التقارير الخاصة

ما وراء فتح الجبهات ضد الحوثيين في اليمن؟

قوات يمنية موالية للحكومة قرب أطراف معسكر اللبنات في محافظة الجوف، وفقًا لمشاهد متداولة عبر الإنترنت. استخرج مركز سوث24 الصورة وحسّنها باستخدام الذكاء الاصطناعي، 7 سبتمبر 2026.

09-09-2026 الساعة 4 صباحاً بتوقيت عدن

مركز سوث24 | عبد الله الشادلي


اتسعت العمليات العسكرية ضد جماعة الحوثيين خلال الأيام الأخيرة في اليمن، من غرب تعز والساحل الغربي إلى البيضاء والجوف، بالتزامن مع عودة الطيران الحربي إلى إسناد المعارك. ويمثل هذا التطور أخطر تحرك ميداني منذ هدنة عام 2022، التي أوقفت العمليات الواسعة من دون أن تنتج تسوية سياسية أو تعالج أسباب الحرب.


وبدأت الجولة الراهنة في 3 سبتمبر بهجوم حوثي واسع في غرب تعز وجنوب الحديدة، حققت خلاله الجماعة تقدمًا أوليًا في مقبنة والكدحة ومواقع مطلة على طرق تربط جبهات تعز بالساحل الغربي. لكن قوات العمالقة الجنوبية والمقاومة الوطنية والقوات التابعة لمحور تعز انتقلت إلى هجمات مضادة، قبل أن تتوسع المواجهات في البرح والوازعية وجبل حبشي، وتدخل قوات درع الوطن على بعض المحاور. ورافق ذلك تنفيذ غارات جوية قالت وسائل الإعلام العسكرية الحكومية إن «طيران القوات المسلحة» نفذها، فيما حمل الحوثيون السعودية مسؤولية هذه الغارات.


وفي 7 سبتمبر، فتحت قوات العمالقة الجنوبية جبهة إضافية في محافظة البيضاء، وأعلنت السيطرة على مواقع في مديرية الزاهر، بينما بدأت قوات حكومية وقبلية عملية أخرى في الجوف، قالت إنها انتهت بدخول منطقة اليتمة في مديرية خب والشعف. ومع أن الخطاب الحكومي تحدث عن تقدم متزامن في عدة محافظات، فإن حجم التحولات الميدانية لا يزال غير واضح، كما لم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من معظم إعلانات السيطرة والخسائر.


ويأتي هذا التحرك البري في ذروة تصعيد مباشر بين الحوثيين والسعودية، بعد استئناف الجماعة هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مدن ومنشآت داخل المملكة. وقد سبق جولة التصعيد الحالية إعلان الحوثيين ما وصفوه بالحظر البحري على السعودية، واستهدفوا عدد من السفن السعودية في البحر الأحمر بضربات بالصواريخ والمسيرات. بينما لم تعلن الرياض رسميًا مشاركتها في الضربات الجوية الأخيرة على مواقع الحوثيين حتى الآن. 


ونظرًا لهذه التطورات، يبرز السؤال حول هل تعكس هذه العمليات بداية حرب شاملة ضد الحوثيين، أم أنها جزء من استراتيجية ضغط سعودية أوسع بعد انتقال الهجمات الحوثية مجددًا إلى أراضي المملكة وسفنها بعد سنوات من محاولة الاحتواء التي دأبت عليها المملكة وتوسطت خلالها سلطنة عمان مع الحوثيين؟ وما مآلات هذه المواجهات العسكرية والسياسية إذا استمرت واتسعت؟


قرار حكومي أم تكتيك سعودي؟


منذ انتهاء الهدنة الأممية في أكتوبر 2022، بقيت معظم الجبهات ضمن تهدئة غير معلنة، وتوقفت الهجمات المتبادلة عبر الحدود بين الحوثيين والسعودية. وخلال هذه الفترة، دخلت الرياض والجماعة في محادثات مباشرة بوساطة عُمانية أفضت إلى تفاهمات عُرفت لاحقًا بـ«خارطة الطريق»، فيما ظلت الحكومة المعترف بها دوليًا خارج المفاوضات المباشرة.


لكن هذه التهدئة بدأت تتآكل في يوليو 2026 على خلفية أزمة الرحلات الإيرانية إلى مطار صنعاء. فبعد استهداف مدرج المطار لمنع طائرة إيرانية من الهبوط، حمّل الحوثيون السعودية المسؤولية، واستأنفوا هجماتهم على أراضيها، قبل أن يعلنوا فرض حظر على الملاحة المرتبطة بالمملكة وفق معادلة «الحصار بالحصار».


وانتقل التصعيد خلال أغسطس إلى القوات والمناطق الخاضعة للحكومة داخل اليمن، مع هجمات حوثية على مواقع عسكرية في مأرب وحضرموت، واستهداف مدينة وميناء المخا بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ومهّدت هذه التطورات للانفجار العسكري في غرب تعز والساحل الغربي مطلع سبتمبر، ثم اتساع العمليات إلى جبهات أخرى.


ويرى الباحث لدى مجموعة الأزمات الدولية أحمد ناجي أن العمليات العسكرية الحكومية الحالية جاءت ردًا على هذا التصعيد، واتخذت طابعًا منسقًا بين السعودية والحكومة اليمنية والقوات المحلية المناهضة للحوثيين. وقال لمركز سوث24 إن مستوى التنسيق بين الرياض وهذه الأطراف انعكس على التحركات في الجبهات المختلفة، مع بقاء السعودية الطرف الذي يقود التحالف ويوجه مساره العام.


وبحسب ناجي، لم يكن الهدف الأولي إطلاق حرب شاملة، بل ردع الحوثيين وإيصال رسالة بأن القوات المناهضة لهم داخل اليمن أصبحت قادرة على ممارسة ضغط متزامن والتقدم في أكثر من جبهة. كما أظهر استخدام الطائرات المسيّرة امتلاك هذه القوات قدرات نوعية جديدة، بعدما ظلت المسيّرات خلال السنوات الماضية إحدى أبرز أدوات التفوق العسكري الحوثي.


غير أن اتساع رقعة الاشتباكات بدأ يغيّر طبيعة العمليات ويتجاوز وظيفتها الردعية الأولى. ويعتقد ناجي أن استمرار الحوثيين في مهاجمة السعودية قد يدفع نحو توسيع العمليات داخل اليمن، وفتح جبهات إضافية، بما يحول التحرك من رد محدود إلى حملة عسكرية أطول وأوسع نطاقًا.


وتعليقًا على الهجمات الحوثية الأخيرة على أهداف جنوب السعودية شملت منشآت طاقة وإصابة 73 مدنيًا بحسب الرواية الرسمية السعودية، قال وزير الخارجية السعودي إن الحوثيين «فتحوا على أنفسهم بابًا لا يستطيعون تحمله»، لكنه لم يغلق إمكانية العودة إلى الدبلوماسية. 


ماذا يجري على الأرض؟


أعادت العمليات الأخيرة تحريك خطوط تماس ظلت شبه ثابتة لسنوات، وأظهرت قدرة القوات المناهضة للحوثيين على فتح أكثر من جبهة في وقت متقارب. غير أن التقدم المسجل في البيضاء والجوف وغرب تعز لا يكفي حتى الآن للحديث عن تحول حاسم في ميزان القوى.


ففي البيضاء، تقدمت قوات العمالقة الجنوبية داخل مديرية الزاهر باتجاه ذي ناعم، بينما دخلت قوات حكومية وقبلية منطقة اليتمة في الجوف، قبل أن يعلن الحوثيون لاحقًا دخول سوق اليتمة واستعادة سيطرتهم على المنطقة. كما شنوا هجمات في مريس شمال محافظة الضالع، وواصلوا الضغط على جبهات الكدحة والوازعية بتعز.


ويرى الخبير العسكري العميد فيصل النجار أن قياس أثر العمليات يتطلب أولًا تحديد غايتها السياسية والعسكرية: هل تهدف إلى استعادة صنعاء، أم إلى فرض توازن جديد وحماية مناطق استراتيجية، بينها منابع النفط وباب المندب وخطوط الملاحة؟ فلكل هدف متطلبات مختلفة، ولا يمكن تقييم نتائج المعارك بمعزل عن الغاية التي أُطلقت من أجلها.


وقال النجار لمركز سوث24 إن الحرب الهادفة إلى استعادة صنعاء تحتاج إلى أكثر من التفوق العسكري؛ إذ تتطلب تأييدًا شعبيًا، ومجهودًا حربيًا متكاملًا، وروحًا معنوية، ووجود معارضة سياسية فاعلة داخل مناطق سيطرة الحوثيين. ووصف استعادة صنعاء بأنها «هدف سياسي قبل أن يكون عسكريًا»، معتبرًا أن السيطرة على الأرض لا تتحول إلى مكسب دائم من دون بيئة سياسية واجتماعية تساعد على تثبيتها.


وأشار إلى أن القوات الحكومية حققت تقدمًا في جولات سابقة، لكنها توقفت لاحقًا أو عادت إلى مناطق حشدها بالتزامن مع مبادرات وقف إطلاق النار. كما ظلت المواقع تنتقل بين الطرفين من دون أن تفضي إلى انتصار حاسم، نتيجة تشابك المصالح المحلية والإقليمية والدولية. ولذلك، فإن خسارة الحوثيين موقعًا أو استعادتهم له لا تمثل وحدها معيارًا كافيًا لقياس اتجاه الحرب.


وبحسب النجار، تستطيع القوات المناهضة للحوثيين توسيع تقدمها إذا توافرت الإرادة السياسية والقرار العسكري، وتوحدت تشكيلاتها تحت قيادة وسيطرة وغرفة عمليات مشتركة. أما استمرار تعدد مراكز القرار وتفاوت الأولويات بين الجبهات، فقد يحول العمليات المتزامنة إلى مكاسب متفرقة يصعب تثبيتها أو البناء عليها.


وفي المقابل، لا تزال الفجوة في القدرات النوعية تميل لمصلحة الحوثيين، الذين يمتلكون ترسانة أكبر من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والقذائف الصاروخية، تتيح لهم استهداف البنية التحتية والمنشآت الاقتصادية والممرات البحرية. ويرى النجار أن السعودية تستطيع تزويد القوات المحلية بقدرات مماثلة، لكنه لم يفعل ذلك بالمستوى الكافي بسبب حسابات وسياسات إقليمية.


وخلال الأسابيع الماضية، نشرت قوات العمالقة الجنوبية وقوات درع الوطن وقوات الطوارئ مشاهد تظهر امتلاكها لقدرات الطائرة المسيرة، وضرب أهداف للحوثيين بواسطتها، بعد سنوات من احتكار الحوثيين لهذه القدرات. ولكن من غير المعروف حجم هذه القدرات مقارنة بما لدى الحوثيين من ترسانة أظهرت فاعلية حقيقية في ضرب أهداف داخل السعودية واستهداف السفن التي تمر عبر باب المندب.


إلى أين تقود العمليات؟


ويرى العميد فيصل النجار أن فتح جبهات تمتد من مأرب والجوف والبيضاء وتعز إلى يافع وكرش يفرض ضغطًا كبيرًا على الحوثيين، الذين لا يمتلكون، بحسب تعبيره، «قوة سحرية» تمنع تراجعهم. وإذا حافظت العمليات على زخمها، فقد تدفع الجماعة إلى القبول باتفاق سياسي يعيدهم إلى خارطة الطريق.


ولا يفترض هذا المسار هزيمة الحوثيين عسكريًا أو وصول القوات الحكومية إلى صنعاء؛ إذ قد يكون الهدف الأكثر واقعية هو تعديل شروط التسوية من خلال الضغط الميداني. لكن النجار ينبه إلى أن أي تسوية محتملة لن تكون عادلة بالضرورة لجميع الأطراف، مشيرًا إلى أن قضية الجنوب لم تحصل، من وجهة نظره، على المكانة التي تستحقها في الترتيبات السياسية المطروحة.


وقد شنت السعودية ضربات جوية على القوات الجنوبية في حضرموت مطلع العام الجاري، وعملت بشكل حثيث على استهداف المجلس الانتقالي الجنوبي واستبعاده من المشهد السياسي ومعسكر الشرعية اليمنية. وقد أعلن المجلس مؤخرًا رفضه انخراط القوات المسلحة الجنوبية في معارك خارج حدود الجنوب. 


مُتعلق: لماذا يجب ألا تشارك القوات الجنوبية في حرب داخل الشمال؟


ويتفق الباحث أحمد ناجي على أن زيادة الضغط وتحسين موقع القوات المناهضة للحوثيين يمثلان هدفين واضحين للعمليات، لكنه يرى أن تحديد غايتها النهائية لا يزال صعبًا بسبب سرعة تغير المعطيات.


ويرجح ناجي أن تمتد المواجهات إلى مناطق إضافية وأن تستمر فترة أطول قبل أن تتضح موازين القوى. ويضع أمامها مسارين رئيسيين: أن يحقق أحد الطرفين تقدمًا كافيًا لفرض شروطه السياسية والعسكرية، أو أن تصل المعارك إلى حالة جمود يعجز فيها الطرفان عن تحقيق اختراق حاسم.


وفي حال الوصول إلى الجمود، قد تعود المفاوضات والتهدئة إلى الواجهة، ولكن من مواقع تفاوضية تختلف عن تلك التي سبقت التصعيد. ويقارن ناجي هذا الاحتمال بما جرى عام 2022، عندما جاءت الهدنة عقب جولة واسعة من القتال، من دون أن تعالج جذور الصراع أو تنتج تسوية نهائية.


وبذلك، تتراوح مآلات العمليات بين توسيع الضغط لإجبار الحوثيين على تقديم تنازلات، وبين انزلاق المواجهة إلى حرب أطول يصعب ضبط حدودها. فإذا بقيت الجبهات بلا غاية موحدة، فقد تنتهي الجولة إلى تبادل جديد للمواقع. أما إذا تحولت التحركات الحالية إلى حملة منظمة وقابلة للاستمرار، فقد تعيد تشكيل شروط التفاوض مع الحوثيين، حتى من دون الوصول إلى حسم عسكري شامل.


وتعزز التطورات الأخيرة احتمال انتقال السعودية من سياسة الاحتواء إلى بناء استجابة أوسع ضد الحوثيين. فقد نقلت شبكة «سي إن إن» عن مصدر مطلع على الموقف السعودي أن دبلوماسيين من المملكة أبلغوا مشرعين أمريكيين، في أغسطس، بانهيار قنوات التواصل السياسي مع الجماعة واستعدادها للتصعيد ضد المملكة، وطلبوا دعم واشنطن لمواجهتها. وأضاف المصدر أن الرياض متفقة مع القيادة المركزية الأمريكية بشأن الخطوات التالية، وأطلعت شركاءها الأوروبيين على خططها، كما تعمل على إشراك دول أخرى كانت متحفظة خشية أن تبدو طرفًا في الحرب الأمريكية مع إيران. ومع ذلك، قالت الشبكة إن شكل الرد وحجمه لا يزالان غير واضحين.


عبد الله الشادلي
صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا