التقارير الخاصة

الدراما اليمنية: موسم رمضان 2025 يكشف الطموح والقيود

البوسترات الرسمية للمسلسلات الأربعة (تصميم مركز سوث24)

Last updated on: 03-04-2025 at 10 PM Aden Time

مركز سوث24 | عبد الله الشادلي


مع حلول شهر رمضان 2025، شهدت الساحة الدرامية اليمنية عودة مجموعة من المسلسلات التي تنوعت في أساليبها ومواضيعها، وسط بيئة إنتاجية لا تزال تحاول تجاوز عقبات التمويل، وضيق الوقت، وضعف البنية التحتية الفنية. وبينما اعتبر بعض المتابعين أن الأعمال المعروضة تفتقر إلى النضج الفني والحبكة المحكمة، رأى آخرون أنها تمثل محاولات أولى – وإن كانت متعثرة – لوضع موطئ قدم لدراما يمنية معاصرة.


فخلال موسم تتباين فيه التوقعات، ظهرت مسلسلات تحمل في طياتها بذورًا لمقاربات جديدة، حتى وإن كانت محاطة بثغرات في السرد والأداء. هذه الأعمال، وإن لم تصل إلى النضج الكامل، تعكس بدايات حراك فني يتلمس طريقه وسط واقع إنتاجي مضغوط وإمكانات محدودة.


يسلط مركز سوث24 في هذا التقرير الضوء على ثلاثة من أبرز المسلسلات اليمنية التي بُثت هذا العام: دروب المرجلة، طريق إجباري، بيت وقف، ودُرّة. 


"دروب المرجلة": نجاح حقيقي لكن!


يعد المسلسل الرمضاني اليمني الأبرز لهذا العام، من إنتاج قناة السعيدة. وقد تم استعراض الجزء الأول منه في العام الماضي، وتدور أحداث دروب المرجلة حول مجموعة من الخارجين عن القانون الذين يمارسون أعمال النهب المسلح ضد الأبرياء على الطرقات، مما يصنع حالة من الذعر بين الأهالي.


وفي المقابل، تتكاتف قوات الشرطة ورجال القبائل لمحاولة التصدي لهذه العصابات وإعادة الأمن إلى المناطق التي تعاني من الفوضى. 


يبدو أن الجزء الثاني من مسلسل "دروب المرجلة"، رغم شعبيته الظاهرة، قد تعثر في الحفاظ على تماسك سردي أو تقديم سردية تليق بتوقعات الجمهور. الصحفي المهتم بالشؤون الفنية عبدالله باجبع وصف المسلسل في حديثه لـ مركز سوث24 بأنه "عمل يغرق في مبالغات ميلودرامية، تفتقر إلى المنطق الدرامي السليم".


وأشار باجبع إلى مشهد مفصلي في الحبكة حيث تُلفّق جريمة قتل داخل القبيلة بشكل ساذج ضد شخصية "مقناص" – الرجل الذي سبق وأنقذ القبيلة من كارثة – دون مسوغات درامية مقنعة. أما حكم الإعدام الصادر من "الشيخ صقر" بحق "مقناص" و"هداس"، فيُقدَّم دون تحقيق أو حُجج، ما يعكس فقرًا في البناء المنطقي حد وصفه.



مسلسل دورب المرجلة الحلقة 29 (استقطاع بواسطة مركز سوث24)


وتتراكم الثغرات الدرامية بحسب باجبع، حين يتم أخذ الشاهد الرئيسي "مبروك" من قلب "المضافة" – وهي ساحة القبيلة المفتوحة – دون أن ينتبه أحد، أو يُسمع صوت احتجاج. هذا الغياب للمنطق يُلقي بظلاله على مجمل الحبكة ويكشف عن ضعف في كتابة السيناريو ومعالجة الأحداث.


كما يُنتقد المسلسل لغياب التطور عن شخصياته المحورية. "هداس"، الذي يؤدي دوره الفنان توفيق الأضرعي، ظل مقيداً جسديًا ودراميًا لفترة طويلة، ما أفقد الشخصية عمقها وجعلها أداة جامدة في السياق السردي.


وتبرز أيضاً مشكلة التكرار واستسهال الأحداث، كما في حالة "أم حابس" التي تعود تحت اسم "أم خضراء"، في تكرار يُفقد العمل مصداقيته. وبحسب باجبع، فإن مشاهد مثل محاولة سرقة "الدب الأحمر" وقرار الشيخ بالسماح لـ "أم خضراء" بالمبيت في خيمة ابنته، ليست سوى علامات على سيناريو مهتز يستسلم لحلول درامية غير واقعية.

المشاهد المصممة لصناعة الإثارة، مثل نجاة "شاهين" من رصاصة في القلب، بدت وكأنها تسعى لتقديم شخصية خارقة، قال باجبع.


كما أشار باجبع إلى أن الحلقات تعاني من حشو مبالغ فيه، إذ يُستهلك وقت طويل في تكرار المشاهد والمقدمات، فيما لا تتجاوز المادة الفعلية للحلقة 15 إلى 20 دقيقة. أحد الأمثلة اللافتة هو وصية "الشيخ سويلم" التي استغرقت 11 دقيقة دون أن تقدم إضافة جوهرية للسرد.


ورغم محاولات تعزيز دور "مقناص" في الجزء الثاني، يرى باجبع أن العمل لم يتمكن من تكرار نجاح الجزء الأول، بل بدا امتداداً باهتاً له، يعتمد على استرضاء الجمهور أكثر من تقديم تطور درامي حقيقي.


من جهته، عبّر الروائي أحمد حيدر باراس عن خيبة أمله من تراجع جودة العمل، قائلاً إن التكرار والاعتماد على عناصر الجزء الأول دون تجديد حقيقي، جعلا الجزء الثاني أقل جاذبية. وأكد أن الجمهور اليوم بات يطالب بإبداع حقيقي يتجاوز البناء التقليدي والشخصيات النمطية.


"بيت وقف": الإنتاج الدرامي الجنوبي الوحيد 


يستعرض هذا العمل الدرامي، الذي من إنتاج قناة عدن المستقلة، قضية معاصرة تتعلق بالإرث، ويتمحور حول صراع الإخوة على بيت العائلة. هذا البيت يمثل لهم ملاذًا في ظل ظروفهم الصعبة، ولكن بينما يسعون لبيعه، يكتشفون وصية والدهم، لتنطلق بينهم مواجهة بين مصالحهم الشخصية وقيم الأخوة الأصيلة.


يحمل المسلسل في طياته مواقف إنسانية عميقة ورسائل اجتماعية هادفة، مما يجعله تجربة مشاهدة مؤثرة وملهمة.



مسلسل بيت وقف الحلقة 30 (استقطاع بواسطة مركز سوث24)


"العم" نشوان، الأخ الأكبر بين أبناء عدنان، قضى حياته في بيت العائلة الذي يحتل مكانة خاصة في قلبه. يجد نشوان نفسه في مواجهة تحدٍ مصيري قد يضطره للتخلي عن هذا المنزل الذي يحمل ذكريات عمره.


ويعد هذا المسلسل الإنتاج الدرامي الوحيد في الجنوب. وتنافس قناة عدن المستقلة في رمضان من كل عام لإنتاج مسلسلات وبرامج رمضانية تركز على قضايا ورسائل تمس الشارع العدني بشكل خاص والجنوبي بشكل عام. كما أن قنوات حضرموت والمكلا الفضائية كانت قد حاولت تقديم محتويات مشابهة خلال السنوات الماضية.


لقراءة المزيد: نظرة في حال الدراما اليمنية الموسمية الرمضانية

"طريق إجباري": دراما على خط التماس بين الفن والسياسة


لم يمرّ مسلسل "طريق إجباري"، الذي تبثه قناة "بلقيس" خلال موسم رمضان، دون إثارة ضجيج واسع في الوسطين الفني والاجتماعي باليمن. فالعمل، الذي يُعتقد أن إنتاجه تم بدعم قطري وتحت إشراف مباشر من القناة المملوكة للناشطة الحائزة على نوبل توكل كرمان، وجد نفسه في قلب معركة تأويلات سياسية وأخلاقية، تتجاوز بكثير حدوده الفنية.


وتدور أحداث قصة مسلسل "طريق إجباري" في قرية يمنية، مسلطة الضوء على قضايا اجتماعيّة واقعيّة يبرز فيها صراع الشرّ والخير. فنرى ظلم واستبداد شخصيّة "حارث" الإقطاعيّة النافذة في المسلسل، تقابله إنسانيّة الطبيبة التي تسعى إلى مواجهة أعماله ونشر التوعية والعدالة والقيم الإنسانيّة.



مسلسل طريق إجباري الحلقة 27 (استقطاع بواسطة مركز سوث24)


الانتقادات لم تتأخر، لا سيما مع ورود وألفاظ اعتبرها مشاهدون "غير لائقة"، أشعلت حفيظة المتابعين، خاصة في ظل الطبيعة الرمضانية المحافظة للبيئة اليمنية.


لكن الجدل لم يتوقف عند الأخلاقيات، بل اتسع ليأخذ بعدًا سياسيًا. فبحسب تقارير إعلامية سبقت عرض المسلسل، فإن المسلسل لا يخلو من إسقاطات واضحة على شخصية الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح ونجله أحمد، في سياق درامي يُقرأ كمحاولة لإعادة رسم أدوار كرمان نفسها في المشهد السياسي اليمني، وتقديم سردية تضعها في موقع البطولة.


هذا التسييس المزعوم، وإن بدا مفرطاً للبعض، لم يمنع العمل من كسب تعاطف شريحة من المشاهدين، خصوصًا أولئك الذين رأوا في المسلسل محاولة جريئة لفتح ملفات مسكوت عنها مثل العنف الأسري، والزواج القسري، والتمييز القائم على النوع. وهي قضايا غالباً ما يتم تهميشها في الدراما اليمنية لصالح القوالب القبلية أو البطولات الذكورية النمطية.


أما على المستوى الفني، فقد تباينت التقييمات. أشاد البعض بحضور وجوه معروفة في الدراما اليمنية، وبتطور نسبي في تقنيات التصوير والإخراج. غير أن النقاد لم يغفلوا عن رصد ضعف في البناء الدرامي، وتردد في الإمساك بخيط سردي متماسك، ما جعل كثيرًا من الحلقات تبدو وكأنها تتأرجح بين خطاب اجتماعي مباشر ودراما فاقدة للتماسك.


"دُرّة": قضايا نسوية في عباءة لهجة محلية محدودة الانتشار


في مقابل الجدل السياسي والاجتماعي الذي أحاط ببعض الأعمال الدرامية اليمنية هذا الموسم، حاول مسلسل "دُرّة" – الذي عرضته قناة "المهرية" – أن يتخذ منحى أكثر هدوءًا، متكئًا على قضايا إنسانية جوهرية تتعلق بوضع المرأة اليمنية في مجتمع يرزح تحت سلطة الأعراف والنزعة الذكورية.


ويتناول المسلسل قصة مأساة فتاة شابة يُطعن في شرفها فتقع فريسة الكذب والأقاويل لتشويه سمعتها دون تحرٍ لصدق تلك الأقاويل، فتتشابك في القصة أحداث متعددة ويتجلى فيها صراع الخير والشر.



مسلسل درة الحلقة 30 (استقطاع بواسطة مركز سوث24)


الروائي أحمد حيدر، في حديثه لـ مركز سوث24، يرى في "دُرّة" عملاً يستحق التوقف عنده، لما يحمله من مضامين ترتبط بمعاناة النساء من الإقصاء والتهميش، سواء على مستوى العائلة أو المجتمع.  مضيفًا: "يتناول المسلسل مشكلات مثل حرمان المرأة من الميراث، والتعرض للعنف، وهي مواضيع شديدة الأهمية وغالبًا ما يتم إغفالها في الدراما اليمنية".


لكن، رغم أهمية القضايا المطروحة، وقع المسلسل – برأي حيدر – في فخ محدودية اللهجة. فقد تم تقديمه باللهجة الصنعانية، وهي لهجة محلية قد تُعيق فهم المحتوى من قبل جمهور واسع خارج نطاق شمال اليمن، من قناة تحمل اسم محافظة في جنوب اليمن.


وأضاف حيدر: "المشكلة ليست فقط في اللهجة بحد ذاتها، بل في افتقار النص إلى أدوات تجعل المضمون عابرًا للمناطق واللهجات، وهو أمر جوهري لأي عمل درامي يسعى للتأثير والانتشار".


إنتاج جنوبي ضعيف وتفاوت في المستوى التقني


في تقييمه العام للمشهد الرمضاني، عبّر المخرج العدني مروان علي مفرق – المخرج المساعد للفيلم الحائز على جوائز عالمية "المرهقون" – عن أسفه لغياب الدراما الجنوبية عن خريطة الإنتاج هذا العام، عدا مسلسل (بيت وقف) من إنتاج عدن المستقلة.


وعند الغوص في تفاصيل الأعمال، لفت مفرق إلى إشكالية تكررت في بعض المسلسلات، وهي النزوع إلى العنف المبالغ فيه والمعالجات السطحية، دون تقديم عمق درامي حقيقي. "رأينا محاولات لإثارة الانتباه عبر مشاهد صادمة، لكن دون تأسيس درامي متماسك أو بناء نفسي للشخصيات"، يوضح مفرق لمركز سوث24، مضيفًا أن هذا التوجه يبتعد عن جوهر الدراما الهادفة.


ورغم هذه الملاحظات، لم يخلُ تقييمه من إشارات إيجابية. فقد شهدت بعض الأعمال تحسنًا ملحوظًا على صعيد الإخراج والتصوير، بفضل استخدام تقنيات تصوير حديثة، وإضاءة محسّنة، وإدارة أكثر احترافية للكاميرا. ويرى مفرق أن هذا التطور يعود جزئيًا إلى تصاعد المنافسة بين شركات الإنتاج والقنوات، وإلى توفر أدوات تكنولوجية أصبحت في متناول اليد.


لكن هذا التحسن البصري لم يكن كافيًا لتعويض الاختلالات في البناء السردي، أو ضعف الأداء التمثيلي في بعض المشاهد، كما يشير إلى أن الدعم الفني وحده لا يصنع دراما متكاملة إن لم يُقرن برؤية سردية ناضجة.


وفي ختام تقييمه، يؤكد مفرق أن "الدراما اليمنية تمتلك عناصر واعدة، لكن لا بد من مغادرة دوائر الإثارة المجانية، والعودة إلى الحكاية كمنطلق للفن... فالمسلسل الجيد هو ذاك الذي يشبه الناس، يعكس معاناتهم، ويطرح أسئلتهم، لا أن يكتفي بملاحقتهم بالصراخ والصدمات".


دراما في سباق مع الوقت والموارد


في حديثه لـ مركز سوث24، يضع المخرج اليمني وليد العلفي، مخرج مسلسل دروب المرجلة، الإصبع على الجرح الأعمق في صناعة الدراما اليمنية: هشاشة البنية الإنتاجية، وضيق الوقت، ونقص الكوادر المتخصصة. وهي عناصر يرى أنها شكّلت عوائق مباشرة أمام جودة العمل الفني في الموسم الرمضاني.


"واجهنا ضغطًا زمنيًا خانقًا في كل مراحل الإنتاج"، قال العلفي، مشيرًا إلى أن التصوير استغرق فقط 62 يومًا لتصوير أكثر من 1200 مشهد موزعة بين تعز، دُبَع، وطور الباحة – مناطق متباعدة جغرافيًا وصعبة الوصول. ويضيف: "البيئة القاسية، وظروف التنقل، وضعف الإمكانيات جعلت العمل اليومي بمثابة مغامرة يومية".


لكن الأزمة لم تكن ميدانية فقط، بل هيكلية كذلك. إذ تجاوزت نسبة المشاهد الخارجية 50% من العمل، ما ضاعف الجهد اللوجستي، في وقت تندر فيه طواقم فنية متخصصة يمكن الاعتماد عليها. يوضح العلفي أن المنافسة بين القنوات على الكفاءات القليلة الموجودة في السوق، تسببت في تداخل الالتزامات، ما اضطره إلى تسريع التصوير لممثلين رئيسيين كانوا مرتبطين بمشاريع موازية.


ويكشف العلفي عن مفارقة مأساوية تخص مرحلة المونتاج: "انتهينا من مونتاج الحلقة الأخيرة عصر يوم العيد، قبل ساعات فقط من موعد التسليم". هذا الضغط الزمني انعكس، بحسب العلفي، على جودة الحلقات الأخيرة التي كان بالإمكان تحسينها لو توفرت فسحة زمنية مناسبة.


على صعيد الكواليس، كشف الممثل صالح العولقي (مقناص) في تصريحات متلفزة عن اضطراره المستمر لتصحيح لهجات الممثلين، بسبب صعوبة اللهجة البدوية وضيق الوقت.


وبرغم كل الصعوبات، يؤكد العلفي أنه فخور بما تم تقديمه: "تمكّنا من إنجاز مسلسل متكامل وسط ظروف بالغة القسوة، ونأمل أن يرى فيه الجمهور بداية لمسار أفضل للدراما اليمنية".


صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات


Shared Post
Subscribe

Read also