التحليلات

«خيبر شكن» بقطع صينية: هل يقترب الحوثيون من تصنيع صواريخهم محليًا؟

عنصران من الحرس الثوري الإيراني يقفان بجانب صاروخ «خيبر شكن» الباليستي خلال تجمع في العاصمة طهران، 29 أبريل 2022. (مرتضى نيكوبازل/نور فوتو/غيتي إيميجز).

آخر تحديث في: 25-10-2026 الساعة 3 مساءً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | رضوى الشريف


شهد البرنامج العسكري لجماعة الحوثي خلال السنوات الأخيرة تطورًا في أساليب الحصول على الأسلحة وإنتاجها، بالتزامن مع اتساع نطاق هجماتها الصاروخية وعملياتها العسكرية خارج الحدود اليمنية، وأسهم الدعم الإيراني في بناء القدرات الصاروخية للجماعة، فيما أتاح التوسع في استيراد المكونات والمواد الصناعية من أسواق دولية متعددة تطوير أنشطة التجميع والتصنيع داخل مناطق سيطرتها، رغم العقوبات والقيود المفروضة على إمدادات الأسلحة.


وفي 14 أكتوبر 2026، كشفت منظمة «أبحاث تسليح النزاعات» عن مساعي الحوثيين لتصنيع أجزاء من منظومة صاروخية متوسطة المدى مستوحاة من الصاروخ الإيراني «خيبر شكن»، بعد فحص شحنات قادمة من الصين احتوت على مكونات متخصصة ومعدات صناعية. وأعاد التحقيق تسليط الضوء على شبكات التوريد الصينية التي ارتبطت سابقًا باتهامات وعقوبات أمريكية، ومدى مساهمتها في تطوير القدرات العسكرية للجماعة.


وتزداد أهمية الكشف في ظل نفي بكين الاتهامات المتعلقة بتسليح الحوثيين، مقابل تقارير عن اتصالات مباشرة أجرتها معهم لتأمين مرور ناقلاتها عبر البحر الأحمر. وتأسيسًا على ذلك، يبحث المقال طبيعة التحول في البرنامج الصاروخي الحوثي، وحدود الدور الذي تؤديه شبكات التوريد الصينية، ودلالات الموقف الرسمي لبكين، وانعكاسات هذه التطورات على الأمن اليمني والإقليمي.


نتائج التحقيق: تقدم في التصنيع أم في التجميع؟


استند تحقيق منظمة «أبحاث تسليح النزاعات» إلى فحص محتويات أربع حاويات اعترضتها السلطات اليمنية أثناء توجهها إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين، ووثقت محتوياتها في يوليو 2026. وأظهرت مستندات الشحن وصول الحاويات إلى المنطقة الحرة في عدن خلال يونيو وأكتوبر 2025، على متن سفينتين نقلتا بضائع من الصين. واحتوت الشحنات على سبع مكونات مرتبطة بمنظومة «خيبر شكن»، شملت أجزاء من الهيكل ومحرك الوقود الصلب، إلى جانب مواد صناعية ومعدات للفحص والإنتاج.


كما تضمنت المضبوطات أجزاء متخصصة في تثبيت الصاروخ وتشغيل محركه، ومادة "راتنجية" تستخدم في تصنيع طبقات الحماية الحرارية، فضلًا عن آلات ومعدات صناعية يمكن توظيفها في التصنيع والفحص. وربط محققو المنظمة بين وجود هذه المواد والمكونات الصاروخية وبين مساعي الجماعة إلى توسيع أنشطة الإنتاج المحلي. كما حددوا أوجه تشابه فنية مع الصاروخ الإيراني «خيبر شكن»، الذي كشفت طهران عنه عام 2022، بمدى معلن يبلغ 1450 كيلومترًا، وينتمي إلى عائلة الصواريخ الباليستية متوسطة المدى العاملة بالوقود الصلب.


وتوصل التحقيق إلى أن بعض الأجزاء المعدنية صُنعت على ما يبدو وفق مواصفات خاصة، فيما أشارت مستندات الشحن إلى شركة صينية متخصصة في إنتاج القطع المعدنية الدقيقة. غير أن المنظمة أوضحت تعذر التحقق المستقل من بيانات المورد أو تتبع المكونات لدى الشركة المذكورة، ما يجعل مسؤوليتها المباشرة عن تصنيع الأجزاء المضبوطة بحاجة إلى إثبات إضافي.


ويأتي هذا الكشف امتدادًا لتطور سابق في القدرات الحوثية؛ إذ وثقت المنظمة خلال نوفمبر 2024 أجزاء مرتبطة بمنظومة صواريخ «بدر» قصيرة المدى، ضمن شحنة احتوت على مكونات أخرى مرتبطة بشركات تعمل من الصين. وتتمثل الإضافة الرئيسية لتحقيق أكتوبر في انتقال محاولات التصنيع إلى أجزاء مخصصة لمنظومة باليستية أكثر تقدمًا، مع بقاء مدى اكتمال الإنتاج والاختبارات التشغيلية غير محسوم وفق الأدلة المتاحة.


شبكات التوريد الصينية وسوابق العقوبات الأمريكية


يكشف تتبع مصادر المعدات المضبوطة عن اتساع دور الأسواق والشركات الصينية في توفير المكونات التي يستخدمها الحوثيون. وفي هذا السياق، أصدرت «مؤسسة القرن» في 9 فبراير 2026 دراسة بعنوان «من المهربين إلى سلاسل التوريد» تناولت توسع اعتماد الحوثيين على استيراد مكونات الأسلحة ومعدات تصنيعها. واستندت الدراسة إلى قاعدة بيانات تضم أكثر من 370 عنصرًا ضُبطت خلال نحو 140 عملية اعتراض برية وبحرية، وأظهرت أن المواد المخصصة لتصنيع الأسلحة شكلت أكثر من 80% من العناصر المضبوطة خلال عامي 2024 و2025، مقارنة بالمنظومات العسكرية المكتملة.


ووفقًا للقاعدة نفسها، بلغت حصة المواد ذات المنشأ الصيني 35% من إجمالي العناصر الموثقة بين عامي 2021 و2025، مقابل 21% للمواد ذات المنشأ الإيراني. وتعكس هذه النسب توزيع العناصر المضبوطة التي شملتها الدراسة، بما فيها المواد الخام والمكونات الصناعية، دون أن تمثل تقديرًا لحجم الإمدادات العسكرية التي حصل عليها الحوثيون فعليًا.


وتتوافق هذه النتائج مع سوابق العقوبات الأمريكية؛ ففي 17 يونيو 2024، اتهمت وزارة الخزانة الأمريكية شبكة مشتريات مرتبطة بالحوثيين بالحصول على مكونات عسكرية من موردين صينيين عبر شركات تعمل في دول أخرى. وأشار البيان إلى أن مكونات اشترتها شركة «إنترناشونال سمارت ديجيتال إنترفيس»، ومقرها سلطنة عُمان، من مورد صيني، استُخدمت في صاروخ من طراز «قدس» استهدف منشأة تابعة لشركة أرامكو السعودية عام 2020.


وفي 2 أكتوبر 2024، فرضت واشنطن عقوبات على شركتي «شنتشن جينغهون للإلكترونيات» و«شنتشن ريون للتكنولوجيا»، متهمة إياهما بتوفير مكونات مرتبطة بتطوير الصواريخ والطائرات المسيّرة لدى الحوثيين. وتبرز الشركة الثانية لسبق إدراجها على قائمة عقوبات أمريكية في يوليو من العام نفسه، بسبب تقديم دعم أو محاولة تقديمه لوزارة الدفاع الإيرانية، وهو ما يشير إلى ارتباطها باتهامات تتعلق بملفي التسليح الإيراني والحوثي.


واستمرت الإجراءات خلال عام 2025؛ إذ شملت عقوبات 11 سبتمبر شركة «ييوو وان شون للتجارة» العاملة من الصين، والتي اتهمتها الخزانة الأمريكية بتنسيق مشتريات وشحنات من مكونات المسيّرات والمواد مزدوجة الاستخدام لصالح الحوثيين منذ عام 2021 على الأقل. وطالت الإجراءات شركات لوجستية اتُّهمت بتسهيل نقل هذه المواد إلى اليمن.


وتشير الوقائع السابقة إلى امتداد شبكات المشتريات الحوثية عبر موردين تجاريين وشركات نقل ووسطاء يعملون من دول مختلفة. وتوضح دراسة «مؤسسة القرن» أن بعض عمليات الشراء والشحن يتولاها رجال أعمال يمنيون يعملون من الصين، وأن مسارات التوريد قد تشمل شركات تجارية في دول أخرى. وتكتسب هذه التفاصيل أهمية عند تحديد المسؤولية عن الشحنات، خاصة مع اختلاف دور المصنع والمورد والوسيط والجهة المستفيدة.


الموقف الصيني وأبعاد العلاقة مع الحوثيين


اتسم الموقف الصيني من الاتهامات المتعلقة بتوريد مكونات عسكرية للحوثيين بالرفض والتأكيد على الالتزام بضوابط التصدير الدولية. وبرز هذا الموقف خلال جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 14 يوليو 2026؛ إذ رفض المندوب الصيني سون لي الاتهامات الأمريكية الموجهة إلى بلاده، مؤكدًا إخضاع صادرات المعدات العسكرية والمواد مزدوجة الاستخدام لرقابة صارمة وفق القوانين الصينية والالتزامات الدولية. كما انتقد العمليات العسكرية الأمريكية في اليمن، معتبرًا أنها أسهمت في تصاعد التوترات وتعقيد جهود التسوية، ودعا إلى احترام سيادة اليمن وحماية الملاحة الدولية.


وفي موازاة ذلك، كشفت رويترز في 28 يوليو، عن اتصالات مباشرة أجرتها بكين مع الحوثيين للحصول على ضمانات لعبور ناقلاتها عبر جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، عقب إعلان الجماعة فرض قيود على السفن المتجهة إلى الموانئ السعودية. ووفق التقرير، شملت الاتصالات ترتيبات تخص عبور الناقلات بصورة منفردة. وعند سؤال الخارجية الصينية عن هذه المعلومات في 29 يوليو، امتنعت المتحدثة ماو نينغ عن تأكيد تفاصيلها، واكتفت بالدعوة إلى حماية الممرات البحرية الدولية وخفض التصعيد عبر الحوار.


وامتدت التحركات الصينية إلى القنوات الدبلوماسية مع إيران؛ إذ أفادت رويترز في 17 سبتمبر، بأن بكين طلبت من طهران استخدام نفوذها للحد من التصعيد الحوثي، عقب تحرك سعودي مرتبط بتقدم الجماعة قرب الساحل الغربي ومضيق باب المندب. ولم تؤكد الخارجية الصينية تفاصيل هذا الطلب، لكنها شددت على أن اتساع التوترات إلى اليمن والبحر الأحمر يتعارض مع مصالح الأطراف المعنية، ودعت إلى احترام سيادة الدول وحماية المنشآت الحيوية.


وتجدد الاهتمام بالموقف الصيني عقب تحقيق أكتوبر؛ إذ أعلنت وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة، في 14 أكتوبر، مناقشة المعلومات المتعلقة باستخدام الحوثيين مكونات صينية مع المسؤولين في بكين، مشيرة إلى اهتمام الجانب الصيني بالحصول على تفاصيل القضية للتحقيق فيها، ومؤكدة استمرار دعمه للحكومة اليمنية.


وفي 17 أكتوبر، نفى السفير الصيني لدى السعودية تشانغ هوا صحة الادعاءات المتعلقة باستخدام الحوثيين قطعًا صينية في تصنيع الصواريخ، واصفًا إياها بأنها «محض افتراء وتضليل». وأكد التزام بلاده بضوابط تصدير المعدات العسكرية والمواد مزدوجة الاستخدام، إلى جانب معارضتها الهجمات التي تستهدف دول الخليج والمنشآت المدنية، ودعمها الشواغل الأمنية المشروعة للسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي.


حدود التصنيع المحلي ودلالاته الأمنية


تكمن أهمية الكشف عن مشروع «خيبر شكن» في احتمال انتقال الحوثيين إلى مرحلة أكثر تقدمًا من تجميع المنظومات الصاروخية وإنتاج بعض أجزائها داخل اليمن، بما يعزز قدرتهم على تعويض الخسائر الناتجة عن العمليات العسكرية وعمليات اعتراض الشحنات. وقد يتيح الاعتماد على المكونات المستوردة بدلًا من الصواريخ المكتملة توزيع المشتريات على موردين تجاريين متعددين، وتقليل تأثر البرنامج العسكري بتعطيل مسار إمداد بعينه. ومع ذلك، فإن وصول أجزاء معدنية مصنّعة وفق مواصفات خاصة من الصين يشير إلى استمرار الاعتماد على قدرات صناعية خارجية، ولا يثبت بالضرورة تصنيع تلك الأجزاء داخل مناطق سيطرة الجماعة.


ويرتبط نجاح هذا التوجه بقدرة الحوثيين على تجاوز تحديات فنية تتعلق بتكامل مكونات الصاروخ وكفاءة محركاته وأنظمة التوجيه والتحكم، فضلًا عن ضمان جودة الإنتاج وإجراء الاختبارات اللازمة قبل الاستخدام. وتظل هذه المتطلبات أكثر تعقيدًا من عمليات التجميع التي تعتمد على أجزاء جاهزة، خاصة في ظل استمرار الحاجة إلى الخبرات والتقنيات الإيرانية. وعليه، فإن امتلاك المعدات والمكونات المضبوطة يعكس تقدمًا في طموحات الجماعة الصناعية، لكنه لا يقدم دليلًا كافيًا على امتلاكها القدرة على إنتاج صواريخ متوسطة المدى بصورة مستقلة ومنتظمة.


أما على المستوى الأمني، فإن نجاح هذه المساعي قد يزيد قدرة الحوثيين على استدامة التهديد الصاروخي ضد السعودية ودول المنطقة، ويحد من فاعلية الضربات العسكرية في تقليص ترسانتهم على المدى الطويل، وتزداد أهمية ذلك إذا تمكنت الجماعة من توفير المكونات الحساسة بصورة منتظمة، بما يسمح لها بالحفاظ على وتيرة الهجمات أو استئنافها بعد فترات التراجع. وقد ينعكس هذا التطور على مسار الصراع اليمني أيضًا، من خلال تعزيز قدرة الحوثيين على ممارسة الضغط العسكري وتحسين شروطهم التفاوضية. وفي البحر الأحمر، قد يسهم استمرار التهديد الصاروخي في زيادة المخاطر على الموانئ والمنشآت الساحلية.


ويفرض هذا التحول تحديًا على جهود مكافحة التهريب، خاصة أن الاعتماد المتزايد على المواد الصناعية والمعدات مزدوجة الاستخدام يجعل تتبع المشتريات أكثر تعقيدًا من اعتراض شحنات الأسلحة المكتملة. كما أن تعدد الوسطاء ومسارات النقل يتيح للجماعة البحث عن بدائل عند تعطيل بعض قنوات التوريد. وفي ضوء ذلك، يُرجح استمرار محاولات توسيع التصنيع الجزئي والتجميع المحلي، بينما يبقى الوصول إلى إنتاج مستقل للصواريخ المتقدمة مرتبطًا بمدى توافر الخبرات والمكونات الحساسة ونجاح الاختبارات التشغيلية. وسيكون ظهور أدلة موثوقة على إنتاج متكرر واختبارات ناجحة مؤشرًا أكثر دلالة على تطور البرنامج من مجرد ضبط معدات أو أجزاء إضافية.


خلاصة


يكشف مشروع «خيبر شكن» عن اتساع مساعي الحوثيين لتطوير قدراتهم الصاروخية عبر الجمع بين الخبرات والتصميمات الإيرانية والمكونات الصناعية المستوردة من الأسواق الدولية، وفي مقدمتها الصين. ورغم أن المضبوطات تشير إلى تقدم طموحات التصنيع المحلي، فإنها لا تثبت وصول الجماعة إلى إنتاج مستقل للصواريخ متوسطة المدى. وتبرز خطورة هذا التوجه في احتمال زيادة قدرتها على تعويض خسائرها العسكرية واستدامة تهديداتها لأمن اليمن ودول الجوار. وفي المقابل، تضع القضية بكين أمام اختبار يتعلق بفاعلية الرقابة على صادرات المكونات الحساسة، دون وجود أدلة تثبت تورطًا رسميًا في تسليح الحوثيين. ومن المرجح أن يتوقف حجم التهديد خلال المرحلة المقبلة على نجاح الجماعة في تحويل المكونات المستوردة إلى قدرة إنتاجية منتظمة، ومدى فاعلية الجهود اليمنية والإقليمية والدولية في تعطيل شبكات الإمداد.


رضوى الشريف
باحثة متخصصة في القضايا الإقليمية والنزاعات المسلحة

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا