلع العام الجاري، عقب إعلان السعودية دعمها لعقد حوار جنوبي شامل، بالتزامن مع عملياتها العسكرية ضد القوات الجنوبية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت عبر الغارات الجوية وقوات محلية موالية لها على الأرض. ومنذ ذلك الحين، أخذت تتشكل تدريجيًا بيئة سياسية جديدة في الجنوب، لم تقتصر على الدعوة إلى الحوار، بل امتدت إلى إعادة تنشيط مكونات سياسية كانت قد تراجعت خلال السنوات الماضية وانضوت تحت لواء الانتقالي ووقعت على الميثاق الوطني الجنوبي في 2023، مثل مجالس الحراك الثوري الجنوبي، بالتوازي مع بروز كيانات جديدة بأسماء وهياكل مختلفة، مثل “مجلس عدن الاتحادي”.
وقد أدت هذه التطورات لإعادة طرح تساؤلات حول التوافق الجنوبي وصفه الداخلي، وما إذا كانت المرحلة الحالية تمثل مراجعة سياسية للمسار السابق للمجلس الانتقالي، الذي ترفضه السعودية وتعمل على استهدافه بشكل متواصل منذ التطورات الأخيرة، أم بداية لتفكيكه بصورة تدريجية.
وفي موازاة ذلك، برزت مؤشرات على عودة قوى حزبية يمنية إلى تنشيط حضورها داخل بعض محافظات الجنوب، وفي مقدمتها حزب الإصلاح الإسلامي (فرع الإخوان المسلمين في اليمن)، الذي كثّف خلال الأشهر الأخيرة أنشطته التنظيمية والاجتماعية والسياسية في محافظات مثل حضرموت وشبوة والمهرة. في المقابل، اتخذت السلطات الرسمية المدعومة من السعودية إجراءات طالت مقرات تابعة للمجلس في عدن وحضرموت وشبوة في فبراير الماضي، قبل أن يعاد فتح بعضها في أبريل تحت ضغط الجماهير والتظاهرات السلمية.
وفي مايو، شهدت مدن جنوبية عدة، بينها عدن والمكلا وسيئون، فعاليات جماهيرية واسعة في الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي (4 مايو) وتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي، أعادت إظهار قدرة المجلس على الحشد الشعبي رغم الضغوط السياسية المتصاعدة ومحاولة الحل التي أعلنها بعض أعضاء المجلس من الرياض في 9 يناير الماضي. كما حمل خطاب رئيس المجلس عيدروس الزبيدي، مطلع مايو، رسائل سياسية لافتة شددت على “المقاومة السلمية الواعية”، ورفض ما وصفه بمحاولات إعادة تشكيل المشهد الجنوبي بعيدًا عن الإرادة الشعبية، في وقت أعاد فيه المجلس استخدام توصيف “الجنوب العربي” بصورة أكثر وضوحًا في خطابه السياسي والإعلامي.
اقرأ المزيد: الجنوبيون يحتشدون في عدن لإحياء ذكرى تأسيس المجلس الانتقالي وتجديد التفويض للزبيدي
وقد تصاعد الجدل داخل الأوساط الجنوبية منذ مطلع العام الجاري حول طبيعة التحركات الجارية في الرياض، وحدود الدور السعودي في إعادة ترتيب التوازنات داخل الجنوب، خاصة مع الحديث المتزايد عن حوار جنوبي مرتقب قد يقوم على تمثيل الشخصيات والأفراد.
ويزداد هذا الجدل تعقيدًا في ظل ارتباط الملف الجنوبي اليوم بحسابات إقليمية أوسع تتجاوز حدود الجنوب نفسه، وتشمل شكل التسوية الشاملة للنزاع اليمني، وما يرتبط بذلك من تحركات اليوم شملت لقاءات بين مسؤولين حوثيين وسعوديين في الأردن بإشراف أممي. وهو ما أعاد إلى الواجهة مرة أخرى موضوع خارطة الطريق التي رفضها المجلس الانتقالي الجنوبي خلال السنوات الماضية بشكل معلن، وأشارت بعض القراءات إلى أنها قد تكون أحد أسباب التصعيد الأخير بينه وبين السعودية، وأحد أسباب عمليته العسكرية لتأمين حضرموت الغنية بالنفط التي يطالب الحوثيون السعودية بنسبة من عائداتها النفطية.
وبعد سنوات نجح خلالها المجلس الانتقالي في تكريس نفسه باعتباره الفاعل الجنوبي الأكثر حضورًا سياسيًا وعسكريًا وشعبيًا، يبدو أن الجنوب دخل مرحلة جديدة لم يعد الصراع فيها يدور فقط حول استعادة الدولة، بل حول من يمثل قضية الجنوب، ودور الحوار المزمع في الرياض في هذا الإطار.
إعادة الجنوب إلى الوراء
يرى الصحفي والمحلل السياسي صلاح السقلدي أن الدفع بعدد كبير من المكونات القديمة والحديثة إلى الواجهة يهدد بإعادة الجنوب إلى حالة “الفسيفساء السياسية” التي طبعت مرحلة ما قبل 2017، محذرًا من أن تعدد الأطر السياسية دون وجود مركز جامع قد يؤدي إلى إضعاف حضور قضية الجنوب خارجيًا، ويخلق انطباعًا لدى الأطراف الإقليمية والدولية بأن الجنوب لا يمتلك شريكًا سياسيًا واضحًا يمكن التعامل معه بجدية.
وأضاف السقلدي لمركز سوث24 أن المجلس الانتقالي، رغم ما يواجهه من انتقادات وملاحظات، لا يزال يمثل الإطار الجنوبي الأكثر تنظيمًا وحضورًا على الأرض، وأن تفكيك هذا المركز في توقيت حساس مرتبط بترتيبات التسوية قد ينعكس سلبًا على مجمل قضية الجنوب، وليس على المجلس وحده.
وأشار إلى أن التناقض يبدو واضحًا بين الحديث عن حوار جنوبي شامل يهدف إلى إنتاج مظلة موحدة، وبين استمرار تشجيع تعدد الكيانات السياسية على الأرض، معتبرًا أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الانقسامات المناطقية والسياسية القديمة بدلًا من تجاوزها.
وتتقاطع هذه المخاوف مع رؤية قيادات داخل المجلس الانتقالي تعتبر أن ما يجري يمثل محاولة “احتواء سياسي” للمجلس عبر تقليص قدرته على احتكار التمثيل الجنوبي، ودفعه إلى القبول بصيغة ضعيفة داخل أي مفاوضات قادمة. وفي هذا الإطار، قال القائم بأعمال رئيس الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي، نصر بن هرهرة، إن التحركات الجارية تستهدف “تفكيك المجلس الانتقالي بعد فشل محاولات إسقاطه أو إنهائه سياسيًا”.
وأضاف لمركز سوث24 أن المجلس يستند إلى قاعدة شعبية واسعة عززتها مخرجات الحوار الجنوبي والميثاق الوطني الجنوبي، معتبرًا أن أي محاولات لتجاوز هذه المرجعيات ستصطدم بالواقع الشعبي في الجنوب. كما أشار إلى أن إعادة تنشيط بعض المكونات الجنوبية لا تعكس بالضرورة وجود مشروع سياسي متماسك، بقدر ما تعبر عن محاولات لإعادة توزيع النفوذ داخل الساحة الجنوبية.
لكن رئيس (مجلس الحراك الوطني الجنوبي لتحرير واستقلال الجنوب)، عبدالرؤوف السقاف، القيادي السابق في المجلس الانتقالي الجنوبي وأحد أعضاء الوفد الذي تبنى إعلان الحل من الرياض في يناير الماضي، اعتبر أن توصيف دعم المكونات الجنوبية المختلفة باعتباره استهدافًا لقضية الجنوب أو محاولة لتفكيكها “ليس دقيقًا”، مؤكدًا أن الهدف النهائي يجب أن يبقى متمثلًا في استعادة الدولة الجنوبية، بغض النظر عن الأطر التنظيمية التي تتحرك من خلالها القوى السياسية.
وقال السقاف، في مساحة نقاشية على منصة “إكس” تابعها مركز سوث24، إن المجلس الانتقالي “كان يمثل مظلة جامعة لكنه لم يكن المكون الوحيد”، مشيرًا إلى أن عشرات المكونات الجنوبية كانت موجودة قبل تأسيس المجلس، وأن كثيرًا منها وقّع لاحقًا على الميثاق الوطني الجنوبي دون أن يذوب تنظيميًا داخل المجلس الانتقالي.
وأضاف أن ما يجري حاليًا يمكن فهمه باعتباره “إعادة تموضع سياسي” أكثر من كونه حالة تفكيك، لافتًا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع القاعدة السياسية الجنوبية استعدادًا لأي تسوية قادمة، خصوصًا في ظل التحولات الإقليمية والدولية المرتبطة بالملف اليمني. كما شدد على أن العلاقة مع السعودية تظل “شراكة استراتيجية” لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات تخص مستقبل الجنوب.
وخلال أبريل الماضي، نظم مكون السقاف فعاليات في عدن بتمويل من السعودية، وقد غير اسمه من المجلس الأعلى للحراك الثوري إلى الاسم الجديد أيضًا هربًا من التسمية السابقة التي تتنازعها عدة مكونات أخرى، من بينها مكون فادي باعوم القيادي السابق في المجلس الانتقالي الجنوبي وأحد أعضاء الوفد الذي ذهب إلى الرياض. وقد نظم الأخير فعالية في المكلا بحضرموت بتمويل من السعودية أيضًا.
وفي ظل هذا التشابك السياسي وعملية التفريخ التي يبدو أنها سوف تستمر على المدى المنظور، يبدو الجنوب اليوم أمام واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي في 2017، ليس فقط بسبب المتغيرات في بنية القوى السياسية، بل لأن النقاش بات يدور حول شكل التمثيل الجنوبي نفسه قبيل أي تسوية سياسية شاملة في اليمن. وقد استطاع المجلس الانتقالي في مشاورات الرياض (2022) أن ينتزع الاعتراف بإطار تفاوضي خاص لقضية الجنوب ضمن العملية السياسية الشاملة، وهو مكسب يبدو اليوم مهددًا في ظل محاولات تفكيك المجلس وإقصائه من قبل السعودية والأطراف اليمنية المتحالفة معها اليوم.