بواسطة الذكاء الاصطناعي - مركز سوث24
02-04-2026 الساعة 8 مساءً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | عبد الله الشادلي
شهد الريال اليمني خلال الفترة الماضية تحولاً لافتًا، بعد أن تراجع إلى نحو 2840 ريالًا للدولار في منتصف يوليو 2025، قبل أن يستعيد جزءًا كبيرًا من قيمته ليستقر عند حدود 1617 ريالًا للشراء و1630 للبيع منذ أغسطس، مع تسجيل تحسن إضافي بنسبة 3.65% بحلول فبراير 2026 عند 1558 للشراء و1573 للبيع في مسار تعافٍ تجاوزت نسبته الإجمالية 40%. غير أن هذا التحسن النقدي، الذي ترافق مع دعم مالي سعودي بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي وتشكيل حكومة جديدة مؤخرًا، لم يترجم إلى انخفاض ملموس في أسعار السلع أو تحسن في القدرة الشرائية للمواطنين، ما كشف عن فجوة عميقة بين مؤشرات السوق النقدية وواقع المعيشة اليومية.
في الأسواق، بقيت أسعار العديد من السلع الأساسية قريبة من مستويات ذروة انهيار العملة، بل وارتفعت في بعض الحالات، وسط اتهامات من تجار محليين بأن كبار الموردين يعمدون إلى إعادة تسعير السلع بالريال السعودي للحفاظ على هوامش ربح مرتفعة، حتى في ظل تحسن سعر الصرف. وفي المقابل، يؤكد فاعلون في القطاع التجاري أن الأسعار الحالية تعكس تراكم تكاليف سابقة وارتفاعات مستمرة في الرسوم والنقل والشحن، ما يجعل أثر التحسن النقدي محدودًا على أرض الواقع.
اقتصاد التكلفة المرتفعة
رغم التحسن الملحوظ في سعر صرف الريال اليمني، تشير البيانات الميدانية إلى أن أسعار السلع لا تتحرك وفق هذا المتغير وحده، بل تخضع لمنظومة أوسع من التكاليف المتراكمة التي تحدد السعر النهائي للمستهلك. ففي ذروة تدهور العملة خلال يوليو 2025، ارتفعت أسعار السلع إلى مستويات قياسية نتيجة زيادة تكلفة الاستيراد والتأمين البحري، ومع التراجع السريع في سعر الدولار بنحو 1200 ريال خلال أغسطس، سادت توقعات بانخفاض موازٍ في الأسعار، غير أن هذا الانخفاض بقي محدودًا أو شبه غائب في كثير من السلع.
تفسير هذا التباين يبدأ من بنية التكلفة نفسها. فوفقًا لما أكده المستشار الاقتصادي في مكتب رئاسة الجمهورية، فارس النجار، فإن الأسعار في السوق اليمنية لا تتحدد على أساس سعر الصرف اللحظي، بل تتأثر بمجموعة من العوامل المركبة، في مقدمتها تكاليف الشحن والتأمين التي ارتفعت بفعل الاضطرابات في البحر الأحمر، إضافة إلى تكاليف النقل والوقود والرسوم غير القانونية التي تُفرض عبر نقاط متعددة.
وقال النجار لمركز سوث24 أن هذه الرسوم تمثل "ضريبة مستترة" تُضاف إلى السعر النهائي، ما يحدّ من أي انعكاس مباشر لتحسن العملة على أسعار السلع.
ولا تتوقف الضغوط عند هذا الحد، إذ يلفت النجار إلى أن تحسن سعر الصرف يُعد "شرطًا ضروريًا لكنه غير كافٍ" لخفض الأسعار، في ظل استمرار هذه التكاليف المرتفعة، إلى جانب ضعف المنافسة في بعض السلاسل التجارية، ما يسمح ببقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة حتى مع تراجع الدولار. كما يوضح أن جزءًا من المشكلة يرتبط بآلية "الدولار الجمركي"، حيث يتم تسعير بعض السلع وفق سعر أعلى من السعر الفعلي في السوق، الأمر الذي يمنح التجار هامش ربح إضافيًا ويُضعف انتقال أثر التحسن النقدي إلى المستهلك.
من جانب آخر، يقدم تجار الجملة قراءة موازية تعكس واقع التكلفة من داخل السوق. إذ يؤكد التاجر سعيد باوزير في حضرموت أن تكلفة استيراد السلع لم تنخفض بالشكل المتوقع، بل ظلت مرتفعة بسبب زيادة الرسوم الجمركية والضرائب، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والشحن، ما يجعل أي انخفاض في سعر الصرف غير كافٍ لتعويض هذه الأعباء. وبحسب باوزير، فإن هذه العوامل مجتمعة تُبقي تكلفة البضائع عند مستويات مرتفعة، وتحدّ من قدرة التجار على خفض الأسعار دون التعرض لخسائر.
تشوهات السوق
إذا كان "اقتصاد التكلفة المرتفعة" يفسر جانبًا من جمود الأسعار، فإن الجزء الأكثر تعقيدًا يرتبط ببنية السوق نفسها، حيث تلعب تشوهات المنافسة وسلوكيات التسعير دورًا حاسمًا في تعطيل انتقال أثر تحسن سعر الصرف إلى المستهلك النهائي. ففي ظل غياب بيئة تنافسية متوازنة، تتحول مكاسب التعافي النقدي إلى أرباح إضافية داخل حلقات محدودة من كبار الموردين، بدل أن تنعكس على الأسعار في الأسواق.
في هذا السياق، تكشف شهادات من داخل السوق عن ممارسات تسعير لا ترتبط مباشرة بسعر الصرف الفعلي، بل بهوامش الربح المستهدفة. إذ يشير أحد تجار الجملة إلى أن بعض الموردين يعمدون إلى تعديل الأسعار بالريال السعودي، بحيث يتم الحفاظ على مستوى ربح مرتفع حتى مع تحسن قيمة الريال اليمني. ويؤدي هذا النمط إلى خلق مفارقة سعرية، حيث يبدو السعر بالعملة المحلية أقل ظاهريًا، بينما يظل السعر الحقيقي—المقاس بالريال السعودي—مرتفعًا أو حتى في ازدياد.
ويقدم التاجر مثالًا دالًا على ذلك في سوق السكر، حيث كانت فئة 50 كجم تُباع سابقًا بنحو 120 ريالًا سعوديًا، لكنها ارتفعت إلى ما بين 135 و150 ريالًا بعد تحسن سعر الصرف، وهو ما يعكس سلوكًا تسعيريًا منفصلًا عن منطق انخفاض التكلفة. ويذهب التاجر إلى أبعد من ذلك، متهمًا الجهات المعنية بالتقاعس عن أداء دورها الرقابي، في ظل غياب آليات فعالة لضبط الأسعار أو مساءلة كبار الموردين.
إلى جانب ذلك، تبرز الجبايات غير القانونية كأحد أبرز مظاهر التشوه في السوق، حيث تُفرض رسوم متعددة عبر نقاط أمنية وعسكرية على امتداد طرق النقل، ما يضيف تكاليف إضافية غير رسمية إلى السلع. ووفقًا لما أشار إليه المستشار الاقتصادي فارس النجار، فإن هذه الجبايات تمثل "تكلفة خفية" تتراكم ضمن السعر النهائي، وتُضعف أي تأثير إيجابي لتحسن سعر الصرف، خاصة في ظل غياب آلية موحدة لتحصيل الإيرادات أو ضبطها.
ولا تقتصر المشكلة على الجبايات، بل تمتد إلى التعقيدات البيروقراطية المرتبطة بالإجراءات الحكومية، والتي تزيد من كلفة الاستيراد والتوزيع. وفي هذا الإطار، يشير عضو الغرفة التجارية في عدن وعضو اللجنة الرئاسية لرجال الأعمال، جمال محفوظ بلفقيه، إلى أن تعدد الرسوم والتعقيدات الإدارية يرفع ما يمكن تسميته "التكلفة المخفية" للسلع، مؤكدًا لمركز سوث24 أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في مستوى الأسعار، بل في البيئة التنظيمية التي تسمح بتراكم هذه الأعباء دون رقابة فعالة.
ويعكس هذا المشهد ما يمكن وصفه بـ "اقتصاد الريع التجاري"، حيث لا تُحدد الأسعار وفق قواعد العرض والطلب أو تغيرات سعر الصرف، بل وفق القدرة على التحكم في السوق واستغلال الاختلالات التنظيمية. وفي ظل هذه البيئة، تتحول مكاسب تحسن العملة إلى قيمة محتجزة داخل حلقات محددة، بينما يبقى المستهلك خارج دائرة الاستفادة.
وبذلك، لا تعود المشكلة مرتبطة فقط بارتفاع التكاليف، بل بطبيعة السوق نفسها، التي تفتقر إلى الشفافية والتنافسية، وتسمح باستمرار أنماط تسعير غير مرنة، تقاوم الانخفاض حتى في ظل تحسن المؤشرات النقدية.
أزمة الثقة والحوكمة
في نهاية المطاف، لا يمكن تفسير الفجوة بين تحسن سعر الصرف وبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة دون التوقف عند عامل حاسم يتمثل في أزمة الثقة وضعف الحوكمة الاقتصادية، وهي العوامل التي تحكم سلوك السوق وتحدد ما إذا كان أي تحسن نقدي سيتحول إلى مكسب فعلي للمستهلك أم سيبقى محصورًا داخل دوائر ضيقة.
فعلى مستوى القطاع الخاص، لا يُنظر إلى التحسن الأخير في سعر الصرف بوصفه تحولًا مستدامًا، بل كتحسن هش قابل للانتكاس في أي لحظة. وفي هذا السياق، يوضح جمال محفوظ بلفقيه، أن ما يسود السوق حاليًا هو "حالة من الترقب والحذر"، حيث يتجنب التجار خفض الأسعار بشكل جوهري قبل التأكد من استقرار التحسن النقدي. ويشير إلى أن هذه الفجوة تعكس غياب الثقة، إذ يخشى الفاعلون في السوق من تقلبات مفاجئة قد تعيدهم إلى مستويات خسارة سابقة، ما يدفعهم إلى تبني سياسات تسعير احترازية تُبقي الأسعار مرتفعة.
ولا ينفصل هذا السلوك عن ضعف الأطر التنظيمية والرقابية، حيث يقر المستشار الاقتصادي فارس النجار بأن المؤسسات المعنية لم تتمكن حتى الآن من فرض رقابة فعالة على الأسواق أو ضمان التزام الفاعلين الاقتصاديين بآليات تسعير عادلة. ويؤكد أن عدم تفعيل دور المكاتب التنفيذية التابعة لوزارة الصناعة والتجارة، إلى جانب غياب أدوات رصد إلكترونية شفافة، أسهم في إعاقة انتقال أثر تحسن العملة إلى رفوف الأسواق، رغم المؤشرات الإيجابية على مستوى سعر الصرف.
ويمتد هذا التأثير إلى شريحة المغتربين اليمنيين، الذين كان يُفترض أن يستفيدوا من تحسن العملة في تعزيز قدرتهم على دعم أسرهم. غير أن الواقع جاء معاكسًا، كما يوضح المغترب اليمني في السعودية عبد الله ناصر، الذي قال لمركز سوث24 إنه كان يحول نحو 1000 ريال سعودي شهريًا قبل أغسطس 2025 لتغطية احتياجات أسرته، إلا أنه اضطر بعد ذلك إلى زيادة المبلغ بنحو 500 ريال إضافية بسبب استمرار ارتفاع الأسعار. ويعكس هذا المثال كيف أن التحسن النقدي، بدل أن يخفف العبء، أدى فعليًا إلى زيادة الالتزامات المالية على المغتربين نتيجة عدم تراجع الأسعار.
وبذلك، تكشف هذه المعطيات أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بمتغيرات السوق أو التكاليف، بل بطبيعة العلاقة بين الدولة والسوق، ومستوى الثقة بين الفاعلين الاقتصاديين، وقدرة المؤسسات على فرض قواعد عادلة وشفافة. ففي ظل غياب هذه العناصر، يتحول أي تحسن في المؤشرات النقدية إلى مكسب نظري غير قابل للتحقق في الحياة اليومية.
وفي هذا السياق، يشدد النجار على أن استعادة التوازن في السوق تتطلب أكثر من مجرد استقرار سعر الصرف، إذ ترتبط بضرورة تشديد الرقابة، وتفعيل أدوات الرصد الحديثة، وضمان توجيه الإيرادات إلى البنك المركزي، بما يسمح بخلق بيئة اقتصادية أكثر انضباطًا.
وفي ظل هذا الواقع، لا يكفي استقرار العملة وحده لإعادة التوازن إلى الأسواق، ما لم يترافق مع إصلاحات أعمق تستهدف ضبط التكاليف غير الرسمية، وتعزيز المنافسة، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية، بما يضمن انتقال أثر التحسن النقدي إلى المستهلك. وحتى يتحقق ذلك، سيظل التعافي النقدي في اليمن أقرب إلى رقم اقتصادي نظري، لا يملك القدرة على تغيير الواقع المعيشي للمواطنين.