التحليلات

على جميع الأطراف المعنية بالحرب اليمنية النظر في الوساطة الروسية

يقف ممثلون عن السفارة الروسية لدى اليمن بجوار العلم الروسي خلال إحياء ذكرى بحار روسي في مقبرة المعلا العسكرية بعدن. نشرت السفارة الصورة في 16 سبتمبر 2026. (السفارة الروسية لدى اليمن/إكس)

24-09-2026 الساعة 6 مساءً بتوقيت عدن

language-symbol

«إذا أبدت جميع الأطراف المعنية، السعودية والحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي والحوثيون، اهتماماً بخيار [الاعتراف بكيان الحوثيين في الشمال وبالجنوب دولةً مستقلة ذات سيادة، مقابل وقف الأعمال العدائية]، فمن المرجح أن توافق روسيا على التوسط بينها سعياً إلى تحقيقه، إذا طُلبت منها خدماتها الدبلوماسية».


سوث24 | د. أندرو كوريبكو


أثار خبر لمركز سوث24 عن إجراء السفير الروسي لدى اليمن يفغيني كودروف اتصالاً مرئياً مع نائب وزير الخارجية لدى الحوثيين عبد الواحد أبو راس، في 12 سبتمبر، اهتماماً بموقف روسيا من المرحلة الأخيرة من الحرب اليمنية. فقد أتاح التقدم السريع للحوثيين على ساحل البحر الأحمر وسيطرتهم على عدة جزر استراتيجية بسط نفوذهم على الجانب الشرقي من باب المندب. كما شنّوا ضربات على السعودية وتسببوا في توقف خط أنابيب النفط «شرق–غرب» عن العمل.


وكان متوقعاً أن يُسأل وزير الخارجية سيرغي لافروف عن هذه التطورات خلال مؤتمر صحفي مع نظيره السعودي في 8 سبتمبر. وقال: «نعدّ ضربات الحوثيين على البنية التحتية السعودية، بما فيها البنية التحتية المدنية، غير بنّاءة. وندعم تماماً عزم السعودية على مواصلة تنفيذ خريطة الطريق التي جرى الاتفاق عليها وإقرارها، والتي أشرت إليها في كلمتي الافتتاحية».


وأضاف لافروف: «نرى أن محاولة حل هذه المسائل بالوسائل العسكرية أمر غير مقبول؛ فهذا النهج لا يعرّض السكان والمنشآت المدنية للخطر فحسب، بل يترك أيضاً أثراً بالغ السوء على الاقتصاد العالمي، بالنظر إلى أهمية شبه الجزيرة العربية وجميع المناطق البحرية المحاذية لسواحلها لسير طرق التجارة العالمية بصورة طبيعية». وبعد يومين، قدّمت نائبة المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة آنا يفستينييفا إحاطة إلى مجلس الأمن.


وفي إحاطتها يوم 10 سبتمبر، قالت للمجلس: «نؤكد مجدداً موقف بلادنا الراسخ دفاعاً عن حرية الملاحة البحرية في جميع مياه العالم، بما فيها المياه المحاذية لليمن... وندعو أنصار الله إلى ضبط النفس واحترام سيادة الدول المجاورة، وهو ما قد يسهم، عندما يحين الوقت المناسب، في تحقيق الاستقرار في اليمن والحفاظ على وحدته وتيسير تعافيه الاقتصادي».


وفي اليوم التالي، 11 سبتمبر، التقى نائب وزير الخارجية الروسي غيورغي بوريسينكو السفير السعودي. وأصدرت وزارته بياناً جاء فيه: «أكد الجانبان مجدداً أهمية إنهاء الأعمال العدائية في اليمن في أقرب وقت ممكن، ودعمهما للجهود الدبلوماسية الرامية إلى تهيئة الظروف لإطلاق حوار شامل بين أطراف النزاع برعاية الأمم المتحدة». وأعقبت ذلك تصريحات للمتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بعد يومين.


ففي 13 سبتمبر، سُئل بيسكوف عن الحكومة اليمنية التي تعدّها روسيا شرعية، في إشارة إلى احتمال اعتراف موسكو بالكيان الذي أقامه الحوثيون ويتمركز في صنعاء. فأجاب: «لننتظر ونرَ كيف ستتطور الأوضاع. الوضع الآن مضطرب بشدة وينذر بتصعيد كبير. والأهم في الوقت الراهن هو تحقيق الاستقرار». وبعد يومين، في 15 سبتمبر، تحدث مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا أمام مجلس الأمن.


ولم يطرح نيبينزيا جديداً، سوى دعوته إلى أن «تكون استجابة هذا المجلس، المكلّف بمسؤولية منع التهديدات للسلم والأمن الدوليين، عقلانية ومدروسة بعناية، والأهم أن تكون متناسبة مع ما يجري على الأرض. إن التجربة المؤسفة مع قرار مجلس الأمن 2722، الذي فسّر عدد من أعضاء المجلس أحكامه لاحقاً على نحو خاطئ، تحذّرنا من الخطوات المتسرعة وغير المدروسة».


وبعد أسبوع، في 22 سبتمبر، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وذكر بيان الكرملين أن «الطرفين أكدا مجدداً ضرورة الوقف الفوري للأعمال العدائية [في اليمن] وتهيئة الظروف لإطلاق حوار يمني بنّاء برعاية الأمم المتحدة. وأشارا أيضاً إلى أهمية ضمان مرور السفن بأمان ودون عوائق عبر الممرات المائية الدولية في المنطقة».


يمكن فهم موقف روسيا من المرحلة الأخيرة للحرب اليمنية من هذه التصريحات الرسمية. فهي تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتقدمهم السريع على ساحل البحر الأحمر. وتريد موسكو أيضاً بقاء اليمن موحداً؛ لذا فهي لا تعترف بشرعية حكومة الحوثيين، رغم حوارها السياسي معهم. وتفضّل العودة إلى الحوار برعاية الأمم المتحدة، تجنباً للتهديدات التي تطال الملاحة الإقليمية ولاستغلال أطراف أخرى لهذه التطورات.


وخلافاً لتكهنات البعض، لا تعتزم روسيا تقديم أي دعم عسكري أو تقني أو استخباراتي للحوثيين؛ إذ من شأن ذلك أن يدمّر فوراً علاقاتها الاستراتيجية، التي عملت طويلاً على بنائها، مع السعودية والحكومة اليمنية في عدن، ولا سيما الإمارات، التي يُعرف بقرب بوتين من رئيسها. أما تأكيد الحوثيين مؤخراً أنهم لا يعتزمون استهداف الملاحة الإقليمية، وإنما السفن المرتبطة بالسعودية وحدها، فينسجم مع توقعات روسيا المعلنة بشأنهم.


وعلى خلاف المزاعم بأن مصلحة روسيا تكمن في إثارة فوضى عالمية، كتلك التي قد تنجم عن فرض الحوثيين حصاراً على باب المندب تضامناً مع حليفتهم إيران إذا تصاعدت حرب الخليج الثالثة مجدداً، فإن أزمة اقتصادية عالمية أخرى ستضر روسيا بصورة غير مباشرة. فقد ترتفع أسعار الطاقة العالمية في البداية، فتزداد عائدات خزينة الكرملين، لكن موجة الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية هذا العام قلّصت صادراتها بالفعل، ما يحول دون استفادتها القصوى من ارتفاع الأسعار.


وفوق ذلك، قد يؤدي التباطؤ الاقتصادي العالمي الذي سيعقب ذلك إلى انخفاض الأسعار فترة طويلة، بما يضر بميزانية الكرملين وما يترتب على ذلك من تبعات. وثمة مصدر قلق آخر لروسيا، يتمثل في الأثر الاستراتيجي الواسع الذي قد يتركه هذا التباطؤ على قدرة الصين على مقاومة مطالب الولايات المتحدة بإبرام اتفاق تجاري غير متكافئ يعرقل مسار صعودها قوةً عظمى. وقد تصبح الصين عندئذ أكثر استعداداً للرضوخ لمطالب واشنطن المتعلقة بالعقوبات المفروضة على روسيا.


قد لا يعرف المتابعون غير المتخصصين أن ديلما روسيف، رئيسة بنك التنمية الجديد التابع لمجموعة بريكس، أكدت في صيف 2023 أن مؤسستها، التي يقع مقرها في الصين، تلتزم بهذه العقوبات. وبعد أقل من عام بقليل، في الصيف التالي، انسحبت شركة صينية من مشروع الغاز الطبيعي المسال الروسي الضخم «آركتيك إل إن جي 2» استجابةً لضغوط مرتبطة بالعقوبات، ما وجّه ضربة قوية لخطط الكرملين. وفي أكتوبر 2024، أكد مسؤول روسي أن منظمة شنغهاي للتعاون، التي يقع مقرها في الصين، تلتزم هي الأخرى بهذه العقوبات.


وليس التزام هاتين المؤسستين البارزتين، اللتين تتخذان من الصين مقراً لهما وتدفعان باتجاه عالم متعدد الأقطاب، بالعقوبات الأميركية على روسيا أمراً هيّناً. فإذا وجّهت إيران وحلفاؤها الحوثيون ضربة مدمرة للاقتصاد العالمي عبر استهداف واسع النطاق لجميع منشآت الطاقة في الخليج، سواء بدأوا بذلك أو فعلوه رداً على تصعيد عسكري أميركي كبير، فسيكون وضع نصف الكرة الغربي أفضل نسبياً من نصفه الشرقي. وقد تضعف الصين حينها إلى حد يدفعها إلى الامتثال الكامل لمطالب الولايات المتحدة المتعلقة بالعقوبات على روسيا.


لذلك، يعارض الكرملين أي تطور يمكن أن يقود، ولو من بعيد، إلى هذا السيناريو؛ ومن ذلك هجمات الحوثيين على منشآت الطاقة السعودية واحتمال فرضهم حصاراً على باب المندب. وتعارض روسيا أيضاً فرض ما يُسمّى «رسوم عبور»، كما يتضح من تصريح للافروف في أواخر أغسطس، حين قال لمحدّثه: «نحن أيضاً لا نريد فرض رسوم [على المرور عبر مضيق هرمز]، لكن هذا أمر يستدعي مزيداً من النقاش».


وبعد توضيح معارضة روسيا لهجمات الحوثيين على منشآت الطاقة السعودية وتقدمهم السريع على ساحل البحر الأحمر، يمكن الانتقال إلى الجانب المتعلق برغبة موسكو في بقاء اليمن موحداً. فلن تعترف روسيا بالكيان الذي أقامه الحوثيون، لأن ذلك سيقوّض علاقاتها مع الرياض وعدن. ولن تجني فائدة ملموسة من خطوة دبلوماسية كهذه، في حين ستتكبد أضراراً فعلية. لكن إذا تنازلت عدن رسمياً عن الشمال الخاضع لسيطرة الحوثيين، فمن المرجح أن تعترف موسكو به.


وللتوضيح، أخفقت السعودية في هزيمة الحوثيين رغم محاولتها ذلك على مدى أكثر من عقد. كما أن ما يصفه الكاتب بخيانتها للمجلس الانتقالي الجنوبي في أواخر 2025 وأوائل 2026، خلال حملتها الجوية القصيرة آنذاك، دمّر، كما يتضح بأثر رجعي، حاجز الصدّ الموثوق الوحيد أمام تمدد الحوثيين جنوباً. ولم تتدخل الولايات المتحدة حتى الآن لإنقاذ السعودية، وقد لا تفعل ذلك أبداً. وحتى لو استأنفت حملة القصف السابقة ضد الحوثيين، فلا يوجد ما يبرر توقع القضاء عليهم كلياً.


لذا ينبغي التسليم، بصرف النظر عن رغبات أي طرف، بأن الحوثيين باقون، وأن الكيان الذي أقاموه قد يحظى في نهاية المطاف بشكل من أشكال الاعتراف في إطار حل سياسي للحرب اليمنية. ولا يريد الجنوبيون العيش مجدداً مع الشماليين في دولة واحدة بعدما أدّى اتحاد الطرفين، الذي أخفق، إلى إخضاع الشمال لهم. ومن ثم، قد يصبح حل الدولتين أمراً لا مفر منه. لكن بما أن السعودية تسيطر الآن سيطرة كاملة على الجنوب، فلا بد من موافقة الرياض عليه.


قد يتردد محمد بن سلمان في قبول ما سيُعدّ هزيمةً لمملكته، إذا اعترف بيمن شمالي خاضع للحوثيين ومتحالف مع إيران، أياً تكن التسمية التي سيتخذها. لكن ذلك قد يكون أيضاً السبيل الوحيد لحماية منشآت الطاقة السعودية، وربما حتى بقاء حكم أسرته. وإذا اقتنع بأنه الخيار الأكثر واقعية، فقد يسمح للمجلس الانتقالي الجنوبي بالعودة إلى السلطة في جنوب اليمن، وبذلك يعيد إقامة حاجز الصد الوحيد أمام تمدد الحوثيين.


ويمكن معالجة مصالح السعودية فيما يمكن وصفه بشرق اليمن، أي منطقة حضرموت التاريخية بصورة عامة، عبر الحوار مع المجلس الانتقالي الجنوبي بعد وقف تقدم الحوثيين جنوباً. ومن الخيارات الممكنة إجراء انتخابات بإشراف الأمم المتحدة لتحديد المستقبل الإداري لجنوب اليمن، أو «الجنوب العربي»، بعد إعادة إحيائه. وقد يتخذ، افتراضياً، شكل اتحاد فيدرالي بين الجنوب والشرق، وربما يتضمن حكماً ذاتياً واسعاً للجزء الشرقي على غرار النموذج البوسني.


وعلى أي حال، تتلاقى مصالح السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي في وقف الحوثيين. ولعل الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق ذلك هي اتخاذ قرار سياسي جريء بالاعتراف بكيان الحوثيين في الشمال، وبالتالي الاعتراف بالجنوب دولةً مستقلة ذات سيادة أيضاً، في مقابل وقف الأعمال العدائية. وإذا أبدت جميع الأطراف المعنية، السعودية والحكومة في عدن والمجلس الانتقالي الجنوبي والحوثيون، اهتماماً بهذا الخيار، فمن المرجح أن توافق روسيا على التوسط بينها سعياً إلى تحقيقه، إذا طُلبت منها خدماتها الدبلوماسية.


وهنا يكمن الدور الاستراتيجي الذي قد تؤديه روسيا في المرحلة الأخيرة من الحرب اليمنية: الوساطة بين الأطراف المذكورة، بالنظر إلى علاقاتها الوثيقة بها جميعاً، بما في ذلك إيران حليفة الحوثيين، إذا قررت ربط تسوية هذه الحرب بتسوية حرب الخليج الثالثة. أما إذا لم يُبدِ هؤلاء اهتماماً بالوساطة، فمن المتوقع أن تواصل روسيا الاكتفاء بإصدار تصريحات اعتيادية بشأن الحرب اليمنية، التي لا تملك تأثيراً في مسارها ما لم توافق الأطراف المعنية على وساطتها.


محلل سياسي أمريكي مقيم في موسكو متخصص في العلاقة بين استراتيجية الولايات المتحدة في الأفرو-أوراسيا، ومبادرة الحزام والطريق الصينية، والحرب الهجينة. 
- الآراء الواردة في هذا التحليل تعكس رأي المؤلف فقط

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا