التحليلات

حسابات انخراط الحوثيين في الحرب مع إيران

شخص يسير مع أطفال بينما ينفذ أنصار الحوثيين مظاهرة تضامنية مع إيران ولبنان، في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد طهران، في صنعاء، 6 مارس 2026. / رويترز

آخر تحديث في: 04-04-2026 الساعة 9 مساءً بتوقيت عدن

"أي توسع في الصراع سيضع الحوثيين أمام احتمال مواجهة معركة برية واسعة، مدعومة جوياً من قوات إقليمية وأمريكية، وربما بموافقة ضمنية من المجتمع الدولي.."


مركز سوث24 | فريدة أحمد


على مدار الشهر الأول من المواجهة العسكرية التي اندلعت بين إيران والتحالف الإسرائيلي-الأمريكي في أواخر فبراير، لزم الحوثيون الصمت، متبعين مساراً مغايراً لبقية حلفاء طهران كحزب الله اللبناني والحشد الشعبي في العراق الذين انخرطوا في المعركة فوراً. ويبدو أنّ إيران اختارت تأجيل ورقة الحوثيين لإشهارها في الوقت المناسب ولفرض شروط تفاوضية أكبر، لا سيما إذا ما اقترن ذلك بإمكانية التأثير على حركة الملاحة في باب المندب، بالتوازي مع إغلاق مضيق هرمز، وفي ظل حديث أيضاً عن حوار أمريكي-إيراني محتمل لإنهاء الحرب. فبعد أسابيع من التهديدات الحوثية المتكررة التي لم تتجاوز الاستهلاك الإعلامي، كسر الحوثيون حاجز التردد تحت ضغوط من طهران ودخلوا الحرب بشكل فعلي، وذلك بعد إطلاق صاروخ باتجاه إسرائيل في صباح 28 مارس، مما نقلهم من خانة التهديد إلى الصراع الدائر مباشرة.


مع ذلك، لا يبدو أن الحوثيين كانت لديهم الرغبة الحقيقية في الانخراط إلى جانب إيران في الحرب. فقبل ساعات من إطلاقهم الصاروخ الوحيد حتى الآن، كان يُترقّب خطاب يُفترض أن يعلنوا من خلاله دخولهم في الصراع، إلا أنه جاء في إطار تهديدي لا يختلف عن بياناتهم السابقة، غير أن الضغط الإيراني اللاحق فيما يبدو دفعهم إلى تنفيذ هجومهم المحدود. هذا الأمر يدل بوضوح على أن الجماعة الحوثية تتجنب استنزاف ما تبقى من قدراتها العسكرية، لا سيما بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدتها خلال العام الماضي نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، والتي لم تقتصر على استهداف بنيتها العسكرية وإسقاط عدد من قياداتها السياسية والعسكرية، بل امتدت أيضاً لتطال البنية الاقتصادية الحيوية في مناطق سيطرة الجماعة الدينية شمال اليمن.


في ذات الإطار، تواصل إيران التلويح بخيار التصعيد في حال عدم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، مشيرة إلى احتمال اتخاذ خطوات تستهدف إغلاق مسار بحري رئيسي آخر عبر الحوثيين، يتمثل في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يشكّل بديلاً مهماً لتصدير جزء من نفط الخليج. في المقابل، قدم ‌الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خطة من 15 نقطة لإيران عبر وسيط باكستاني. لم يتم نشر الخطة، ورفضت الإدارة الأمريكية الكشف عن تفاصيلها، لكنها تتضمن وفقاً لمصادر متعددة، إنهاء برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم، وفرض قيود على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وإنهاء دعم إيران لوكلائها في المنطقة.


تضارب المصالح الإيرانية الحوثية


خلال السنوات الأخيرة، نجحت إيران في توظيف أذرعها الإقليمية تحت ذريعة "إسناد غزة"، بما مكنها من إدارة مستوى محسوب من التصعيد لإشغال الإقليم والولايات المتحدة، وتأخير توجيه ضربة مباشرة لها. غير أنّ وقوع الضربة؛ غير المعادلة، إذ تراجع العائد الاستراتيجي من تشغيل هذه الأذرع بالشكل السابق. ويبدو أنّ الحوثيين ينظرون إلى المشهد من زاوية مختلفة؛ فمع تعرض إيران نفسها للاستهداف، يبرز تساؤل وجودي لديهم، حول جدوى الذهاب نحو مسار قد يقودهم إلى مصير مشابه لحزب الله أو حماس. ومن هنا يتشكل تباين حاد في المصالح بين الطرفين. فبينما تسعى طهران إلى دفع الحوثيين نحو تصعيد يطال الملاحة الدولية في البحر الأحمر، بما قد يُحدث اختناقاً اقتصادياً ويعزز سرديتها في الصمود والتفوق، فإنّ كلفة هذا الخيار تقع بالدرجة الأولى على الحوثيين. إذ تبدو إيران مستعدة لتحمل خسارة هذا الذراع، أو حتى التضحية به، في سبيل تعظيم مكاسبها في الحرب، أو على الأقل تقليص خسائرها وإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بخصومها.


يُدرك الحوثيون جيداً أنّ أي انخراط واسع قد يقود إلى نهايتهم، وهو ما يفسّر محدودية تدخلهم حتى الآن. فهم يتعاملون مع كل صاروخ يُطلق باعتباره استنزافاً مباشراً من رصيدهم العسكري المتبقي، في وقت يحتاجون فيه إلى هذا المخزون تحسباً لسيناريو أكثر خطورة، يتمثل في اندلاع مواجهة برية على مناطق سيطرتهم، وهو ما قد يعني تصفية مشروعهم بالكامل بعد سنوات من البناء. ومن هذا المنطلق، قد ينظرون إلى توسيع عملياتهم في البحر الأحمر باعتباره مخاطرة وجودية، إذ إن آخر أوراقهم الفاعلة ممثلة بـ "الصواريخ والمسيّرات"، لا تزال تمثل أداة ردع أساسية في مواجهة خصومهم المحليين. كما أنّ الاحتفاظ بهذه القدرات يمنحهم هامشاً للضغط الإقليمي، ولا سيما عبر التلويح بتهديد المملكة العربية السعودية، بما قد يدفعها إلى ممارسة ضغوط على القوى المحلية لتجنب خيار الحسم العسكري ضدهم. 


في كل الأحوال، تبدو إيران أكثر استعداداً لاستخدام ورقة الحوثيين، حتى لو ترتب على ذلك تعريض الجماعة للانتحار. هذا التباين مرشح لأن ينعكس على تماسك القيادة الحوثية نفسها، إذ من الممكن أن تبرز انقسامات داخلية بين تيار يرتبط ولاؤه بشكل مطلق لطهران، وآخر تحكمه حسابات البقاء ومآلات الهزيمة المحتملة. وعلى هذا الأساس، قد يسعى الحوثيون إلى قدر من ضبط النفس لامتصاص الضغوط الإيرانية، لكن يبقى التساؤل مطروحاً حول قدرتهم على الصمود تحت هذا الضغط. سيزداد هذا الأمر تعقيداً في ظل طرح شروط تتعلق بتخلي إيران عن وكلائها ضمن أي تسوية محتملة، ما يعني أنّ طهران قد تجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها والتفريط ببعض أدواتها إذا اقتضت مصالحها ذلك. أضف إلى ذلك أنّ إيران، بغض النظر عن مآلات هذه الشروط، ستخرج من المواجهة مثقلة بالخسائر، وقد تتجه لاحقاً للتركيز على إعادة الإعمار، وهو ما قد يحد بشكل كبير من قدرتها على مواصلة دعم وكلائها لتعويض ما خسرته في الحرب.


حسابات البقاء الحوثية


في ظل توقع غياب الدعم الإيراني المباشر، قد يضطر الحوثيون إلى اتخاذ قرارات أسرع، بما في ذلك قبول أي تسوية تُطرح على الطاولة. فهم عملياً لن يحظوا بدعم سياسي كما في السابق، حتى من الوسطاء الإقليميين مثل عُمان، التي قد تعيد النظر في موقفها من الجماعة، إذ كانت تستضيفهم أساساً لمصلحة طهران، وبات تعرضها لهجوم هي الأخرى ضمن دول الخليج؛ يقلل من رغبتها في تقديم الدعم كما في السابق. إلى جانب ذلك، قد تسعى مسقط إلى إعادة تشكيل صورتها الذهنية لدى بقية القوى اليمنية المناوئة للحوثيين، في ظل ما ترسّخ سابقاً من انطباع بأنها راهنت على الجماعة باعتبارها الطرف الأوفر حظاً للهيمنة على السلطة في المرحلة المقبلة، وكونها الدولة الإقليمية الوحيدة التي فتحت مع الجماعة الدينية قنوات تقارب واضحة. إلا أن تحوّل المعطيات قد يدفعها إلى مراجعة هذا التموضع، والتوجه نحو إعادة بناء الثقة مع الأطراف الأخرى التي تضررت علاقتها بها خلال الفترة الماضية نتيجة هذا التقارب. 


وانطلاقاً من هذا التحول المحتمل في مواقف الفاعلين الإقليميين، قد يلجأ الحوثيون إلى أي اتفاق يتيح لهم الحفاظ على ما يمكن إنقاذه. إذ من الممكن أن يسعوا لفصل أنفسهم عن القرار الإيراني كخيار للبقاء، لكن هذا الخيار يظل مرتبطًا بمدى قوة ونفوذ إيران داخل هياكل صنع القرار في الجماعة، وما إذا كان القرار الإيراني قد يفرض عليهم الدخول في حرب موسعة قد تعني نهايتهم.


أما إذا قرر الحوثيون توسيع الصراع ودعم إيران، وشرعوا في شن هجمات في البحر الأحمر، فلن يكون بإمكانهم إغلاق مضيق باب المندب، إذ إنه خارج نطاق سيطرتهم المباشرة. ومع ذلك، قد تشكل هذه الهجمات تهديداً على حركة الملاحة وأسواق الطاقة، ما يزيد من تكاليف التأمين والنقل البحري. وعلى العكس من ذلك، فإن بوسع إيران التحكم وإغلاق مضيق هرمز، بفضل قدرتها على تحريك الزوارق من سواحلها. وبالنتيجة، فإنّ أي تصعيد من الحوثيين في البحر الأحمر سيكلفهم جزءاً ثميناً من مخزونهم العسكري من الصواريخ، الذي لا يمكن تعويضه بسهولة. 


كما أنّ أي توسع في الصراع سيضع الحوثيين أمام احتمال مواجهة معركة برية واسعة، مدعومة جوياً من قوات إقليمية وأمريكية، وربما بموافقة ضمنية من المجتمع الدولي. عملياً، لم يحقق الحوثيون أي انتصار حقيقي في المعارك البرية؛ فاجتياحهم للمحافظات وسيطرتهم عليها حدث دون قتال في بداية الانقلاب، فيما خسروا كل المعارك التي خاضوها لاحقاً، باستثناء ما سيطروا عليه نتيجة انسحابات من بعض المناطق اتُهمت فيها أطراف عسكرية في الحكومة المعترف بها دولياً بالتواطؤ، خاصة تلك المرتبطة بجماعة "الإخوان المسلمين"، كما حدث في نهم والجوف. أما المعارك البرية الحقيقية في الساحل الغربي ومناطق جنوب اليمن فقد خسروا فيها بالكامل. 


الجدير بالذكر، أن السعودية استفادت كثيراً من الضربات الأمريكية والإسرائيلية على الحوثيين منذ 2024، خصوصاً من تدمير خزانات النفط، ما يجعل أي معركة برية مستقبلية متوقعة أن تكون مدمرة لهم. ومع ذلك، فإنّ أوراقهم الصاروخية المتبقية هي ما يجعل الرياض مترددة في اتخاذ قرار الحسم العسكري الكامل مع القوى المحلية على الأرض. ومن هنا، يسعى الحوثيون إلى الاحتفاظ بهذه الأوراق كوسيلة تهديد، انتظاراً لساعة الصفر، بدلاً من أن تستنزفهم إيران الآن وتفقدهم أهم أوراقهم العسكرية.

مع ذلك، تبدو كل الخيارات المتاحة أمام الحوثيين في الوقت الراهن صفرية، حتى خياراتهم المتعلقة بالذهاب نحو اتفاق أو تسوية. فقبول أي اتفاق قد يقودهم عملياً إلى النهاية، وهو ما يفسر استمرارهم في شراء الوقت على مدار السنوات الماضية. إذ أنّ الجماعة بنت أجيالًا على مدار أكثر من 11 عاماً، وحتى منذ تأسيسها في 2004، استندت فكرتهم الأساسية على مفهوم "الولاية" ووجود "السيد". وعندما يُفرض أي اتفاق يشمل المشاركة في القرار السياسي والانتخابات، ستنهار الذريعة التي اعتمدت عليها الجماعة أمام مناصريها حول أحقية الحوثيين في الحكم والولاية. فالاتفاق سيقوّض الأيديولوجيا التي غرسوها في عقول أنصارهم لعقود، والتي قاتلوا من أجلها، وبالتبعية، سيهدد ذلك وجود الحركة نفسها.


في ضوء هذه المعطيات، يبدو أنّ الحوثيين عالقون بين خيارين وجوديين: تصعيد يهدد بإنهاء قدراتهم العسكرية ويمهد لإنهاء دورهم، أو قبول أي تسوية سياسية قد تقوض أيديولوجيتهم ومشروعهم. وهذا الواقع في نهاية المطاف يبرز ضعف موقفهم، ويجعل مستقبل الجماعة مرهوناً بمدى قدرتهم على إدارة الضغوط الإيرانية والإقليمية، مع الاحتفاظ بأوراق الردع المتبقية، بينما تظل جميع الخيارات المتاحة لهم محفوفة بالمخاطر وتهدد وجودهم بشكل مباشر.


فريدة أحمد
المديرة التنفيذية لمركز سوث24 للأخبار والدراسات

شارك
اشترك في القائمة البريدية

اقرأ أيضا