الذكاء الاصطناعي (بواسطة مركز سوث24)
آخر تحديث في: 28-01-2026 الساعة 9 مساءً بتوقيت عدن
مركز سوث24 | د. إيمان زهران
ثمّة تحولات نوعية بقضايا الإرهاب والتطرف على المستويين النظري والتطبيقي. إذ لم يعد "الإرهاب التنظيمي" النمط الأكثر انتشارا لمجمل العمليات التي تم رصدها فيما بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، فقد شهد ذلك الملف صعوداً لافتاً لأنماط متباينة – يفتقر معظمها إلى عنصر القيادة المركزية/ النظامية – خاصة مع انتشار الأفكار اليمينية المتطرفة، واتساع فجوات الاغتراب والتهميش الاجتماعي أو الطائفي أو العرقي، وغيرها من العوامل التي أنتجت نماذج متباينة من هياكل التنظيمات الإرهابية.
وقد تصاعدت بالآونة الأخيرة العديد من المؤشرات العلمية قيد الدراسة والرصد والتقييم للتنبؤ بمستقبل الظاهرة الإرهابية، وأنماطها، ونقاط ارتكازها جغرافياً، وأهدافها ومساراتها، إلخ، على نحو ما يدفع بعدد من التساؤلات تنتهي جميعها باستشراف الاتجاهات المستقبلية لقضايا الإرهاب لعام 2026، وذلك على النحو التالي:
أولاً: السياقات البنائية لحواضن الإرهاب
بجانب السياق المحلي وخصوصية المجتمعات، فثمّة عدد من المحددات التي تُعد عوامل محفزة لتكوين ونشاط التجمعات والتنظيمات الإرهابية، أبرزها:
• المحدد الاقتصادي: فالوزن النسبي للمحددات الاقتصادية مقابل المحركات الأيديولوجية والعقائدية والدينية هي من تحسم تلك القضية بمختلف أبعادها ومساراتها.
• المحدد السياسي: فالعوامل السياسية ومصالح القوى على كافة المستويات (المحلية، الإقليمية، الدولية)، بجانب العلاقات بين الدول، تُعد العامل الحاسم في ظهور وانتشار تهديدات الإرهاب.
• المحدد الاجتماعي: ينصرف إلى السياق المحلي والعوامل الاجتماعية كالفساد وعدم العدالة التوزيعية، بالإضافة إلى العوامل الثقافية والنفسية، إذ جميعها تُعد من العوامل المهيئة لتكوين التنظيمات الإرهابية.
اتصالاً بذلك، تُعرف "الحواضن الإرهابية" بالبيئة التي تسمح بنمو الأفكار الإرهابية، وترسيم توجهات ومسارات التطرف وذلك عطفاً على مختلف التفاعلات الدولية بالآونة الأخيرة، وذلك مثل:
• انتهاك مبادئ السيادة واستباحة الحدود الوطنية، وما يلحق بذلك من تداخل بين السياسات الداخلية والخارجية فأصبحت هناك علاقة تبادلية من التأثير والتأثر.
• إعادة تعريف مفهوم "القوة" نتيجة لتنوع أنماطها ما بين (القوة الصلبة- القوة الناعمة – القوة الذكية).
• الإقصاء الاقتصادي خاصة مع الارتدادات المتباينة للرسوم الجمركية الأمريكية المفروضة بموجب الأمر التنفيذي المُعدل في يوليو 2025، وما لحق به من حروب تجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول في إطار إعادة هيكلة النظام التجاري الجديد. مما يعمق من الفجوة بين اقتصادات الدول الغنية والفقيرة، وتنامي ظاهرة الدول المتعثرة والعاجزة والمفلسة وانعكاسها المباشر على اضطراب حالة الأمن المجتمعي.
• تصاعد موجات العنف العالمي خاصة مع تنامي التفاعلات الصراعية المتباينة بمختلف المستويات الـ (الجيوسياسية، الجيواقتصادية، الجيوثقافية، ...) مما ساهم في بروز مرتزقة ومنظمات الجريمة المنظمة وحركات متطرفة وإرهابية وأشباه دول.
وعليه... من المهم التفرقة النوعية بين البيئات الحاضنة لحالة الإرهاب والتطرف على اختلاف مستوياتها، وذلك للمساعدة في وضع تصورات استباقية لمجابهة الإرهاب والتطرف فكرياً وعملياتيًا. وذلك بالنظر إلى التصنيفات التالية:
• البيئة المنتجة: تلك البيئة التي تتسم بالهشاشة الداخلية جراء تفشي الجهل والفقر، فضلاً عن ضعف مؤسسات الدولة. وتندر الهياكل المدنية والأحزاب ذات الأفكار المعتدلة. بينما يتنامى وجود الجماعات والهياكل المتطرفة المنتشرة بين الأفراد لتعبئة الأفكار والأهداف (الجانب المعرفي)، وما يترتب عليه من الانتقال للـ (الجانب التطبيقي) عبر انتشار أعمال العنف والإرهاب والتطرف بدءاً من المستوى المحلي/ الداخلي كحالة ولاية قندهار في أفغانستان.
• البيئة المنسجمة: تلك التي لا تنتج الإرهاب، ولكن تُعد ملاذاً مهيأً للإيواء دون الالتزام بتبني أفكارهم أو الانضمام لصفوفهم بالعمليات الموجهة ضد الدولة. وبالأغلب يبرز ذلك النمط بالمناطق المهمشة على أطراف الدولة والتي تعاني من الإهمال وضعف سيطرة الدولة الوطنية.
• البيئة المُوظفة: تلك التي تستخدم الإرهاب كأداة وظيفية فقط لخدمة أجنداتها السياسية، إذ إنها لا تنتجه ولا تنسجم معه. فعلى سبيل المثال: استحضرت جماعة الإخوان المسلمين التنظيمات الإرهابية في سيناء لتنفيذ أجنداتهم الممولة دولياً في تدمير وتفتيت الدولة المصرية، كذلك استدعاء الرئيس اليمني الأسبق علي عبدالله صالح لتنظيم القاعدة ليستدر تعاون القوى الدولية، كذلك توظيفات الولايات المتحدة الأمريكية لتنظيم داعش في خدمة أهدافها في الشرق الأوسط.
ثانيًا: التحولات الهيكلية
أفرزت التفاعلات الصراعية الأخيرة بالنظام الدولي ككل نمذجة مختلفة لحالة الإرهاب، فبرغم تباين أجندات التنظيمات الإرهابية إلا أنه دوماً ما يكون هناك هيكل تنظيمي يُسهم في توزيع المهام وتحديد المسؤوليات والصلاحيات لكافة المكونات داخل التنظيم أو الجماعة. وعليه، تم رصد نمطين من الهياكل، الأول: الهيكل المركزي "الهرمي"، والثاني: الهيكل غير المركزي "الشبكي".
1. الهيكل الهرمي - Hierarchical Structure:
يمتاز ذلك الهيكل بوجود قائد واحد له سلطة توزيع المهام وإصدار الأوامر والتعليمات بهدف تنظيم العمل وتجنب التداخل في المهام.

بالمقابل، ثمة عدد من المآخذ على ذلك النمط أبرزها: التباطؤ في عملية اتخاذ القرار، عدم المرونة في التكيف مع التغيرات السريعة، كذلك الفوضى والتشتت حال غياب القائد المركزي ذو الثقل الاستراتيجي، وذلك مثل حالة تنظيم القاعدة عقب اغتيال القائد "الإرهابي" أسامة بن لادن.
2. الهيكل الشبكي - Network Structure:
نتيجة لحالة التغيرات الاستراتيجية ببيئة التفاعلات السياسية والأمنية، وبالنظر إلى تجربة تنظيم القاعدة فيما بعد "أسامة بن لادن"، أصبح لدى التنظيمات الإرهابية الأولوية للتكيف مع حالة التغير القائمة والتحديات التي باتت تفرض عليهم. وعليه، أنتجت نمطاً تنظيمياً جديداً عُرف بـ" الهيكل الشبكي"، والذي يقوم على نسج شبكة من الخلايا المستقلة والمؤلفة من مجموعات قليلة العدد، أو أفراد تجمعهم روابط فكرية وأيديولوجيا، لتكون لكل مجموعة قيادتها الخاصة وأجنداتها ومسارات تحركها لتنفيذ عمليات إرهابية تتناسب مع البيئة المحيطة بها أو تلك المستهدفة بالخارج، وذلك بصورة مستقلة ووفقاً للإمكانات المتاحة لديها، وذلك مثل: الخلايا النائمة، وعمليات الذئاب المنفردة في العديد من الدول حول العالم مثل إسبانيا، وبريطانيا، وفرنسا، والتي استهدفت المواطنين العزل، والبنى التحتية.

الجدير بالذكر، أن ذلك النمط "الهيكل الشبكي" يسمح بمرونة الاندماج مع كافة المجتمعات والحواضن سالفة الذكر أعلاه، عبر ممارسة نشاطات تبدو في ظاهرها مشروعة، وتمكنها من دراسة البيئة المحيطة، وجمع المعلومات، وتحديد نقاط الضعف التي يمكن استهدافها من قبل عناصر التنظيم الإرهابي في حال طلب منهم تنفيذ عملية معينة.
عطفاً على ذلك، تُعد الهياكل الشبكية هي الأخطر مع قيامها بعمليات استقطاب، وتجنيد، وتدريب، وتأهيل، وتجهيز، للعناصر البشرية اللازمة لتنفيذ العمليات المطلوبة، وتوفير الخبرات والمعدات والتقنيات الضرورية بالاعتماد على المصادر الخارجية، مثل: شبكة الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمصادر الداخلية من خلال استغلال خبرات بعض أعضائها، وعدم الاعتماد على القيادة - والتي بالأغلب خارج النطاق الجغرافي لشبكة التنظيم - ويبقى دورها تقديم الاستشارات وتوفير مصادر التمويل. مما يفرض المزيد من الأعباء والتحديات على الأجهزة الاستخباراتية والأمنية على كافة المستويات المحلية الداخلية، والإقليمية، والدولية.
ثالثًا – المحددات المستقبلية لحالة الإرهاب
لم يعد هناك كمون في الظاهرة الإرهابية، فالإرهاب يُعيد نفسه من جديد، ولكن بأوجه ومسارات مختلفة تتناسب مع الطبيعة الشبكية وما تفرزه الحواضن الاجتماعية من تطورات نوعية؛ تسهم في انتقال حالة الإرهاب (التقليدي – وغير التقليدي) من معدلات الخمول إلى معدلات النشاط وفقاً لما تُملى عليهم من أجندات متباينة أفرزتها المحددات التالية:
1. صعود الإرهاب المحلي: إذ سعت العديد من التنظيمات الفرعية لـ "فك الارتباط" بتنظيم القاعدة أو تنظيم الداعش، والتركيز على السياق المحلي وفقاً لتموضعها الجغرافي، مثل نموذج هيئة تحرير الشام في سوريا وإسقاطها لنظام بشار الأسد وتولى قائدها "الجولاني" حكم سوريا، وما لحق بذلك من مباركة عدد من أفرع تنظيم القاعدة للجولاني وهيئة التحرير على سيطرتهم السياسية والميدانية على سوريا، وهو أمر بالغ الخطورة ويمثل تهديداً حيوياً لدول الشرق الأوسط، خاصة تلك المأزومة أمنياً. إذ تطرح "التجربة السورية" آفاقا للتقييم والرصد والمتابعة لدى العديد من التنظيمات الفرعية أو المحلية بمختلف الحواضن الإرهابية.
2. توظيف أزمات الإقليم: إذ أن تنامي حدة الاضطرابات السياسية والأمنية، خاصة فيما بعد أحداث 7 أكتوبر2023 بمنطقة الشرق الأوسط، أوجدت مساحات مرنة لإعادة إنتاج التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، والتمدد بمناطق جيوسياسية جديدة تخدم أجندات المصالح لمختلف الأطراف الفاعلة والمتداخلة بالدول المأزومة بالإقليم وفقاً لما أشرنا إليه أعلاه بمصطلح (البيئة المُوظفة)، فعلى سبيل المثال: عقب سقوط نظام الأسد أعيد تموضع تنظيم داعش عبر رسائل ميدانية مفاداها: "التأكيد على إعادة إنتاج التهديد، وأولوية إثبات الحضور، بالإضافة إلى الحفاظ على الاستمرارية دون النظر إلى تحقيق مكاسب عسكرية واضحة"، بالإضافة إلى ظهور عدد من الخلايا الإرهابية الفرعية ذات الأجندات السياسية مثل خلية سرايا جواد.
3. التطبيقات الشبكية: التحلل من النمط المركزي أسهم في خلق مساحات متباينة يقودها أفراد ذو خلفيات إرهابية أو أفكار متطرفة، اتساقاً مع ما بات يُعرف بـ "الخلايا النائمة"، و"الذئاب المنفردة". فعلى سبيل المثال: اجتاحت في إحدى الفترات عمليات إرهابية فردية العديد من الدول الأوروبية كفرنسا والنمسا وألمانيا. وتجدر الإشارة إلى أنه برغم انخفاض تكلفة تلك العمليات النوعية، إلا أنها تضيف المزيد من الأعباء والتحديات على الوكالات الأمنية والاستخبارية في مجالي رصد الأهداف واعتراض/ وتقويض مثل تلك العمليات. إذ أنّ مثل تلك "التطبيقات الشبكية" على الأرجح تفتقر إلى المسار اللوجستي المرتبط بالأجندات ذات الأهداف الحيوية والأكثر تنسيقاً.
4. الاستقطاب المُعولم: يُبنى ذلك المحدد على التطور التكنولوجي وفقاً لما بات يُعرف بـ "الإرهاب الإلكتروني"، وما يلحق به من "بنية تحتية رقمية" تسمح للتنظيمات الإرهابية ذات الهياكل الشبكية في استقطاب وتجنيد عناصر الشباب على اختلاف انتماءاتهم وهوياتهم، وذلك عبر ثلاث مراحل يتم توظيفهم عبر كافة المنصات الرقمية:
1. المرحلة الأولى - التأثير الوجداني: تستهدف "الأبعاد السيكولوجية" لدى الفئات المستهدفة من جانب التنظيمات الإرهابية عبر إثارة العاطفة الإنسانية، أو النعرة الطائفية والجهوية، أو الغيرة الدينية بحجة الدفاع عن القيم المقدسة الدينية كفكرة "الخلافة".
2. المرحلة الثانية - التأثير المعرفي: عبر "التغذية المعلوماتية" أحادية المنظور، ونشر الفكر الخاص بالجماعات الإرهابية والجهادية على مختلف المنصات الرقمية والشبكات الاجتماعية.
3. المرحلة الثالثة – التأثير السلوكي: تتمثل في "السلوك الوظيفي" وذلك عبر الدفع بالعناصر التي تم تجنيدها إلى المشاركة في العمليات الإرهابية تحت دعوى رفعة الجماعة والانتقال إلى العالم الأفضل، وذلك وفقاً للأجندات التي تم تلقينها عبر مرحلة "التغذية المعلوماتية".
رابعًا – اتجاهات الإرهاب التقليدية في عام 2026
تنبأ الرؤية الاستشرافية بعدد من الاتجاهات المحتملة لمستقبل الإرهاب التقليدي في عام 2026، وذلك اتساقاً بما آلت إليه مجمل القضايا الصراعية بمختلف الأقاليم الفرعية، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، والتأثيرات المتباينة للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والتطورات المتسارعة بالساحة السورية وإعادة إنتاج نشاط "الذئاب المنفردة"، دون إغفال حروب الوكالة بين القوى الإقليمية الصاعدة، والتوترات القائمة في اليمن وترجيحات تنظيم القاعدة في هذا الشأن. فضلاً عن التصاعد اللافت لنشاط التنظيمات الإرهابية في إفريقيا.
عطفاً على ذلك، لم تعد ترتبط تهديدات التنظيمات التقليدية بحجم الجماعات أو مواردها، بل بقدراتها على التوظيفات الحيوية لكافة التوترات الإقليمية والدولية بما يخدم أجنداتها. وعليه، تبرز المناطق ذات الصدارة على أجندة التطرف والإرهاب خلال عام 2026، خاصة بالشرق الأوسط وإفريقيا ، بالإضافة إلى القارة الأوروبية وعدد من النقاط الجيوسياسية في القارة الآسيوية، كمناطق مهددة بأنماط عملياتية جديدة من الإرهاب، منها: انتشار نمط الهجمات الخاطفة، ظهور نمط الفاعلين المنفردين، الاعتماد على الهياكل الشبكية المتناثرة، وبروز تهديدات هجينة تتداخل فيها أدوات الجريمة المنظمة والأنشطة السيبرانية مع التطرف الديني والأيديولوجي.
وعليه، من المُرجح خلال عام 2026، إعادة التموضع العملياتي للتنظيمات الإرهابية وفقاً للمحددات الاستراتيجية على المستويات (المحلية – الإقليمية - الدولية) التالية:
1. على المستوى المحلي - استراتيجية العدو القريب: يُرجح إعادة إنتاجها خاصة في العديد من الدول المأزومة أمنياً كحالة الدولة السورية واليمنية، إذ ينصرف التنظيم الإرهابي، سواء تنظيم داعش أو القاعدة، إلى تنفيذ عمليات نوعية ومباشرة تستهدف الأنظمة المحلية الحاكمة.
2. على المستوى الإقليمي – استراتيجية الجهاد الهجومي: وذلك بالعودة إلى الأطروحات السياسية الأولى للتنظيمات الإرهابية، وما يتعلق بمستقبل "جغرافية الخلافة". إذ من المرجح أن تنصرف التنظيمات الإرهابية خلال العام الحالي للقيام بعمليات نوعية بالحواضن المنسجمة والموُظفة التي سبق وأن أشرنا إليهم أعلاه، وذلك بهدف العمل على إعادة تشكيل "جغرافيا الخلافة"، عبر إعادة ترسيم خرائط السيطرة والنفوذ بالمناطق الواقعة تحت سيطرة المسلمين.
3. على المستوى الدولي – استراتيجية العدو البعيد/ الجهاد الدفاعي: تنصرف بالأساس إلى نمط "الهياكل الشبكية – اللامركزية" في التنظيمات الإرهابية، إذ تستهدف بالأساس القوى الغربية الداعمة للأنظمة المحلية بما يحيل دون إسقاطها، أو تلك الدول غير الإسلامية المتواجدة على أراضي دول إسلامية وتحمي وتدعم أنظمتها، وفي مقدمتهم الكتلة الأوروبية، بجانب الولايات المتحدة الأمريكية.
تأسيساً على ذلك، من المُرجح استمرار التهديدات الإرهابية، كما أنّ حدتها مرهونة بدرجات الاستجابة والتوظيف للاضطرابات الاجتماعية والجيوسياسية بمختلف الأقاليم الفرعية بالنظام الدولي، والتي ستشكل العامل الأكثر حسماً في خلق بيئات حاضنة بمختلف تكويناتها لتلك التنظيمات وهياكلها التقليدية. كذلك ما يتعلق بالاستراتيجيات المضادة لسياسات مكافحة الإرهاب على المستويين الإقليمي والدولي.
خامساً – اتجاهات الإرهاب الناشئ في 2026
يمر العالم بحالة تحولات أمنية معقدة تتزايد خلالها ظاهرة "التهديدات الهجينة"، والتي تمتزج أنشطتها بين الأمور السياسية والعسكرية والطائفية والأيدولوجية. لتسمح بمساحات للتداخل ما بين التهديدات الإرهابية التقليدية (الجهادي الطائفي، والأيديولوجي المتطرف) مع التهديدات الناشئة (السيبرانية، البيولوجية، التوظيفات البحرية، والشفرات الرقمية، التمويل المموه،..).
وعليه، من المُرجح أن يشهد عام 2026، تحولاً في نمط التهديدات الإرهابية مصحوباً بـ "تشتت العمليات"، وذلك استناداً إلى تحلل الهياكل الإرهابية من الأحادية المركزية والعمل وفقاً لهياكل شبكية لامركزية. بما يفضي إلى مواجهتنا لأنماط متباينة من "الإرهاب الهجين - Hybrid terrorism"، أبرزها:
1. الإرهاب السيبراني/ الرقمي: يُعد ذلك النمط الأخطر على الإطلاق، إذ يُعيد إنتاج علاقات القوة والانتشار والهيمنة عبر خلق مساحة مختلفة من "النشاط الراديكالي" على المستويين النظري والعملياتي. فضلاً عن إعادة تعريف "الأمن الوطني"، والانتقال من الحماية التقليدية/ العسكرية لمقدرات الدولة البحرية والبرية والجوية، إلى الحماية الرقمية والتقنية.
الجدير بالذكر، أنّ معظم التنظيمات الإرهابية وكذلك الفاعلين من دون الدول اعتمدوا في تحركاتهم الخارجية على الجمع بين أدوات القوة الصلبة التقليدية، وأدوات القوة الناعمة خاصة الشبكات الرقمية لإنجاز عدد من المتطلبات، أبرزها: تأمين الدعم المادي والمعنوي في إطار ما عُرف مُسبقاً بـ "البيعة الافتراضية" ، نشر الأفكار والمعتقدات، والتجنيد العابر للقومية، بالإضافة إلى الابتعاد والتخفي عن الأجهزة الأمنية للدول المستهدفة.
تأسيساً على ذلك، يُرجح تصاعد التهديدات السيبرانية مع تطور التكنولوجيا، إذ سيتضاعف استغلال الذكاء الاصطناعي والأتمتة الكمومية لشن هجمات أكثر تعقيداً تستهدف البنية التحتية الحيوية، الأنظمة المالية، تفكيك المعلومات شديدة الحساسية، بما يفرض مزيد من التهديدات، منها:
- استهداف البنية التحتية الحيوية: من المرجح استمرار استهداف التنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة لشبكات الطاقة والمياه والمواصلات والخدمات الحكومية لتعطيل الحياة اليومية ونشر الفوضى، وذلك على مختلف مستويات الاستهداف (المحلي - الإقليمي - الدولي) والتي سبق الإشارة إليها أعلاه.
- هجمات سلاسل الإمداد (Supply Chain Attacks): نتيجة لتطور "أتمتة التهديدات"، فمن المرجح التنوع في حجم ومستويات التهديد، لتشمل استهداف نقاط الضعف في سلاسل توريد البرمجيات والعتاد لضرب أهداف متعددة بضربات محددة ومنخفضة التكلفة.
- توظيفات إنترنت الأشياء (IoT): عبر استغلال التنظيمات الإرهابية لثغرات المكيانزم الشبكي للأجهزة المتصلة، ومن ثم تصبح تلك الأجهزة نقاط هشة مُحتملة للهجمات السيبرانية. كاستهداف الأنظمة المصرفية وأسواق المال.
- تفكيك النسيج الاجتماعي: تُبنى تلك الفرضية على نشر المعلومات المضللة، والتأثير على الرأي العام وإعادة تشكيل سيكولوجية طبقات اجتماعية معينة بهدف الاستقطاب والتعبئة. وعليه، يُرجح تزايد توظيف المحتوى البصري بالمنصات الإلكترونية للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة لنشر مقاطع فيديو وصور تستهدف التأثير النفسي على الجمهور، وكذلك استخدام غرف مغلقة في تيليجرام، والواتس آب، ومنصات مشفرة أخرى لتنسيق العمليات الإرهابية بعيدًا عن أعين السلطات الوطنية بالدول محل الاستهداف.
2. الإرهاب البيئي: يُرجح التوظيف الإرهابي للمكون البيئي بما يخدم استراتيجيات الاستهداف على مختلف المستويات (المحلية – الإقليمية – الدولية)، فعلى سبيل المثال: تلجأ تلك التنظيمات الإرهابية للاستهداف المباشر للموارد البيئية مثل تسميم مصادر المياه بهدف التأثير على الأنظمة السياسية ، أو تلك العشائرية/ الجهوية من أجل توسيع السيطرة وجغرافيا النفوذ، مُستغلين في ذلك الخبرة التاريخية لتنظيم داعش في سيطرته على سد صدور الصغير شمال بغداد وقطع إمدادات المياه عن قرية بلدرزو، ذات الأغلبية الشيعية في محافظة ديالي.
3. الإرهاب البيولوجي: كشفت أزمة جائحة كورونا أنّ التهديدات التي يمكن أن يسببها الإرهاب البيولوجي باتت في منحى تصاعدي، خاصة مع تزايد مخاطر وتهديدات "أتمتة الإرهاب"، والاتجاه نحو تقنيات الهندسة البيولوجية، واستخدامها كسلاح يصعب تتبعه وتحديد فاعليه. إذ يتسم "الإرهاب البيولوجي" بعدد من الخصائص والسمات المغايرة للإرهاب التقليدي في حجم وطبيعة التهديد، أبرزها:
- طبيعة العامل: تُستخدم فيه الكائنات الدقيقة أو سمومها، بينما يعتمد الإرهاب التقليدي على الأسلحة التقليدية كالقنابل والأسلحة النارية.
- طريقة الانتشار: يمكن أن تنتشر العوامل البيولوجية بطرق مختلفة، كالهواء، أو الماء، أو الطعام، وقد لا تظهر أعراض المرض إلا بعد فترات زمنية متباعدة.
- الآثار طويلة المدى: يمكن للأسلحة البيولوجية أن تضر بصحة الإنسان، ومختلف الكائنات الحية، والبيئة، كالإرهاب الموجه ضد الهندسة الوراثية والنظم الأيكولوجية.
- صعوبة الاكتشاف والتشخيص: قد يصعب في البداية اكتشاف الهجوم البيولوجي وتشخيصه سريعاً، مما يزيد من تعقيد التعامل معه.
- الخوف والذعر: تخلق الهجمات البيولوجية حالة من عدم اليقين، فتبث الخوف والقلق في نفوس المواطنين.
وعليه، يُرجح أن تلجأ التنظيمات الإرهابية – خاصة ذات الهياكل الشبكية- لاستخدام الأسلحة البيولوجية نظرا لانخفاض تكلفتها وسهولة إنتاجها واستخدامها وانتشارها، وصعوبة الكشف عنها من قبل أنظمة الاستشعار التقليدية لمكافحة الإرهاب. فضلاً عن مدى فاعليتها في إحداث الأضرار المتباينة على كافة المستويات الاستراتيجية، بما يخدم أجندات تلك التنظيمات الإرهابية. فعلى سبيل المثال : دعت مجموعات مرتبطة بتنظيم داعش إلى الرد على أحداث مجزرة المسجدين في نيوزيلندا عام 2019، وأطلقت حملات تروج للأسلحة البيولوجية. وتلى ذلك نشر مقطعاً مصوراً عن الإرهاب البيولوجي، مقترحين فيروسات، مثل: فيروس هنتا الذي يصيب الرئتين، والكوليرا، والتيفوئيد؛ لتكون أسلحة لعمليات "الذئاب المنفردة"، وآليات نشر تلك الأسلحة الصامتة في الدول المعادية.
4. الإرهاب البحري: يُعد أحد أبرز التهديدات الناشئة، خاصة مع الخبرة التوظيفية لجائحة كورونا، والتي ساهمت في تفاقم تهديدات الأمن البحري جراء تعطيل سلاسل التوريد وزيادة خطر أن تصبح الموانئ أهدافا للهجوم.
ونتيجة لمجمل التفاعلات الأخيرة بالدول المُطلة على البحر الأحمر، مثل: حالة الوضع القائم بجنوب اليمن رغم محاولات القوات الجنوبية المحلية هناك القضاء على الجماعات الإرهابية، وكذلك حالة الجماعات الإرهابية كحركة الشباب المجاهدين في الصومال. إذ من المُرجح أن تواجه كثير من الدول العربية خطر تنامي التهديدات الإرهابية في البحر الأحمر، ولاسيما الموجهة ضد الدول الواقعة على شواطئه، وفي مقدمتها: جمهورية مصر العربية. وفضلاً عن تهديد حركة الملاحة البحرية في البحر الأحمر وقناة السويس، تبدو الموانئ والقواعد العسكرية والسفن التجارية والعسكرية ببيئة البحر الأحمر أكثر عرضة للهجمات الإرهابية في الآونة المُقبلة؛ خاصة مع تراخي إجراءات إنفاذ القانون البحري في موانئ شرقي إفريقيا وتزايد نشاط التنظيمات الإرهابية وإعادة تموضع هياكلها الشبكية.
تأسيساً على ما سبق استعراضه، وفي إطار إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد، تتجه الكثير من الدول الغربية بجانب الولايات المتحدة الأمريكية لإعادة إنتاج التنافس بين القوى الكبرى، والعودة مرة أخرى نحو جدالات الأحادية والتعددية القطبية، وما يترتب على ذلك من تعديل مسارات الإنفاق الخارج وإعادة توجيهه لذلك التنافس، مقابل تقليص الميزانيات الكبيرة التي كانت مخصصة لمكافحة الإرهاب. وعليه، يبدو أننا سنواجه اتجاهات متباينة من التنوع واللامركزية في قضايا الإرهاب والتطرف خلال عام 2026، يمكن حصرها في عدد من المشاهد، والتي تحدد بدورها استشراف مسارات تلك القضية:
1. المشهد الأول - الانتقال الإيديولوجي:
إذ يبدو أنّ هناك العديد من المراجعات الفكرية والسلوكية للكثير من الفصائل اللامركزية التابعة للتنظيمات الإرهابية بالتخلي عن العمل المسلح والتحرك نحو إعادة تجربة "هيئة تحرير الشام" التي انفصلت عن القاعدة، وأعلنت تبنيها العمل السياسي، وقدمت نفسها على أنها حركة سورية وطنية تهتم بالشأن السوري فقط وترغب في تأسيس علاقات حيوية مع الدول المجاورة والقوى الدولية، ونأت بنفسها عن "الحركة الجهادية العالمية".
وعليه، يُرجح أن تُعيد التنظيمات الإرهابية أو الحركات المتطرفة تقديم نفسها وفقاً لمنظور شامل براغماتي، عبر التحول في السلوك التنظيمي دون الانحراف عن القيم النظرية والفكرية، وبالتالي يتخلى التنظيم ذاته عن العمل المسلح سلوكياً، ولكن لا يُدين هذا العمل إذا ارتكبه تنظيم/ جماعة أخرى غيره.
2. المشهد الثاني – التنوع العملياتي:
لم تعد العمليات قاصرة على فكرة "الجهادية السلفية"، إذ سيساهم استغلال الديموقراطية وتوظيف المعلومات المضللة في خلق مشهد إرهابي أكثر تنوعاً، نتاج تفكيك التوازن الاجتماعي وحلحلة بنية الداخل عبر نشر قيم التعصب وخطاب الكراهية والمجموعات الفوضوية، وذلك جرّاء تأثرهم بالدعاية المتطرفة على وسائل التواصل الاجتماعي. فعلى سبيل المثال: تنامت خلال الفترات الأخيرة ظاهرة "الذئاب المنفردة" في مختلف الأقاليم الفرعية بالنظام العالمي مستغلين في ذلك التوجهات الديمقراطية التي أسقطت الحواجز التي تحول دول الانخراط في الإرهاب، كما أن التطور التكنولوجي والاتصالات المشفرة، أوجدت مساحات مرنة للحصول على الأسلحة وتحديد مواقع الاستهداف بشكل دقيق بمنأى عن أجهزة الرصد الاستخباراتية الوطنية بالدول محل الاستهداف.
3. المشهد الثالث – الانتشار اللامركزي:
نتيجة لتفكك أغلب التنظيمات الإرهابية ذات الثقل واستهداف قياداتها، سيدفع ذلك بالفروع الإقليمية إلى الاعتماد على النمط الشبكي اللامركزي والمزج بين الأهداف المحلية والإقليمية، أو تلك الجماعات ذات التشابكات الدولية استناداً إلى فرضية "المعلومات المضللة"، و"نظريات المؤامرة"، مع قيام أجندات خارجية بتغذية تلك التوجهات الإرهابية والمتطرفة عبر تضخيم الروايات المعارضة والقضايا المتطرفة. فضلاً عن دعم ورعاية عدد من الدول لجماعات وتنظيمات إرهابية مدفوعة بعوامل القومية أو العرقية أو الانفصالية، وذلك في إطار ما يُعرف بـ "الإرهاب بالوكالة"، لدعم محفزات الحروب الأهلية والتوترات الإقليمية بهدف تحقيق أجندات خاصة ذات طابع جيوسياسي بمناطق الاستهداف.